سنستردّ هذه المدينة، سنستردّها!

لن ينتقم أحد منا ولن يقضي أحد على أحلامنا. سنستعيد مدينتنا من مخالب اليأس، ولن نكون بعد الآن ناساً مقسومين إلى نارين، نار الحياة ونار أسباب الموت الكثيرة.

هناك وقت آخر للحب. سيأتي وقت الحب ذات مرة، سيدخل إلى هذه المدينة وسيقتلع أغصانها الرثة، سيقول للأشجار التي في الغابات البعيدة أن تعلن عصياناً، وتهبّ لاحتلال شوارع المدينة. وستصبح مع الوقت مدينة الشجر.

سنستيقظ ذات مرة وسنستطيع أن نلقي التحايا مبتسمين، ستكون لنا شوارع تعج بالورد وساحات الأطفال والملاهي. سينتهي زمن الإسمنت وسنعود إلى أحيائنا الأفقيّة لنرمّم قلبها. ستكون لنا ساحة برج وسوق للباعة الجوالين. سنأتي إليهم صباحاً، ولن تكون وجوههم خائفة من الشرطة ومن المجلس ومن المخفر، سيخبروننا أخبار السوق وأخبار الحب الجميلة. سنتحدّث عن الخيار والفجل والتفاح وعن القُبل والشغف، ولن يأتي أحد على ذكر الطائفية والحرب والأحزاب المقيتة.

سنسترد هذه المدينة، سنستردّها. سنبنيها بأصابعنا وأرواحنا ورغباتنا وأحلامنا. سنمسك ببورصة حياتنا من جديد وسنجعلها عادلة.

سيمرّ العشاق بيننا بلا خوف وبلا قلق. ولن يكون الحب استثناءً ومنطقة محظورة علينا نحن المتعبين والفقراء والمهمّشين وغير السعداء بمهرجان الإسمنت الأصفر. ستنتهي الحرب وسنعود إلى القتال السعيد من أجل المزيد من الحياة والمزيد من الفرح.

ستمشي النساء في شوارعنا مرفوعات الرأس، غير معنفات، غير مقهورات، غير خائفات من زمر التحرّش والقتل وقطع الرؤوس. وسيكون رجالنا رجالاً مبتسمين، لا يحملون الرشاشات وعدة الحرب. لن يُطلب منهم القتال لأجل أحد ولا الموت لأجل قضايا الآخرين. وسيلعب أطفالنا في حدائق لا تتحوّل إلى مكبات نفايات، أو مشاريع تجارية مستطيلة بلا روح. سينعمون بشاطئ مجاني وبحر غير ملوّث. سيعلمون أن البيئة قضيّتهم وأن عليهم أن يحبوها.

لن ينتقم أحد منا ولن يقضي أحد على أحلامنا. سنستعيد مدينتنا من مخالب اليأس، ولن نكون بعد الآن ناساً مقسومين إلى نارين، نار الحياة ونار أسباب الموت الكثيرة.

سأقود سيارتي في شوارع واسعة ومنظّمة. سأكتب رواية عن ناس المدينة الحقيقيين، ربما أسميها “مدينتي”. سأعتبر أن روايتي الأولى “أسبوع في أمعاء المدينة”، قصة قديمة عن مكان حزين هدمته مع رفاقي، وبنينا غيره. لن تكون أمعاء “مدينتي” مملوءة بالحزن. سأردّ على محمد الماغوط حين كتب في قصيدة “أنا حزين”، وسأكتب “نحن سعداء”. أظّنه لن يمتعض. سيبتسم من قبره، وسيرى عصافيره الحزينة ابتسمت لتوّها.

سنسترد هذه المدينة، سنستردّها. سنبنيها بأصابعنا وأرواحنا ورغباتنا وأحلامنا.

ربما أغيّر مزاجي في القراءة، وبدل أن ألجأ إلى نصوص بوكوفسكي المخمورة، حتى أضحك وأمازح الحياة، ربما أكتشف كتّاب المدينة الجدد وأتصالح بهم مع خيباتي وقصص حبي القديمة.

ربّما نُمنح فرصة مع الموسيقى، ونصنع موسيقى تشبهنا ونحبّها ولا تُبكينا سوى فرحاً. حتى أننا حين نموت، سنموت بلا هالات سود حول أعيننا، ولن نموت هرباً وانتحاراً ومصادفةً وقتلاً بالرصاص أو بالقهر. سنموت لأنّ حياتنا انتهت ببساطة. سنموت كسكّان الكوكب الآخرين. وسنحصل على مقابر مجانية ولن يكون الحصول على قبر محتاجاً إلى رشوة أو ثروة. سنزور موتانا لنخبرهم بأن مدينتهم بخير وأنها تفتقدهم.

سأحصل على رجل أحبّه وسننجب أطفالاً بلا حسابات كثيرة. ستنتهي لعبة العقارات وأسعارها المستحيلة ولن ننتظر عشرين عاماً لسداد ثمن غرفة على السطح. وستحصل الطيور على ترف الغناء على قرميد المنازل، ولن يتّهمها أحد بنقل “الإنفلونزا” و”الكورونا”، ولن يقتلها أحد. الصيّادون سينشغلون باصطياد الحب وسيتركون الطيور وشأنها.

مدينتنا لن يحكمها الأغنياء بل الحكماء والطيبون. 

سيكون للمسنين أماكن هانئة للعب الطاولة والشطرنج، ولن يقامر أحد بحياتهم. سننزل إلى الشوارع ونُخرج منها المساكين ونؤمن لهم الحياة كما يريدونها ولن يقرع طفل في السابعة زجاج سيارتي ليبيعني زجاجة ماء، مقابل أدعية واستجداءات مؤلمة.

لن يكون الحب استثناءً ومنطقة محظورة علينا نحن المتعبين والفقراء والمهمّشين وغير السعداء بمهرجان الإسمنت الأصفر.

مصارفنا ستصبح مؤسسات صديقة للناس وستستقيل تماماً من دور الجلّاد، لأنّ الضحايا لن يكونوا ضحايا بعد الآن.

ستعود أختاي مع عائلتيهما من منفى الغربة، وسأستطيع أن ألعب مع رافاييل الصغير من دون أن تقمعنا شاشة. وسأستطيع أن أعانق أنجلو كما أشاء وسأخبره أنني راغبة في إهدائه ديوان شعر آخر لا يتحدّث عن المأساة. سأستطيع أن أعده بذلك وأن أفي بوعدي من دون أن تخنقني مسافات الأرق. وستستطيع أمي أن تشرب قهوتها معنا جميعاً نحن أطفالها الستة، من دون أن تغصّ بشوق الغائبتين. وسيشتري أبي طعاماً يكفي لعائلته كلها، وسترمي أمّي الطنجرة الصغيرة التي تكرهها لأنها تذكّرها بأنّ هناك من رحل.

سأفتح الدكّان الذي كنت أحلم به في صغري، وستكون السكاكر مجانية للأطفال. وسأعود ربما صغيرة وأشتري من نفسي أكياس “التشيبس” مجاناً.

سيكبر الأطفال ولن يفكّروا بالهجرة كمصير طبيعيّ. سيزرعون أرضهم وسيكتبون أسماءهم على جذوع الشجر مع قلوب كثيرة. وستُقطع يد من يقطع أشجارنا.

هذه المدينة لنا، هذا الوطن لنا، سنستردّهما!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

باسكال صوما – صحافية لبنانية
أفكّر أحياناً في أنني وحدي على سطح الأرض وقد اختفى الجميع تماماً.
فهد جمال الدين – باحث وتربوي لبناني
أعاد كورونا تعريف دور الطلاب واستقلاليتهم وإدارتهم لأنفسهم والروتين اليومي للمعلمين وأدوار المشرفين. والآن، ألا يجب علينا أن نفكر في كيفية تقديم مبادرة إصلاح أكثر كفاءة وديمومة؟
فرح شقير – مدونة لبنانية متخصصة في الاقتصاد
تستقبلني ابنتي على الباب عند عودتي ، ألوّح لها وأطلب منها أن تبتعد. هي تريد تقبيلي وأنا لا أريد منها الا أن تبتعد. أهرع إلى الحمام وابدأ بعملية الاغتسال. ولا أعود أعرف ما اذا كنت أقوم بعملية غسل للفيروس أو أغسل عني ذنوبي…
باتريك رزق الله – تربوي وصحافي
لقد حمل إلينا “كورونا” الرسالة. لكنّنا لم نفهمها. أن نعود إلى هدوئنا. أن ندرك ماهيّته ورسالته قبل أن نهمّ بأداء رسالتنا التّعليميّة. لكن للأسف، نحن المعلّمين، في كثير من الأحيان، لا نفهم الدّرس.
“درج”
إليكم لائحة بالأمور المجانية، التي يمكنكم فعلها للاستفادة بوقتكم والاستمتاع أثناء فترة الحجر المنزلي…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني