لن أعود إلى تركيا ولا أستطيع دخول اليونان… “الحدود قدرنا”

وفقاً لمعاينة قام بها "درج" لمحطّات انطلاق اللاجئين، فإن النسبة الأكبر ممّن توجّهوا نحو الحدود اليونانية هم من الأفغان والإيرانيين ثم الصوماليين ثم السوريين، الذين كانت أعدادهم الأقل.

في شارع “وطن” وسط اسطنبول، كانت امرأة خمسينية تمسك بكلتا يديها بوجه شابٍ يبدو أنّه ابنها، وتواصل تقبيله من مناطق مختلفة من وجهه من دون توقّف، بينما هو يحاول تهدئتها.

استمرَّ المشهد بضع ثوانٍ قبل أن تتوّقف عن احتضانه، بينما هو حزم حقيبته على ظهره، ثم أخرجت المرأة من جيبها موزة وأعطته إيّاها قائلةً له: “خليها معك بيجوز تجوع والمنطقة مقطوعة”.

عندما اقتربتُ منه، وعرف أنّني صحافي، أشار لي بيده حتى أبتعد منهما، يبدو أنّه رفض تصوير أمّه وهي باكية، كما أخفى دمعته وصعد نحو الحافلة.

في الشارع ذاته، لم يكن لأحدٍ أن يجد الوقت لمشاهدة هذا المشهد التراجيدي، كلٌّ يسعى نحو هدفه في إيجاد حافلةٍ تقلّه إلى “النقطة الصفر” على الحدود بين اليونان وتركيا.

على بعد أمتار من المشهد ذاته، يقف رجل سوري، وبيده فنجان بلاستيكي من القهوة وهو يصيح “عاليونان بمية ليرة”، محاولاً تعبئة الحافلة بالمهاجرين ليستلم الحافلة التي تليها، بينما وضع نشطاء وبلديات، حافلات مجّانية على بعد مئات الأمتار من الشارع ذاته لنقل المهاجرين مجّاناً.

ذلك كله حدث بتصريحٍ واحد، قلب الأمور رأساً على عقب، وأعاد مشهد “ذروة اللجوء” التي حدثت عام 2015 إلى الأذهان.

تزايد الأعداد على الحدود

ما حدث أنّه في ليل الخميس – الجمعة (27- 28 شباط/ فبراير)، سرّب مسؤول تركي خبراً لوكالة “رويترز” أكّد فيه أن “تركيا لن تعيق حركة المهاجرين الراغبين باللجوء إلى أوروبا”، وما إن نُشر هذا الإعلان بدأت البلديات والنشطاء يجهّزون حافلات تنطلق من المناطق الحيوية في اسطنبول نحو الحدود اليونانية.

ومنذ صباح الجمعة، بدأ مئات اللاجئين يتمركزون على النقاط الحدودية التركية، من دول عدة وهي أفغانستان، إيران، الصومال، العراق، سوريا.

وفقاً لمعاينة قام بها “درج” لمحطّات انطلاق اللاجئين، فإن النسبة الأكبر ممّن توجّهوا نحو الحدود اليونانية هم من الأفغان والإيرانيين ثم الصوماليين ثم السوريين، الذين كانت أعدادهم الأقل.

وحتّى الآن فشل معظم المحتشدين على الحدود اليونانية في الدخول، باستثناء قلّة قليلة نجحت في التسلّل، البعض منهم تم إرجاعه من الداخل اليوناني إلى تركيا بعد مصادرة هواتفهم المحمولة وإجبارهم على خلع ملابسهم والعودة إلى تركيا “عُراة”.

وفقاً لآخر إحصاء صادر عن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو، فإن عدد المهاجرين غير النظاميين الذين غادروا من ولاية أدرنة شمال غربي البلاد باتجاه أوروبا بلغ أكثر من 100 ألف شخص”.

الرئاسة التركية نشرت بياناً بالتزامن مع ازدياد عدد اللاجئين قالت فيه: “عدّلنا سياستنا ولن نمنع اللاجئين من مغادرة تركيا، نظراً إلى محدودية مواردنا وموظفينا، لذلك نركّز على التخطيط لحالات الطوارئ في حال حدوث موجات هجرة جديدة من سوريا، بدلاً من منع اللاجئين الذين يعتزمون اللجوء إلى أوروبا”.

وأضافت الرئاسة: “نواصل تطبيق “الحماية الموقتة” للسوريين في بلدنا. لم يُطلب من أي من إخواننا وأخواتنا السوريين المغادرة، إذا اختاروا البقاء فيمكنهم ذلك، وإذا اختاروا المغادرة فيمكنهم ذلك أيضاً”.

ثلاثة أسباب للهجرة

بالنسبة إلى الاجئين السوريين، فهناك ثلاثة أسباب، دفعت أعداداً منهم لمحاولة الوصول إلى اليونان، وفقاً لمقابلات أجراها “درج” معهم.

خلال صعوده في الحافلة للانتقال إلى الحدود اليونانية، التفت الشاب السوري ياسر، وأبلغنا أنه “لا يملك وثائق ويخاف من الترحيل في المستقبل”، وذلك عندما كنّا نحاول سؤاله عن سبب رغبته في الوصول إلى أوروبا، ثم صعد إلى الحافلة وأكمل طريقه.

الوثائق في تركيا وعلى رأسها “بطاقة الحماية الموقّتة” أصبحت هاجساً لدى معظم السوريين في الأشهر الماضية في تركيا، لا سيما أن هذه البطاقة تتيح لهم الوجود القانوني، وعلى أساسها يحصلون على التعليم في المدارس والجامعات والخدمات الصحّية وغيرها من الأمور الحياتية الضرورية، وبما أن نسبةً منهم لا تملك هذه البطاقة، في حين يتعثّر الحصول عليها من المدن الرئيسية مثل اسطنبول وأنقرة، فإن الهجرة كانت حلّاً بديلاً.

“تركيا قست على عائلتي كثيراً”، بهذه الجملة حاول أحمد بكّور، المنحدر من ريف دمشق تلخيص سبب إقدامه على الرحلة المحفوفة بالمخاطر إلى اليونان. أحمد قرّر الدخول في هذه المقامرة مع زوجته وطفلته الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها خمس سنوات، ويقول إنه يعلم جيّداً صعوبة هذه الرحلة وخصوصاً بالنسبة إلى طفلته وزوجته، ولكنّه يواسي نفسه “وجع ساعة ولا كل ساعة”.

منذ وصوله إلى تركيا قبل 4 سنوات، كان أحمد يعمل 16 ساعة يومياً في ورشة خياطة، ومع ذلك لا يستطيع تأمين أساسيات الحياة لعائلته بسبب راتبه الذي لا يزيد عن 1800 ليرة تركية (نحو 300 دولار)، فشل في إرسال ابنته إلى الروضة بسبب تكلفتها المرتفعة، كما تعرّض منزله للسرقة في تركيا، وهي مشكلات تُضاف إلى أن بطاقة الحماية الموقّتة الخاصة به صادرة عن اسطنبول، في حين أن بطاقة زوجته صادرة عن ولاية أضنة، وهو ما يجعله يفشل في تسيير أي معاملة حكومية قانونية لعائلته.

يقف رجل سوري، وبيده فنجان بلاستيكي من القهوة وهو يصيح “عاليونان بمية ليرة”، محاولاً تعبئة الحافلة بالمهاجرين ليستلم الحافلة التي تليها.

رفض أحمد الخوض في نقاش عمّا قد يحدث لطفلته في هذه الرحلة، يبدو أنّه كان مغلوباً على أمره ولا يريد الحديث أكثر ومن ثم تحمّل تأنيب الضمير.

بالنسبة إلى معظم الشابات والشباب الذين قابلناهم، والذين تتراوح أعمارهم بين 18 – 30 سنة، فإنّهم يجمعون على أنّهم يبحثون عن فرص أفضل لمستقبلهم، لأن الحياة في تركيا لم تحمل لهم أي مستقبل واضح، بما في ذلك إتمام الدراسة الجامعية التي فشلوا في إتمامها في سوريا، وإيجاد فرص عمل بشهاداتهم تؤمّن لهم حياةً كريمة.

وائل مصطفى، شابٌ سوري يحمل شهادة في طب الأسنان، ولكنّه منذ أكثر من عامين يعمل في ورشة للخشبيات، لأنّه لم يتمكّن من العمل في شهادته.

عن ذلك يقول وائل: “هناك شروط للعمل، أوّلها أن أكون تركي الجنسية، وأن أتقن اللغة التركية، ثم تعديل الشهادة عبر الدراسة لمدّة ثلاث سنوات في الجامعات التركية، لكي أتمكّن من افتتاح عيادة وممارسة مهنتي”، موضحاً أن هذه الشروط تحتاج إلى راحة مادّية تمكّنه من التركيز على دراسته لسنوات، ولكنّه رمى شهادته وانخرط في أي عمل بحثاً عن لقمة العيش.

في الطريق إلى اليونان

الوصول إلى اليونان يتم إمّا عبر الحافلات المجّانية التي خصّصتها البلديات، أو عبر حافلات وسيّارات خاصّة.

تجتمع هذه الحافلات في منطقة الفاتح، إمّا في ميدان أكسراي، أو قرب محطة مترو “توب كابي”، أو قرب ميدان “زيتون بورنو” في القسم الأوروبي من مدينة اسطنبول.

من هذه الأماكن تبدأ رحلة المجهول، يختار المهاجرون الحافلات المناسبة لهم، البعض منهم جاء وحيداً، لذلك يحاول الاقتراب من التجمّعات للبحث عن أحدٍ من “أبناء جلدته” يشاركه ونس الرحلة.

يمتد الطريق بين اسطنبول وأدرنة الحدودية على مدار أربع ساعات. عند الاقتراب من النقاط الحدودية هناك الكثير من النقاط التابعة للجيش التركي، تقوم بإرشاد المدنيين إلى النقاط التي لا ضغط كبيراً عليها، إذ يتم توزيع المهاجرين على نقاط عدة، تتشارك جميعها في جزئية واحدة، أنّها تقع في مناطق لا نشاط بشرياً فيها، لا منازل ولا أسواق ولا محال تجارية ولا حتّى أضواء للإنارة.

عقب النزول من الحافلة، يمشي المهاجرون نحو ساعة للوصول إلى النقطة المطلوبة، ويتجمّعون هناك قرب النقطة، ليجدوا أمامهم عناصر من الجيش اليوناني مدجّجين بكل أنواع الأسلحة بانتظارهم على الحدود.

يقف فراس، وهو شاب سوري قرب إحدى النقاط، منذ ثلاثة أيام، ويصر على أنّه سوف يدخل على رغم تعرّضه لأربع قنابل مسيّلة للدموع، ويُمني النفس بأنّه مع الوقت سوف يزداد عدد المهاجرين أكثر وبالتأكيد سوف تفلت الأمور من يد الجيش اليوناني ليبدأ الدخول الجماعي إلى الخطوة الأولى نحو أوروبا.

ويقول فراس: “لن أعود إلى تركيا ولا أستطيع الدخول إلى اليونان” ثم يضيف: “الحدود قدرنا”.

المبيت في العراء

منذ بدء توافد المهاجرين، لم تفارق الصحافية السورية ديما السيد الحدود اليونانية، تنطلق كل يوم صباحاً مرافقةً دفعات المهاجرين، وتعود في وقتٍ متأخّر بعد منتصف الليل. من هناك تحاول ديما بث فيديوهات مباشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي لنقل ما يحصل، متنقّلةً بين نقطةٍ حدودية وأخرى. 

مباشر | من حدود اليونان الآن مكان توافد السوريين للهجرة إلى أوروبا – الصحفية ديما السيد لمنصة كوزال

Gepostet von ‎كوزال‎ am Freitag, 28. Februar 2020

تتّفق ديما، على أن السبب الأساسي للهجرة هو صعوبة تلبية متطلّبات الحياة وخصوصاً للعائلات، إضافةً إلى غياب الاستقرار والمستقبل عن الحياة في تركيا، إضافةً إلى الخوف من اللعبة السياسية التي قد تعيدهم إلى سوريا وهناك قد يواجهون مخاطر على حياتهم.

تتحدّث ديما لـ”درج” عن مشاهداتها على الحدود قائلةً: “من يذهب بشكلٍ شخصي، يكون قد حدّدً مسبقاً النقطة الحدودية التي يريد الذهاب إليها، في حين أن الذاهبين مع الحافلات المجّانية لا يختارون النقاط بل يتم توزيعهم عليها وفق الضغط”.

عدد المهاجرين غير النظاميين الذين غادروا من ولاية أدرنة شمال غربي البلاد باتجاه أوروبا بلغ أكثر من 100 ألف شخص”.

وتضيف: “في الليل تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر، وتنعدم الإضاءة بشكلٍ كامل، بحيث لا يستطيع أحد أن يرى يده أمامه. عندما وصلتُ إلى إحدى النقاط التي وضعتنا الحافلة فيها، وُضِعنا في منطقة زراعية نائية، كان شكلها مخيفاً وفيها حيوانات وحشرات من مختلف الأنواع الخطرة، وفور النزول قرّرت أربع عائلات العودة إلى اسطنبول خوفاً على أطفالها”.

حدود اليونان

خاص كوزال: العائلات في العراء الآن على حدود اليونان في ظل تدني درجات الحرارة.

Gepostet von ‎كوزال‎ am Samstag, 29. Februar 2020

بحسب ديما، فإنه بالقرب من نقطة “أبسلا” الحدودية هناك مركز إيواء لينام اللاجئون هناك، ويتم توزيع بعض الاطعمة الخفيفة من قبل هيئات إغاثية تركية، ولكن بالنسبة إلى النقاط الأخرى، فلا يوجد أي نوع من المساعدة، ويضطر اللاجئون وعائلاتهم إلى النوم في العراء ليلاً.

عنف الجانب اليوناني

تُعتبر نقطة “بازار كولي” الحدودية، الأكثر خطراً، فهناك تندلع اشتباكات يومية بين الجيش اليوناني واللاجئين، يستخدم فيها الطرف اليوناني الرصاص المطّاطي والقنابل الغازية مسيّلة الدموع، وفي بعض الأحيان يتم إطلاق الرصاص الحي في الهواء لإبعاد اللاجئين من النقاط الحدودية، وقد وقعت إصابات نتيجة ذلك.

ولكن الفاجعة كانت عندما قُتل أول لاجئ سوري على الحدود اليونانية، بعد إطلاق الجيش اليوناني النار عليه، ما أدّى إلى إصابته، ووفاته بعد ذلك.

وفقاً لشهادة ديما، فإن الجيش اليوناني استنفر وكثّف نقاطه على الحدود، في محاولةٍ لمنع أي لاجئ من الدخول إلى الأراضي اليونانية.

ونشر شابٌ سوري مقطع فيديو يحتفل فيه مع عشرات اللاجئين بعبور الأراضي اليونانية، وأعطى الأمر للكثير من اللاجئين بالدخول.

ولكن الصحافية السورية آية سلطان نشرت صورةً معه من أحد مراكز الإيواء في الجانب التركي، حيث قبضت عليه القوات اليونانية وأعادته إلى الجانب التركي مع بقية اللاجئين.

https://www.facebook.com/photo.php?fbid=2857231427691029

في هذا السياق، قرر مجلس الأمن القومي، رفع مستوى الإجراءات الأمنية على الحدود الشرقية والبرية والبحرية للبلاد من قبل قوات الأمن والقوات المسلحة لمنع الدخول غير القانوني إلى البلاد.

وقرّر المجلس، التعليق الموقت لاستقبال طلبات اللجوء لمدة شهر واحد لمن يدخلون البلاد بشكلٍ غير شرعي، إضافةً إلى الإعادة الفورية لمن يدخلون بعد هذا القرار.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

كارمن كريم – صحفية سورية
“تخيلي فقط أن خاتم الزواج هو الطلقة الأخيرة في وجه الحاجة، والنساء يأتين ويطلقنها مباشرة من أصابعهن، لكن ماذا بعد خاتم الزواج؟ كيف ستعيش تلك العائلات؟”.
شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية في العراق
يقول خدر علي وهو يحاول منع نفسه من البكاء بينما ينظر باتجاه بقايا المدينة القديمة المدمرة :”بعد 70 حملة ابادة، نجحنا في مقاومتها جميعاً والبقاء هنا، اليوم نحن أقرب من أيّ وقت مضى للانكسار والضياع”.
صفية مهدي – صحافية يمنية
يمثل عدم إعلان السلطات الصحية الخاضعة للحوثيين، عن أعداد الضحايا، أبرز قضية محورية تُثار حولها الأسئلة المتصلة بتفشي “كورونا” في اليمن
نور يوسف – صحافية لبنانية
“اللبناني بلبنان مذلول وحالياً عم ينذل برا”. بهذه العبارة اختصر الطالب حسن حديد الوضع المأساوي الذي يعيشه طلاب لبنانيون في الخارج في ظل جائحة “كورونا” والوضع الاقتصادي السيئ
شفان ابراهيم – صحافي سوري كردي
“قبل القفزة الجنونية للدولار كان الفقراء يكتفون بشراء ربع كيلو من اللحم وبالدين حتّى نهاية الشهر، الآن لا نبيع في اليوم كله 15 كلغ، وأغلبه بالدين”…
خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
تؤكد الأبحاث إمكانية انتشار فايروس كورونا عبر مياه الصرف الصحي وهذا مؤشر خطير، بخاصة في بلد مثل العراق لا يبدو مهتماً بمعالجة الأمر. واقع قد يجعل العراقيين عرضة لجموح الوباء…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني