من يملك مفاتيح الجنة؟

كشف الجدل عن أحقية الدكتور مجدي يعقوب (هو جرّاح مصري عالمي) في دخول الجنة، هيمنة المظهر الديني على الجوهر الإنساني حتى في العقول التي تطالب بالفصل بين الدين والحياة العامة.

كشف الجدل عن أحقية الدكتور مجدي يعقوب (هو جرّاح مصري عالمي) في دخول الجنة، هيمنة المظهر الديني على الجوهر الإنساني حتى في العقول التي تطالب بالفصل بين الدين والحياة العامة. ينطلق من قالوا إنه سيدخل الجنة وأولئك الذين قالوا إنه لن يدخلها، من منطق واحد هو أن ما حققه من إنجازات لا يكفي، وإن هذه الانجازات يجب أن تتوج بجائزة كبرى هي نعيم الجنة الخالد.

والجدل حول من سيدخل الجنة من غير المسلمين قديم وجديد. قديم بدأ في القرن الماضي عندما بدأ البعض يطرح أسئلة مثل: هل سيدخل توماس أديسون الجنة؟ وهل سيدخل مخترع البنسلين الجنة؟ وسبب طرح هذه الأسئلة مرتبط بفكرة العدالة الإلهية عند المسلمين. فإذا كان الله عادلاً، فما جزاء من أسدوا للبشرية خدمات عظمى؟

ثم بدأ السؤال يتخذ وجهة عكسية على يد اللادينيين العرب فصار السؤال، هل سيدخل الشعراوي أو شيخ الأزهر أو بن لادن الجنة وهم لم يقدموا شيئاً ملموساً لخدمة البشرية وساهموا في خطاب التحريض والكراهية؟ 

الدكتور مجدي يعقوب

لم تكن مشكلة الدكتور يعقوب في هذه المعركة أنه مسيحي، بل أنه لا ديني (روحاني بحسب تعبيره)، لهذا لم يكن حرمانه من نعيم الجنة محصوراً في رجال الدين المسلمين، فقد تداولت وسائل إعلام تصريحات لرجال دين مسيحيين مثل الأب داود لمعي يقول فيها إن الجنة للمسيحيين فقط!

في مجتمعات كثيرة، لا تزال اللادينية “وصمة عار” Stigma يتجنبها كل من يعملون في المجال العام ويتظاهرون بمظهر ديني كاذب حتى لو كانت قناعاتهم عكس ذلك. ويبدو أن من استماتوا في الدفاع عن أحقية مجدي يعقوب في دخول الجنة، كانوا يفكرون من داخل فكرة وصمة العار هذه، محاولين إبعادها منه قدر الإمكان عبر التنافس مع الجناح السلفي-الأصولي على امتلاك مفاتيح الجنة.

لم يغير بيان الأزهر في جوهر الموضوع، على رغم وقوفه الظاهري في صف الدكتور مجدي يعقوب. قال البيان: “من الطبيعي بالنسبة إلى المصريين بما حباهم الله من فطرة نقية، أن يتجهوا إلى الله بالشفاء والرحمة والجنة للدكتور مجدي يعقوب – صاحب السعادة-؛ لأنه في قلوب المصريين يستحق كلَّ خير؛ والجنة هي أكبر خير يناله الإنسان”. وتحمس البعض على “السوشيال ميديا” لنشر صورهم وهم يدعون للدكتور مجدي في الأراضي المقدسة في مكة راجين الله أن يدخله الجنة جزاء لأعماله الإنسانية.

إذا كان النفاق الديني شرطاً للصورة الذهنية الإيجابية التي تبحث عنها الشخصية العامة لتحتفظ بمكانتها أمام الجمهور، فإن مجدي يعقوب كانت لديه الشجاعة لتحطيم هذه الصورة الذهنية عندما صرح بأنه ليس متديناً وأن الإنسانية أهم من الجنة والنار. وعلى رغم أن هذا التصريح كان كافياً لإيقاف الجدل لإقناع الطرفين بأن الشخصية محور الحديث غير مهتمة بالجنة ونعيمها ولا بالنار وجحيمها، إلا أن المحبين والمبغضين لم يتوقفوا في شد الدكتور يعقوب إلى داخل أسوار الجنة أو محاولة إبقائه خارجها. وفي حياة لا تنقطع فيها جوانب الكوميديا اللامعقولة لا تستغرب أن تجد ملحداً يدافع عن أحقية كبار العلماء والفلاسفة والمصلحين في دخول الجنة تقديراً وثواباً لما قدموه للبشرية من إنجازات…

الجدل حول من سيدخل الجنة من غير المسلمين قديم وجديد.

عندما نطالب بفصل الدين عن السياسة، يجب ألا ننسى أهمية فصل الدين عن التجارة والطب والعمل الإنساني. في الحقيقة لا يهمني إن كان مجدي يعقوب أو توماس أديسون أو أينشتاين سيدخلون الجنة أو النار. إن فكرة الجنة نفسها ليست فكرة إنسانية أو فكرة عقلانية. إنها فكرة ميتافزيقية تعتمد على الإيمان الأعمى من دون دلائل على وجودها. 

في مجتمعات كثيرة، لا تزال اللادينية “وصمة عار” Stigma يتجنبها كل من يعملون في المجال العام ويتظاهرون بمظهر ديني كاذب حتى لو كانت قناعاتهم عكس ذلك.

ظل النقاش حول الجنة والنار مفتوحاً في الثقافة الإسلامية حتى أُغلِق في عصور الانحطاط. على سبيل المثال، طرح الاقدمون مسألة لا عقلانية النار بصراحة، وقالوا إنه ليس من العدل أن يعذب الله الناس إلى الأبد بسبب ذنوب ارتكبوها في 50 أو 60 سنة. لهذا قال بعضهم إن المذنبين سيعذبون لفترة معينة بما يتناسب وخطاياهم ثم يدخلون الجنة. في القرن العشرين قال الشيخ محمد عبده بصراحة إنه لا يؤمن بالعذاب الأبدي، أي لا يؤمن بخلود النار. بل إن واحداً من رموز الحنبلية، على رغم ما عرف عنهم من تشدد، هو ابن القيم الجوزية وأنكر العذاب الأبدي. وقال الجهم بن صفوان بفناء إن الجنة والنار معاً موقتتان وليستا أبديتين. أما ابن رشد وغيره من الفلاسفة فأنكروا البعث الجسدي، وقالوا إن الأرواح فقط هي من ستبعث وتحاسب. ولو تأملنا في قولهم هذا فهو في حقيقته مقدمة لتأويل مجازي للحياة الآخرة والجنة والنار. 

أحس أن النقاش حول دخول العظماء الجنة ليس نقاشاً حول هؤلاء العظماء بقدر ما هو محاولة لعقلنة فكرتي الجنة والنار اللتين تبدوان لا عقلانيتين حتى لأخلص المؤمنين بهما. ولأنني أؤمن باستحالة عقلنة الميتافيزيقيا سأردد مع العظيم مجدي يعقوب أن الانسانية اليوم أهم من الجنة والنار وأن الجنة هي في توفير حياة كريمة وآمنة للبشر. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني