من يذهب إلى صندوق النقد لا يعود…

إن الدخول في قبضة الشركات الكبرى والمستثمرين الكبار بأدواتهم المصرفية والدولية دوامة لا يهم أحد بالخروج منها إلا ويدخلها من جديد بوضع أسوأ من سابقه.

تعود المشاورات في الآونة الأخيرة بين صندوق النقد الدولي وعدد من الدول العربية منها السودان ولبنان ومصر، التي عادت إلى الصندوق من جديد بعد نحو 6 أشهر من استلامها الدفعة الأخيرة من قرضها البالغ 12 مليار دولار الذي بدأته عام 2016، ارتفعت خلالها الديون الخارجية بمقدار الضعف (من 55.7 مليار دولار في حزيران/ يونيو 2016 إلى 109.3 مليار دولار في أيلول/ سبتمبر 2019). وهو ما ترتبت عليه زيادة في نصيب الديون من ميزانية الدولة من 31 إلى 47.7 في المئة، على حساب ما تنفقه الدولة على المواطنين، ومن ذلك ارتفاع معدلات الفقر (32.5 في المئة فقراء وفق الجهاز المركزي للإحصاء، 60 في المئة من سكان مصر إما فقراء أو عرضة للفقر وفق البنك الدولي)، فقدان الجنيه المصري نحو 60 في المئة من قيمته، ارتفاع كبير في أسعار الخدمات مع انخفاض شديد في مستوى الدخل. وذلك كله وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة أيضاً في تاريخ مصر.

ماذا يفعل الصندوق؟

يتبع صندوق النقد الدولي وصفة شبه موحدة لجميع الدول، تركز على تحسين حالة الاقتصاد الشكلية، بزيادة التدفقات المالية وتخفيف أعباء الحكومة عبر قروض من الصندوق ترفع من التصنيف الائتماني للدولة، تستطيع من خلاله اقتراض المزيد من الديون التي تذهب أغلبها إلى مشاريع يُشرف عليها الصندوق نفسه ويستفيد منها ممولوه وشركاؤه، عادة ما تكون مشاريع غير منتجة فلا تستطيع الدولة سدادها، إلا عبر الاستدانة مُجدداً، بيع أصول الدولة من شركات ومؤسسات تكون غنيمة لكبار المستثمرين الدوليين، رفع الدعم والإنفاق الحكومي عن المواطنين، عدا الإنفاق على أجهزة الأمن التي ستُشرف على تطبيق الوصفة وتخفيض قيمة العُملة الذي يستتبعه تخفيض قيمة العمل وأجر العُمال. 

الصندوق والأثرياء: العطاء المتبادل

هذه الإجراءات السابقة تستتبعها زيادة في معاناة الغالبية العُظمى من الشعوب التي يتم عصرها عصراً، لمصلحة كبار المستثمرين ورجال الأعمال الذين عادة ما يكونون على صلة وثيقة بالأنظمة الحاكمة، وهو يؤدي إلى احتجاجات وإضرابات واسعة. وهنا يتدخل البنك وشركاؤه بنفوذهم لتغطية القمع أو الإجراءات الأمنية القاسية التي تتبعها الأنظمة، فلا ضغوط دولية ولا إجراءات حقيقية ستوقف ذلك القمع، والإدانات الحقوقية سيكون محلها الأرشيف. وفي مقابل نزوح ثروات الدول لمصلحة الكيانات الكُبرى بمعرفة كبار المسؤولين المحليين، سيُرد لهؤلاء الجميل بعمليات تسهيل لتهريب الأموال والثروات وتغطيتها خارجياً، وهو ما كشفته كبيرة الاقتصاديين في البنك الدولي، بيني غولدبيرغ، التي نشرت تقريراً يرصد العلاقة الطردية بين القروض ومساعدات البنك والمؤسسات النقدية الدولية التي تذهب إلى البلاد المتعاملة معه وحجم الأموال المُهربة والتدفقات الخارجة من هذه البلاد إلى ملاذات ضريبية تم إثباتها بارتفاع وقفز كبير في الحسابات المصرفية في الخارج، وهو التقرير الذي تسبب في خروجها من وظيفتها في البنك الدولي.

إن الدخول في قبضة الشركات الكبرى والمستثمرين الكبار بأدواتهم المصرفية والدولية دوامة لا يهم أحد بالخروج منها إلا ويدخلها من جديد بوضع أسوأ من سابقه، إذ يزداد الفقر حجماً ونوعاً، وتتفاقم البطالة والتضخم وغلاء المعيشة، مع زيادة ثراء الأثرياء. تدهور اقتصادي شديد يُنتج تدهوراً اجتماعياً أشد وأوضاعاً حقوقية مغلفة بحماية ونفوذ دولي تضمن بقاء الدوامة، أما عن الحلول البديلة فهناك تجارب رائدة استطاعت النهوض بعيداً من هذا الفخ، يمكننا استعراضها لاحقاً.

تجربة تشيلي 

في 15 أيلول/ سبتمبر عام 1970 اجتمع الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، بمدير مخابراته، ريتشارد هلمز، وأخبره بأنه يجب القيام بعمل خفيّ في تشيلي لمنع مرشح الرئاسة سلفادور الليندي من الوصول إلى المقعد بأي ثمن، قائلاً له “أنقذ تشيلي وخذ 10 ملايين دولار أو أكثر إذا كان ذلك ضرورياً، ولا تهتم بالقضايا المالية”، ولكن الخطة لم تنجح ووصل الليندي إلى الرئاسة، قبل أن توضع له خطة جديدة تنتهي بمصرعه داخل القصر الرئاسي.

بعد نجاح الليندي، وبفعل نضال العمال والفلاحين، اتخذ إجراءات اقتصادية شديدة كان أهمها سلسلة من قرارات التأميم التي طاولت قطاعات إنتاج النحاس والصناعات الغذائية وفرض ضرائب تصاعدية مولت برامج التعليم، لكنها أضرت بمصالح الشركات والاستثمارات الأميركية (كان الرئيس الأميركي نفسه محامي إحدى تلك الشركات قبل توليه الرئاسة)، لتقوم المخابرات الأميركية بتمويل إضرابات، كان أهمها إضراب سائقي الشاحنات الذي شلّ حركة النشاط التجاري وخلق أزمة حادة في الغذاء والوقود، لينتهي حكمه بمصرعه داخل القصر بانقلاب عسكري هندسته المخابرات الأميركية والشركات الكبيرة والمستثمرون، بأيدي القيادات العسكرية التي تدرب أغلبها في الولايات المتحدة وبقيادة الجنرال أوغستو بينوشيه. 

صندوق النقد: تاجر الخراب

وهنا تدخلت الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي بوصفته السحرية لإنقاذ تشيلي. توفير سيولة عبر قروض تضاعفت خمس مرات خلال سنتين وبيع الشركات المملوكة للدولة، إزالة حواجز الاقتصاد والجمارك، تخفيض الانفاق الحكومي والدعم حتى وصل إلى إلغاء توزيع الحليب المجاني في المدارس. نتج عن ذلك ارتفاع شديد في معدلات التضخم والفقر والبطالة وهبوط شديد في الأجور، والذي لم يكن ليتم إلا من خلال إجراءات قمعية شملت اعتقال أكثر من 100 ألف شخص وقتل قرابة 30 ألفاً آخرين، إضافة إلى آلاف حالات الاغتصاب والتعذيب والموت جوعاً.

يتبع صندوق النقد الدولي وصفة شبه موحدة لجميع الدول، تركز على تحسين حالة الاقتصاد الشكلية، بزيادة التدفقات المالية وتخفيف أعباء الحكومة عبر قروض من الصندوق.

وبعد سنوات طويلة من خروج بينوشيه من الحكم وانتهاء برنامج عمل الصندوق بتحويل تشيلي إلى رأسمالية الـ1 في المئة الأثرياء، عاد من جديد بالوصفة التي بدأ تطبيقها الرئيس الحالي سيباستيان بينيرا، برفع أسعار الكهرباء وتذاكر المترو. لتندلع التظاهرات الحاشدة في 18 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي ولم تتوقف، راح ضحيتها حتى الآن قرابة 30 قتيلاً ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين، إلى جانب مئات الحالات من التعذيب والعنف الجنسي.

الجميع في السلة ذاتها

الأرجنتين كانت تجربتها أكثر مأساوية، إذ لم تستطع الخروج من دائرة الديون الجهنمية منذ قرابة 40 عاماً، فالجنرال خورخيه فيديلا قام خلال سنوات حكمه الخمس، بعد انقلابه العسكري، بتحويل جذري للاقتصاد نحو النيوليبرالية بوصفة صندوق النقد الذي سمّاه الأرجنتينيون “صندوق الشيطان”. فتضاعفت الديون بمقدار 5 مرات مع إجراءات اقتصادية طاحنة للشعب الأرجنتيني تحت ستار من الإجراءات الوحشية راح ضحيتها عشرات آلاف المواطنين. ومنذ يومها وهي تخرج من مأزق إلى أزمة ومن أزمة إلى كارثة، وأعلنت إفلاسها 3 مرات خلال هذه الفترة. ولا تزال الأرجنتين تُعاني حتى اليوم من دائرة الديون الجهنمية، كان آخرها قرض من الصندوق عام 2018 بقيمة 57 مليار دولار. لتُصبح الدولة رهينة الديون (تبلغ ديونها اليوم أكثر من 90 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي)، من وراء وصفات الصندوق والدائنين الذين حققوا أرباحاً وصل بعضها إلى 3000 في المئة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

أحمد عيساوي – كاتب لبناني
اتهام البانغول بجريمة نشر فايروس “كورونا” هو تكريس حقيقي لتجهيل الفاعل الأساس وهروب من الواقع المرّ. إنّ الإنسان وحده يبقى المسؤول عن تلك المأساة وها هو يدفع الثمن غالياً.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
الجديد اليوم هو ذهاب المنطق العنصري إلى أقصاه بحيث يحاول البعض الايحاء بأنّ “السوري” تحديداً اللاجئ مرشّح لحمل المرض أكثر من اللبناني.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
“السجون متكدّسة وأجساد البشر متلاصقة فيها كأنها وسيلة نقل عام ممتلئة. الوباء قد ينتشر في الزنازين بسهولة، يكفي أنه عندما يحتاج السجين إلى الإسعاف، قد يستغرق الأمر ساعات انتظار طويلة، ما يجعل الموت في السجن خبراً معتاداً”…
ميزر كمال- صحافي عراقي
عبد الملك كان أحد المتظاهرين الذين قتلتهم قوات الأمن بأسلحة صيد الحيوانات، لكنَّها لم تستطع قتل صوته الجميل وذكرياته مع أهله وأصدقائه الذين لا يزالون يحتفظون بالكثير من مقاطع الفيديو التي توثق لحظات الفرح والحزن التي كان يعبر عنها من خلال الغناء.
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
أليس تناقضاً مفزعاً أن دعاة المدن الفاضلة تسببوا في أبشع الجرائم والرذائل وخلقوا مدن الجوع والفقر والإرهاب والجريمة؟
شفان ابراهيم – صحافي سوري
في شمال سوريا يواجهون الوضع باللامبالاة، وكأنهم استسلموا أو سلّموا مصيرهم للمجهول، فلا إجراءات احترازية ولا وقاية تُذكر.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني