fbpx

فيكشن: حين حلم أمين الجميّل حلماً رائعاً بحافظ الأسد

دعا الرئيس السوريّ حافظ الأسد إلى "خلوة استثنائيّة لخليّة الأزمة" في 5 مارس/ آذار 1984. في قصره الرئاسيّ التفّ حوله قادة نظامه: عبد الحليم خدّام ومصطفى طلاس وحكمت الشهابي وناجي جميل وفاروق الشرع ومحمّد ناصيف وعلي دوبا. الوقت كان أوّل المساء. حين دخلوا معاً وجدوا الأسد في حيرة من أمره على نحو لم يعهدوه فيه من قبل. كان، هو المعروف بالحسم، متردّداً كما لو أنّ بعضه يصارع بعضه الآخر...

دعا الرئيس السوريّ حافظ الأسد إلى “خلوة استثنائيّة لخليّة الأزمة” في 5 مارس/ آذار 1984. في قصره الرئاسيّ التفّ حوله قادة نظامه: عبد الحليم خدّام ومصطفى طلاس وحكمت الشهابي وناجي جميل وفاروق الشرع ومحمّد ناصيف وعلي دوبا. الوقت كان أوّل المساء.

حين دخلوا معاً وجدوا الأسد في حيرة من أمره على نحو لم يعهدوه فيه من قبل. كان، هو المعروف بالحسم، متردّداً كما لو أنّ بعضه يصارع بعضه الآخر.

عبد الحليم خدّام بادره: شو القصّة يا سيادة الرئيس، كيف شايف الوضع؟، فجاء الجواب مختلفاً عن إجابات الأسد في العادة: شيئين يا أبو جمال. واحد مُفرح وواحد خطير. المفرح آخر تقرير أُرسل إليّ من السجون، سجوننا، وهو أنّ عدداً من المساجين، الإخوان واليساريّين والقوميّين كما يسمّون أنفسهم، يعبّرون عن سخطهم على الحكومة اللبنانيّة بسبب اتّفاقيّة 17 مايو/ أيّار، وهم يشتمون البرلمان اللبنانيّ لأنّه صادق عليها. لقد أرسلوا لي برقيّة يؤيّدون فيها سياستنا في التصدّي لاتّفاق الإذعان والعار. تأمّلوا! بعضهم من مدينة حماة، وأنتم كلّكم على علم بما فعلناه بها، لكنّهم بمجرّد أن سمعوا باتّفاق لبنانيّ إسرائيليّ حتّى باتوا يردّدون نفس الكلام الذي نقوله نحن عن أنّه اتّفاق إذعان وخيانة. هذا دليل على أنّ شعبنا أصيل يعرف أين يكمن الخطر الحقيقيّ (وبعد لحظة صمت وبضحكة صفراء على شفتيه) … وأنّه على شيء من الهبل أيضاً.

وبعد قهقهة شارك فيها الجميع، أكمل الرئيس: الشيء الخطير هو بالطبع ما تعرفونه جميعاً من أنّ البرلمان اللبنانيّ وافق على الاتّفاق. لقد وافق 95 نائباً من أصل 99. هذه كارثة كبرى. زاهر الخطيب ونجاح واكيم وحدهما صوّتا ضدّه، ورشيد كرامي لم يحضر الجلسة، فيما رفيقنا السابق عبد المجيد الرافعي لم يجروء على مغادرة بغداد إلى بيروت خوفاً منّا بالطبع.

طلاس: لكنْ لماذا هو خطير؟ ألم تقل لي سابقاً، يا سيادة الرئيس، إنّ اللبنانيّين كانوا يطلعونكم إبّان التفاوض على كلّ ما يتوصّلون إليه مع الإسرائيليّين، ويطلبون منّا أن نعترض على ما لا يعجبنا؟.

عجيب كم أنت بريء يا مصطفى. نعم، كانوا يفعلون ذلك، وكنّا نوحي لهم بالموافقة على ما يتوصّلون إليه مع الإسرائيليّين من أجل أن يتورّطوا ويوقّعوا الاتّفاق. هذا بذاته كان يمكن أن يشكّل فرصة نادرة لنا كي نعيد إمساك الورقة اللبنانيّة. لكنّ الخطير هو هذا الإجماع اللبنانيّ الواسع على تأييد الاتّفاق.

واستطرد الرئيس وهو يوجّه نظره إلى محمّد ناصيف: صديقك نبيه برّي في حركة أمل، أتعرف ماذا أوصل لي حين طلبت منه أن يعلن انتفاضة في بيروت والضاحية الجنوبيّة ضدّ حكم أمين الجميّل واتّفاق 17 مايو/أيّار؟ قال إنّ مصالح الجنوبيّين الذين يمثّلهم تقتضي الموافقة على الاتّفاق، وأنّ الشيعة، مثلهم مثل سائر اللبنانيّين، تعبوا من الحروب. وحين أوصلت له أنّ أمين الجميّل عدوّ لحركته ولطائفته، أتعرفون بماذا ردّ؟ قال إنّ الذين خطفوا موسى الصدر في ليبيا، قاصداً معمّر القذّافي ومحمّد بهشتي، هم حلفاء لنا، لا لأمين الجميّل. وهو في موقفه هذا متضامن مع قادة آخرين في طائفته كرئيس المجلس النيابيّ كامل الأسعد ونائب رئيس المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى محمّد مهدي شمس الدين وعادل عسيران وعبد اللطيف الزين وكاظم الخليل وحسين الحسيني وغيرهم. وليد جنبلاط لم يكن تجاوبه أفضل حالاً. طلبنا منه أن ينتفض في الجبل وقلنا له إنّ مدفعيّتنا ومدفعيّة جماعتنا من الفلسطينيّين المعارضين لعرفات يمكن أن تسانداه، فردّ بمطالعة حملها إليّ محسن دلّول الذي احتجزناه في أحد الاقبية هنا كما تعلمون. وليد بك (بسخريّة) قال إنّ “سلطتنا الأمنيّة”، تخيّلوا!، هي التي اغتالت أباه كمال، وليس أمين الجميّل. كذلك اعتبر أنّ أهل جبل لبنان قد شبعوا من التذابح الطائفيّ وآن لهم أن يعيشوا بسلام وطمأنينة. لقد ذكّرني بكلّ وقاحة بأنّنا نحن سبق أن وقّعنا اتّفاق فصل قوّات مع الإسرائيليّين في 74. السُنّة أوضاعهم ليست أفضل حالاً (ينظر إلى فاروق الشرع وحكمت الشهابي). صائب سلام ماضٍ في رعايته لأمين الجميّل واتّفاق 17 مايو/أيّار. نموذج رئيس حكومتهم شفيق الوزّان يعمّ وينتشر في بيروت وطرابلس وصيدا. حتّى رشيد الصلح أجاب بأنّه يفكّر في المسألة (ضحك). رشيد كرامي وحده موقفه شريف، لكنّه مغلوب على أمره لأنّ عواطف الطرابلسيّين ليست معه. هم يكرهون نظامنا وأجهزتنا الأمنيّة أكثر ممّا يكرهون إسرائيل، ويقولون، مثلهم مثل باقي اللبنانيّين، إنّهم شبعوا حروباً ومواجهات دمويّة. الشابّ الصيداويّ المقيم في السعوديّة، ما اسمه يا عبد الحليم؟

خدّام: رفيق الحريري.

نعم، الحريري. إنّه يحرّك الأمور في هذا الاتّجاه مدعوماً من دول الخليج. ويبدو أنّه يرشّ المال رشّاً على من يمكن أن يتردّدوا أو يحتاروا. مسيحيّاً، اتّصلت بصديقي القديم سليمان فرنجيّة وذكّرته بالمذبحة الشنيعة التي ارتكبها الكتائبيّون بنجله وعائلته، وطلبت منه أن يتحرّك ضدّ 17 مايو/أيّار، فماذا أجاب؟ قال إنّ اللبنانيّين كلّهم ارتكبوا المذابح بحقّ بعضهم، وأنّه آن أوان طيّ صفحة الماضي. أرأيتم هذه الحكمة المفاجئة؟ حتّى الشيوعيّون، جورج حاوي ومحسن ابراهيم، صاروا حكماء. قالوا إنّهم يريدون الانتقال إلى معارضة سلميّة وإلى حياة سياسيّة يدافعون فيها عن حقوق الشعب الفلسطينيّ ويسعون إلى ما أسموه محاصرة الاختراق الإسرائيليّ للمجتمع اللبنانيّ. لقد كتب أحد منظّريهم مقالة عن (هنا التفت الأسد حوله باحثاً عن بهجت سليمان، ولمّا لم يجده طلبه فحضر فوراً)… أنت تحبّ الكلام الكبير يا بهجت، فماذا قالت المقالة الشيوعيّة؟

سليمان: قالت إنّ حركة الصراع الطبقيّ مع البورجوازيّة الكولونياليّة يمكن أن تعبّر عن نفسها في بعض الحالات في صورة سلميّة…

واستأنف الأسد: تخيّلوا. لقد أصبحت هناك وطنيّة لبنانيّة… يا لسخرية القدر. نجاح واكيم وزاهر الخطيب دعيا إلى تظاهرة في بيروت ضدّ 17 مايو/أيّار فلم يحضر إلاّ 76 شخصاً!.

علي دوبا: 77 سيادة الرئيس.

يا أخي 78. ماشي. يبقى أنّه وضع لا يطاق فعلاً. اللبنانيّون يتصرّفون كأنّهم يريدون حقّاً أن يبنوا بلداً مسالماً يختلفون فيه من دون عنف. هذا خطر كبير على سوريّا التي لا نستطيع حمايتها من دون التلويح بالحروب والمخاطر المصيريّة، لا سيّما الحرب مع إسرائيل. لقد سهرنا على بناء هذه المعادلة الاستراتيجيّة: نحن نهوّل بالنزاع مع إسرائيل فيما اللبنانيّون والفلسطينيّون يخوضونها. الآن يهدّدنا هذا الإجماع اللبنانيّ العجيب بإبطال مفاعيل المعادلة هذه.

خدّام: لكنّ اتّفاق 17 مايو/ أيّار يشترط انسحاباً سوريّاً وفلسطينيّاً قبل حصول الانسحاب الإسرائيليّ…

يزمّ الأسد أنفه كأنّه شمّ فجأة رائحة سيّئة: معلوماتي أنّ عرفات مستعدّ أن ينسحب من المناطق التي لا تزال قوّاته فيها في البقاع والشمال. هناك ترتيبات دوليّة وعربيّة لإنجاز هذه المهمّة، وهذا ما يعني أنّنا سنبدو وحدنا طرفاً شاذّاً يتصدّى لإجماع كبير. كلّهم يتآمرون علينا…

وما العمل؟، سأل محمّد ناصيف.

هذا السؤال هو ما دعاني إلى عقد هذا الاجتماع. أنت تعرف يا أبو وائل ماذا فعلنا معاً على هذا الصعيد. لقد فعلنا الكثير. بالتنسيق مع الإيرانيّين حاولنا دفع حسين الموسوي إلى الانشقاق عن حركة أمل، فلم يقف معه إلاّ أربعة عناصر فرّوا جميعاً إلى سوريّا وهم يقيمون الآن في حمص. نظّم الإيرانيّون جماعة سمّوها “الجهاد الإسلاميّ” كي تفجّر السفارتين الأميركيّة والفرنسيّة في بيروت. ماذا كانت النتيجة؟ ألقى عناصر من الأمن اللبنانيّ بالتعاون مع حركة أمل القبض عليهم. دعا السفير الإيرانيّ في دمشق علي أكبر محتشمي بعض رجال الدين الشيعة الشبّان كي يؤسّسوا تنظيماً يعارض سياسة برّي ويدعو إلى المضيّ في المقاومة وتحدّي 17 مايو/أيّار، فلم يحضر منهم إلاّ ثلاثة. اتّصلنا بآل أرسلان علّهم يملأون الفراغ الدرزيّ الذي خلّفه وليد جنبلاط، فتبيّن لنا أنّ فيصل أرسلان لا يزال محزوناً على بشير الجميّل، بينما أخوه الأصغر طلال لا يزال محزوناً على أبيه الأمير مجيد. كذلك اتّصلنا بأوساط سنّيّة من مخلّفات التنظيمات الناصريّة وحدّثناهم عن جمال عبد الناصر، بل عن صلاح الدين الأيوبي أيضاً، لكنْ لم يتحمّس أحد منهم. قالوا إنّ هذا كلّه بات قديماً وعلينا أن نتجاوزه في سبيل المستقبل. تخيّلوا! قلنا لهم إنّ ما فعله أمين الجميّل يشبه ما فعله أنور السادات، فأجابنا محامٍ فصيح منهم اسمه محمّد قبّاني بأنّ ما تمّ توقيعه ليس معاهدة سلام بل معاهدة عدم اعتداء وإنهاءٍ لحالة الحرب. سألونا بدورهم: هل تعتقدون أنّ في وسع لبنان أن يتحمّل ما لم تستطع مصر أن تتحمّله؟ قلنا لهم: انظروا إلى سوريّا كنموذج للصمود والتصدّي، فقالوا إنّه ليس النموذج الذي يُغريهم. يريدون حرّيّة، لعن الله الحريّة! لا أعرف من أين حلّ على اللبنانيّين هذا العقل الكبير. هذه الوطنيّة. هذا التعالي عن الماضي وعن الصغائر. وزير خارجيّتهم إيلي سالم، المولع بتعليمه الجامعيّ، شبّه وضعهم الحاليّ بـ “حرب الوردتين” في التاريخ الإنكليزيّ. أليس هذا اسمها يا بهجت؟ آنذاك، كما قال سالم، استنتج الإنكليز، بعد حرب دامية بين آل يورك وآل لانكستر، أنّ العنف لا يحلّ مشكلة. هذا شيء لا أستطيع أن أتخيّله.

ناجي جميل: وهل يستطيع أيّ منّا أن يتخيّله يا سيادة الرئيس؟ العنف يحلّ كلّ مشاكلنا…

صحيح يا ناجي، لكنْ ربّما آن الأوان أن نفكّر بطريقة أخرى. أصارحكم بأنّني أحسد أمين الجميّل. هل تصدّقون إلى أيّ حدّ انحطّت بنا الأوضاع؟ ليتنا أستطيع أن أقلّد أمين الجميّل… ليتني أستطيع… لقد انتصف الليل وبات علينا أن نعود إلى الهدف من اجتماعنا هذا: ما أودّ أن أقوله هو أنّنا لا نستطيع أن نفعل شيئاً أمام هذا الإجماع الوطنيّ اللبنانيّ الكبير واللعين. هل لدى أحدكم أيّ اقتراح آخر؟

وإذ صمت الجميع، أفاق من نومه أمين الجميّل في الشقّة الباريسيّة حيث يقيم، وكانت تغمره سعادة لا توصف.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
إنها مقتلة متنقلة تحت شعار “إلا رسول الله”، لكن هذا الشعار ليس سوى تمويهاً خبيثاً يراد منه الحفاظ على “قداسة” زعماء وحكام، وتزخيم شعبية متوهمة.
Play Video
قوارب الهجرة نقلت ملايين اللبنانيين إلى بلاد أخرى على مر التاريخ والنكبات، بحثاً عن مستقبل وحياة أفضل… لكن ما الذي يجعل موجة الهجرة الحالية أكثر خطورة؟

5:01

Play Video
للحب ١٤ درجة …في أي مرحلة أنتم؟ تابعوا كلمة واصلها مع باسكال

0:54

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني