fbpx

في مفارقات كفاح الفلسطينيين وأساطيرهم

بعد أكثر من نصف قرن، آلت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نظام يشبه الأنظمة التسلطية العربية، بل باتت بمثابة سلطة تحت الاحتلال.

ربما لا توجد حركة تحرر وطني انطوت على مفارقات، وبنيت على أساطير، وتأسست على عواطف، مثل الحركة الوطنية الفلسطينية، بالنظر إلى الفجوة الكبيرة بين ادعاءاتها وإمكاناتها، وبين طموحاتها وقدراتها، وبين رغباتها والواقع الذي تعمل فيه، بخاصة مع معرفتنا بأن الأمر لا يتعلق بموازين القوى بينها وبين إسرائيل، بقدر ما يتعلق، أيضاً، بتميز إسرائيل، بطريقة إدارتها مجتمعها ومواردها البشرية، وشكل نظامها السياسي، وتفوقها العلمي والتكنولوجي (على رغم تعريفنا لها بأنها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية).

مثلاً، الشعب الفلسطيني مجزّأ، ومشتّت، وضعيف الإمكانات، ويفتقد الموارد، ويخضع لهيمنة سلطات متعددة ومتباينة، إلا أن قياداته أدخلت في وعيه أنه شعب قوي وجبار (شعب الجبارين، ويا جبل ما يهزّك ريح). وعطفاً على كونه كذلك، فقد أدخلت في وعيه أسطورة أخرى، أيضاً، مفادها أن قضيته هي القضية المركزية للأمة العربية، في حين أن تلك الأمة متخيلة، أو غير موجودة كحالة فعل، كما ثبت بالتجربة، لا سيما أن المواطن العربي لا يستطيع أن يرفع رأسه للمطالبة بحقوقه، ناهيك بحرمانه من مكانة المواطنة، علما أنه حتى لو كانت ثمة قضايا أخرى مركزية تشغل مواطني البلدان العربية، فإن ذلك لا ينتقص من مكانة القضية الفلسطينية، بل ربما يعزّزها أو يصوّب التعاطي معها. والحال فإن السعي لاحتكار مكانة الضحية في العالم العربي، والاستئثار بمكانة القضية المركزية، شكل حالة سلبية، إذ بات بمثابة مطية للكثير من الأنظمة لتكريس تسلطها وشرعيتها، وأدى إلى افتراق قضية الفلسطينيين عن قضايا البلدان العربية، على ما شهدنا في موجتي “الربيع العربي”، ما أضر بمكانة تلك القضية، وأضعف صدقية التحرر الفلسطيني. والمشكلة أن ذلك كله وضع قضية تحرير فلسطين، أي تحرير الأرض، في مقابل قضية الحرية في البلدان العربية، إلى درجة محاباة نظم الاستبداد والفساد السائدة، في حين أن قضايا الحرية لا تتجزأ. لذا لم يكن تفصيلاً أنه في احتفالات انطلاقات الفصائل أن صورة بشار الأسد كانت تتصدر، بل كانت تبدو أهم وأكبر من صورة أبي عمار وجورج حبش، وليس تفصيلاً أن نظام الولي الفقيه في إيران، وميليشياته المسلحة، يرفع لواء قضية فلسطين والقدس، في قتله وتشريده السوريين، وفي محاولته وأد الحركات الشعبية في العراق ولبنان.  

باختصار، فبعد أكثر من نصف قرن، آلت الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نظام يشبه الأنظمة التسلطية العربية، بل باتت بمثابة سلطة تحت الاحتلال، أيضا، في الضفة وفي غزة، شعبها في واد وهي في واد آخر، حركة وطنية لم تدخل في إدراكها بعد أهمية إضفاء قيم الحرية والحقيقة والعدالة والمواطنة والديموقراطية، في خطابها السياسي، إزاء شعبها وإزاء العالم.

الشعب الفلسطيني مجزّأ، ومشتّت، وضعيف الإمكانات، ويفتقد الموارد، ويخضع لهيمنة سلطات متعددة ومتباينة.

من ناحية أخرى، لدى الفلسطينيين أقدم طبقة سياسية في العالم، متوسط أعمارها بين أواخر السبعينات والثمانينات، ضمنها الرئيس ذاته، ومعظم أعضاء المجلسين الوطني والمركزي، وهي طبقة لها في القيادة نصف قرن، أي على حساب أجيال كثيرة، علماً أنه، منذ زمن، لم يعد لديها شيء تضيفه لا لجهة الأفكار ولا التجربة ولا أي شي. ضمن ذلك ثمة أقدم زعيمين في العالم، احمد جبريل التابع للنظام السوري من يوم نشوء القيادة العامة (آخر الستينات)، ونايف حواتمة، علماً أن اسم جبهته هو الجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، إلا أنها ليست جبهة ولا ديموقراطية ولا لتحرير فلسطين، فهي منذ 45 سنة، تتحدث عن إقامة دولة في 22 في المئة من فلسطين، وأن أبي النوف زعيمها منذ تأسيسها (1969)، أي منذ أكثر من نصف قرن. 

فوق ذلك فإن الفصائل الفلسطينية، التي بات يزيد عمر معظمها عن نصف قرن، ما زالت تحتفل بأعياد انطلاقاتها، على رغم تآكل مكانتها عند شعبها وأفول دورها في مواجهة العدو وفقدانها هويتها، وعلى رغم أن شعبنا يعيش في نكبة دائمة تتجدد في العراق ولبنان وسوريا وغزة والضفة. والأهم أن تلك الفصائل التي تعيش على تاريخها، وعلى نظام الكوتا، وعلى تكلس الحياة السياسية الفلسطينية، وعلى اعتمادها في مواردها على مصادر خارجية، غير مستعدة لمراجعة أفكارها وممارساتها وتجاربها، وغير مستعدة لمناقشة أي شيء مع شعبها، فتأخذه ذات اليمين حيناً وذات اليسار حيناً أخر، ومن معركة إلى أخرى من دون دراسة وتبصر، مستغلة استعداده العالي للتضحية، وإيمانه بقضيته وعناده في مواجهة إسرائيل.

أما عن المقاومة، قدس أقداس الفصائل، فهي ما زالت المعزوفة الرائجة لها، علماً أن معظم الفصائل توقف أو لم يعد يمتلك قدرة أو إرادة المقاومة، وعلماً انه يتم توضيح استراتيجية المقاومة الفلسطينية المسلحة، أي استراتيجية تحرير فلسطين بالكفاح المسلح الفلسطيني، لا سيما في الظروف العربية البائسة، منذ نصف قرن، فغدت المقاومة أداة توظيف، للابتزاز أو المزايدة أو الاستهلاك، في أغلب الأحوال، مع احترام التضحيات التي يبذلها شعب فلسطين.

حتى في خصوص المقاطعة، ومقاومة التطبيع، ثمة تخبط أو عدم تبصر في إدارة هذه المعركة أو تلك، فثمة حديث كثير، لكن لا توجد استراتيجية واضحة، علماً أن ثمة جزءاً من شعب فلسطين (مليونين) في واقع مواطنة إسرائيلية، وثمة 4 ملايين في الضفة وغزة يتعاملون بالعملة الإسرائيلية (الشيكل) ويعتمدون في بنيتهم التحتية على إسرائيل، حتى غزة تعتمد في الكهرباء والمحروقات والمواد التموينية عليها، وثمة عشرات آلاف من العمال الفلسطينيين (من الضفة وغزة) يعملون في مؤسسات ومنشآت إسرائيلية. والسلطة الفلسطينية في الضفة وغزة قامت أساساً على قاعدة التطبيع مع إسرائيل، وارتبطت معها بألف خيط وخيط، الأمر الذي يفرض تحديد معنى المقاطعة والتطبيع، ومعرفة ترتيب أولويات الكفاح الفلسطيني ومتطلباته، وبذلك يستعيد الفلسطينيون أرضهم ويطوّرون مجتمعهم، عبر استنزاف إسرائيل وتقويض إجماعاتها، بدل استنزاف الفلسطينيين، وضرب إجماعاتهم الوطنية.

لنأخذ مثلاً الحيثية التي تتعلق بإخراج أهالي المثلث (في فلسطين 48) من دائرة المواطنة الإسرائيلية وضمهم إلى الدولة الفلسطينية المقترحة ضمن “صفقة القرن”، فأهالي تلك المنطقة يرفضون ذلك، أي يتشبثون بمواطنيتهم الإسرائيلية، فما الموقف من ذلك إذاً؟ وكيف يمكن التعاطي مع هذه الإشكالية، بغض النظر عن توظيفات صفقة القرن، علماً أن ذلك لا يقتصر على أهالي المثلث وحدهم وإنما على فلسطينيي المناطق الأخرى، في فلسطين 48. هل سأل أحد لماذا؟ أليس ذلك نتيجة لاستبعاد هذا الجزء من شعب فلسطين من العملية الوطنية الفلسطينية، ومن إطارها في منظمة التحرير؟ 

يأخذنا ما تقدم إلى واقع فلسطينيي الأردن، فهم يتمسكون، أيضاً، باعتبارهم مواطنين في الدولة الأردنية، على حساب فلسطينيتهم، وبينما نتحدث دوماً عن رفض الفلسطينيين مؤامرات التوطين ننسى، أو نحجب، حقيقة مفادها أن أكبر عملية توطين حصلت في الأردن من 70 سنة، مع أن الأردن يضم أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين من 48.

لدى الفلسطينيين أقدم طبقة سياسية في العالم، متوسط أعمارها بين أواخر السبعينات والثمانينات، ضمنها الرئيس ذاته.

أخيراً، في الخطاب الفلسطيني السائد يتواصل الحديث عن سقوط المؤامرات والمشاريع الأميركية والإسرائيلية، كأن ذلك يغطي على حقيقة واقع الفلسطينيين البائس، في حين الأجدى التمييز بين رفض الفلسطينيين تلك المشاريع، وهو حقهم، وبين إسقاطها فعلاً. فإذا كانت كل تلك المشاريع سقطت فكيف قامت إسرائيل واستمرت وتطوّرت؟ ثم كيف احتلت بقية فلسطين واغتصبت أراضي عربية أخرى؟ ولماذا ثمة لاجئون فلسطينيون بعد 70 سنة؟ ولماذا قامت سلطة فلسطينية تحت هيمنة الاحتلال؟ ولماذا عمّ الاستيطان الضفة فيما غزة محاصرة منذ 12 عاماً؟ ولماذا الشعب الفلسطيني يزداد تشتتاً وضياعاً وتفككاً؟ وأين كانت منظمة التحرير وأين صارت؟

في مقالة ماضية تحدث عن فكرة يتم التعتيم عليها، أو إزاحتها من النقاش، لذا لا بد من إعادة طرحها، ومفادها أن معظم الإنجازات التي حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية، بالكفاح المسلح، وضمنها استنهاض شعب فلسطين وتوحيده، وجلب الاعتراف الدولي والعربي بالمنظمة، تمت أواسط السبعينات، أي منذ أكثر من أربعة عقود، لكن معظمنا يتحدث عن تلك الإنجازات كأنها تحققت للتو، أو قبل أعوام محدودة، أي أن تلك الحركة باتت معطلة، أو لم يعد لديها ما تضيفه منذ زمن.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مايا العمّار- صحافية لبنانية
“حفلات الشواذ” التي احتلّت بغضون أيّام مكان “الاغتصاب” في عناوين إخباريّة كثيرة، تسميةٌ، إضافة إلى ما تضمره من أحكامٍ محافِظة ومتزمّتة، يُخشى بها ترسيخُ الترابط بين سمات الانفلات والجموح من جهة، والطبقات العليا والنافذة من جهة أخرى
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني