fbpx

يحيا الموت تسقط الحياة: عندما تكون وظيفة الكبار قتل الأطفال

الفقه الإسلامي نيكروفيلي عموماً، فالدنيا جنة الكافر وجحيم المؤمن، أما أعظم أسباب الذل والخذلان فحب الدنيا وكراهية الموت. في صنعاء اليوم تنتصب لوحة عملاقة في "شارع الشهداء" مكتوب عليها "بنيت بثقافة القرآن أمة تعشق الشهادة". هذه العبارة هي تعبير مبسط عن النيكروفيليا الجماعية "تسقط الحياة، يحيا الموت".

توجه الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الطفلة الباكية وقال لها: “الجنود لا يبكون، إذا سقطتِ شهيدةً سنغطي نعشك بالعلم التركي”. كانت الطفلة ترتدي الزي العسكري في ظهور متكرر لأطفال بالبزة العسكرية يرفعون شارات النصر ويتحدثون عن النصر والقتال. تذكّرِ البعض “فتيان هتلر” ببزاتهم العسكرية السوداء وصرخاتهم الفخورة بالقتال والفداء. لكنهم لم يكونوا في حاجة إلى الذهاب بعيداً، فظاهرة “الطفل الشهيد” وتهيئة الأطفال للموت ممارسة “طبيعية” في ثقافتنا الدينية والمحلية.

في غمرة المظاهرات الشعبية المطالبة بإسقاط النظام اليمني في 2011 اختارت إحدى الفصائل المنظمة للاحتجاجات تسيير مظاهرة إلى القصر الرئاسي. كان عنوان المسيرة “مشروع شهيد” لبس خلالها “الثوار” الأكفان البيض ولم ينسوا ان يتقدم مسيرتهم عدد من الأطفال بالأكفان البيض. كانت تلك الفترة التي انتشرت فيها أغنية الموت المعروفة من قناة “أطفال الجنه”: “لما نستشهد بنروح الجنة… لا لا تقولوا علينا صغار… من هالعيشة صرنا كبار”.يظهر في الفيديو كليب أطفال فلسطينيون يسقطون برصاص جنود الاحتلال، تليهم مشاهد تمثيلية لأطفال آخرين يهاجمون جنوداً إسرائيليين ويسقطون قتلى بعد الذين سبقوهم.

يتسابق الجهاد الشيعي مع الجهاد السني على زرع ثقافة الموت للأطفال كفرسي رهان.

ففي صنعاء تصدر مجلة شهرية مصورة للأطفال اسمها “جهاد” عن مؤسسة تابعة لسلطة الأمر الواقع كل قصصها المصورة عن الشهادة والموت والجهاد. أما الرسوم التي تتكرر على صفحات المجلة فهي صور المقابر والدماء والقتلى. النصيحة التي تقدمها المجلة للأطفال هي الموت: “إذا أردت العفة في الدنيا والآخرة اجعل دربك وطريقك في هذه الحياة درب الجهاد والاستشهاد وطرقهما”. والنشاط المفضل ليست الذهاب إلى الحديقة أو تعلم الرسم أو الموسيقى وإنما زيارة المقابر “روضات الشهداء”.

في القصة المصورة على الغلاف الأخير، يظهر مدير المدرسة يوزع الهدايا للطلبة من الأبناء الشهداء، وفجأة يتقدم طالب صغير إلى المنصة ليخطف إحدى الهدايا، وعندما يستوقفه المدير معترضاً لأن والده حي وليس شهيداً، يقول له الطفل ببساطه: “أعدك أنه سيستشهد قريباً، فقط أعطني الهدايا الآن!”.

سنرتكب خطأ كبيراً لو خلطنا بين خطاب الجهاد وخطاب الموت، على رغم أنهما ابنان شرعيان للأب نفسه. صعد خطاب الجهاد مع الجهاد الأفغاني والثورة الخمينية، الحدثين الذين حولا الإسلام إلى دين جهادي، والمسلم إلى مقاتل أبدي لا يتعب. لكن حتى في الخطاب الجهادي يظل الحفاظ على حياة المجاهد مهماً، وعلى رغم أن الشهادة “منحة ربانية” يتمناها المجاهد، لكنه لا يسعى إليها إلا في حال الضرورة.

لكن مع صعود الجيل الثاني للقاعدة ثم “داعش”، تحول خطاب الجهاد إلى خطاب الموت. لاحظ اوليفييه روا في كتابه “الجهاد والموت” أن منفذي التفجيرات الانتحارية في الغرب بغالبيتهم، كانوا يستطيعون تنفيذ العملية والهرب، لكنهم سعوا إلى الموت لا إلى الانتصار. ليس موت المجاهد/ الإرهابي نتيجة مؤسفة إنما هو صلب مشروعه، فالموت غاية وليس وسيلة والعمليات الانتحارية نقلت الجهاد إلى مرحلة “النيكروفيليا”.

هل عرفت ما هي النيكروفيليا؟

لا بد لكل مسلم معاصر من فهمها ليحمي نفسه وأولاده.

النيكروفيليا هي “عشق الموت” ويطلق على نوعين من الظواهر، النيكروفيليا الجنسية: وهي رغبة الاتصال الجنسي مع جثة، والنيكروفيليا غير الجنسية: وهي الرغبة في الإمساك بالجثث أو الاقتراب منها أو التحديق إليها، واشتهاء الوجود بقرب الجثث أو المقابر أو أي شيء في حال تفسخ.

كذلك يجب أن نفرق بين الشخصية السادية والشخصية النيكروفيلية. السادي يرغب في السيطرة الكاملة والمطلقة على إنسان آخر لكنه يحافظ عليه حياً، أما النيكروفيلي فغايته أن يوصله للموت.

في تحليله الشخصيات التاريخية وضع إريك فروم، ستالين ضمن الشخصيات السادية، وهتلر ضمن الشخصيات النيكروفيلية. هدف ستالين كان السيطرة القاسية على كل ما هو حي على رغم أنه تسبب في مقتل 20 مليون إنسان، أما هدف هتلر فهدفه التدمير وخصوصاً تدمير المدن والبشر (إبادة اليهود والتنظير لإبادة العاجزين والضعفاء).

صدام والقذافي كانا ساديين، وأردوغان سادي في حالة تحول إلى النيكروفيليا. أما البغدادي ونصر الله والحوثي فشخصيات نيكروفيلية.

عشية صعود الفاشية في إسبانيا، صرخ جنود فرانكو بالشعار الفاشي الشهير “يحيا الموت”.

إنها مفارقة فهمها علم النفس وأوضحها. الشيء الوحيد الذي يستحق الحياة عند النيكروفيلي هو الموت. وهذا ما فعله النيكروفيليون الإسلاميون بالآية القرآنية “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون”، فالشهيد هو الحي الأبدي، والموت هو الحياة.

الافتتان بالموت ظاهرة ملفتة للنظر في الثقافة العربية الإسلامية “أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة”… هكذا قال خالد بن الوليد مهدداً والي الحيرة بعد أن حاصرها بجيشه. ثم لما انتهى منها وانتقل إلى المدائن عارضاً عليهم الإسلام أو الاستسلام كرر التهديد ذاته: “هو الذي لا إله إلا هو لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة”. بعده بقرون سيقول الإمام زيد “من أحب الحياة عاش ذليلاً…” دافعاً النيكروفيلية الدينية خطوة أخرى من محبة الموت إلى كراهية الحياة.

الفقه الإسلامي نيكروفيلي عموماً، فالدنيا جنة الكافر وجحيم المؤمن، أما أعظم أسباب الذل والخذلان فحب الدنيا وكراهية الموت. في صنعاء اليوم تنتصب لوحة عملاقة في “شارع الشهداء” مكتوب عليها “بنيت بثقافة القرآن أمة تعشق الشهادة”. هذه العبارة هي تعبير مبسط عن النيكروفيليا الجماعية “تسقط الحياة، يحيا الموت”.

استغرب المراقبون ممارسة غريبة يقوم بها الحوثيون وهي دفن موتاهم في الحقول والمدرجات الزراعية الخصبة. لكن لا غرابة في ذلك، فالموت هو الحياة، والحقول التي كانت تنتج الحياة يجب أن تحتضن الموت. المقبرة هي وسيلة الإنتاج الأساسية وليس الحقل أو المزرعة. لهذا يسمون مقابر قتلاهم “رياض الشهداء”، والروضة هي البستان أو الجنة، لكنها أيضاً قد تكون روضة التعليم الذي يدخل فيها الطفل، فليس غريباً أيضاً أن معظم قتلى هذه الروضات، هم أطفال!

حتى صورة الله عند هذه الجماعات صورة نيكروفيلية بامتياز. إنه الإله الذي يعشق الدماء والقرابين والأشلاء. هناك دعاء غريب يردده جهاديو السنة والشيعة هو: “اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى”! وتصدح موجات الإذاعة المحلية في صنعاء بنشيد نيكروفيلي أغرب “يا إلهي هذه أشلائي… فاصدح بها في عالم الشهداء”، فلماذا يقدم المنشد أشلاءه إلى الله؟

يحتل “اليوم السنوي للشهيد” في إيران ولبنان واليمن اليوم المكانة ذاتها التي كان يحتلها “عيد العمال” في الأنظمة الاشتراكية!

الشهيد هو العامل أو الشغيل الأساسي في النظام الديني. أما الإنجاز الفرد الأساسي داخل هذا النظام فهو “الموت”. ومقابر الشهداء عند الحوثيين و”حزب الله” تحتل الوظيفة الأيقونية ذاتها التي كانت تقدمها صور المصانع والمنشآت الضخمة في الدول الاشتراكية. فحتى لو سقط آلاف الأشخاص قتلى فهذه ليست هزيمة. فكلما زاد عدد الشهداء كلما زاد “إنتاج” الجماعة وفخرها.

من يموت موتاً طبيعياً لا يدفن في مقابر الشهداء. هناك مقابر عادية كالحة للجبناء المتمسكين بالحياة، أما مقابر الشهداء فهي للمختارين والأبطال.

أحد قيادات “حزب الله” دعا قبل فترة إلى إقامة إفطار جماعي في مقابر الشهداء. إنه عشق الوجود قرب الجثث ووسط المقابر في إفطار نيكروفيلي مثالي.

الموت هو الإنجاز. والرجل الصالح هو الرجل الميت.

هل نحن مجتمعات نيكروفيلية؟

فرق إريك فروم في دراساته لظواهر الفاشية والحروب والدمار يميّز بين نوعين من المجتمعات:

المجتمعات المؤكدة للحياة: حيث المثل والعادات والتقاليد تؤكد حفظ الحياة، والحروب غائبة أو هامشية، ويعامَل الأطفال بلطف، والنساء عموماً مساويات للرجال، ولا يتم استغلالهن أو إيذاؤهن، وموقف المجتمع من الجنس متسامح وإيجابي.

المجتمعات العدوانية التدميرية: التي تتصف بالعنف المتبادل والقسوة سواء داخل القبيلة أو ضد الآخرين، وتقديس الحرب، وسيادة جو العداوة والتوتر والخوف، وأكثر الفضائل إثارة للإعجاب هي انتزاع “الغنائم” من الضحايا.

أخاف أن اقول إننا مجتمعات نيكروفيلية في الكثير من جوانب حياتنا، وهذا هو الجدار العازل الذي يمنعنا من الاندماج في روح العصر.

إن حق الحياة هو الحق الأول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الحق الذي لا يجوز انتهاكه أو مناقشته. فاذا كنا نحتقر حق الانسان في الحياة فستسقط كل حقوقه على التوالي.

لكن كيف يمكن تأكيد حق الحياة ونحن نقدس ثقافة الجهاد والشهادة؟

الصورة مقلوبة وقاتمة تصبح فيها مهمة الكبار الرسمية قتل الأطفال.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
باسكال صوما – صحافية لبنانية
تقتصر المحاسبة والتوقيفات على مديرين أو مسؤولين أو موظفين صغار في الدولة، وتتم تبرئة الرؤوس الكبيرة التي تتولى في الحقيقة إدارة المرفأ والمطار وكل شاردة وواردة في البلد.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني