الجزائر: نَفَس التظاهرات الطويل يُعرّي منظومة الحكم

بعد سنة من التظاهرات المتواصلة، أسقطت سلمية المتظاهرين حجة السلطة في استخدام العنف لقمع الحراك الشعبي، بدافع حفظ النظام العام كما لم تفلح مناورات هذه السلطة في احتواء الأزمة بسبب ضعف معروضها السياسي.

ما جيناش نحتفلوا، أولي أولا، جينا باش ترحلوا” (لم نأت لنحتفل، بل من أجل أن نُرحّلكم). دوى هذا الشعار عشية مرور سنة على اندلاع التظاهرات الشعبية في 22 شباط/ فبراير من العام الماضي والتي أسقطت الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وعرّت بسلميتها منظمة الحكم السائدة منذ استقلال البلد. 

كان إعلان الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة ترشحه لولاية خامسة القطرة التي أفاضت كأس الإهانة التي جرّعها النظام الحاكم للجزائريين بفرضه كواجهة، على رغم عدم قدرته على أداء مهماته منذ تعرضه لسكتة قلبية عام 2013 قبيل انتهاء عهدته الثالثة. وإذ ساد اعتقاد لدى الكثير من النخب مفاده أن تفجير الشارع كان عملاً خُطّط له في مخابر البوليس السياسي – الذي هو أداة سيطرة النظام – لإعادة ترتيب أوراق هذا الأخير، يُصرّ المتظاهرون منذ سنة على رفض العروض المطروحة في الساحة حتى الآن والمطالبة بتغيير النظام ككل وليس واجهته وحسب كما هو حاصل اليوم. 

يتبين ذلك من خلال الشعارات التي تردَّد، تبعاً لنظرية المؤامرة التي تسوقها الآلة الدعائية للسلطة: “خرجنا وحدنا ماخرجوناش ليهود” (خرجنا من قرارة أنفسنا وليست لليهود يد في ذلك)، وكذلك “يا العصابة جينا ما جابوناش” (أيتها العصابة، جئنا بمحض إرادتنا ولم يدفع بنا أحد). وحتى لو سلمنا بأن إحدى العصب المكونة للنظام قد استثمرت في جيوب الغضب الموجودة داخل المجتمع الجزائري من أجل الانقلاب على قائد أركان الجيش المتوفى في كانون الأول/ ديسمبر الماضي أحمد قايد صالح وصاحب الحل والربط على الأقل منذ 2015، أو من أجل تصفية حساباتها مع ما كان يصطلح عليه بـ” زمرة الرئيس” والاستيلاء على السلطة بعد ذلك، فإنها لم تعد تتحكم في زمام الشارع و المتظاهرين بمختلف ألوانهم السياسية ومراكزهم الاجتماعية. لم يعد النظام قادراً على استقطاب نخب حقيقية ورداءة المعروض السياسي المقدم للجزائريين كبديل لبوتفليقة لم يفلح في لملمة الوضع واحتواء المطالب التي ارتفع سقفها تباعاً ولم تعد عمليات التجميل تقنع أصحابها. 

تفترض نظرية المؤامرة وجود طرفين في المعادلة: طرف ذكي يتلاعب بطرف أغبى بمكان. كما أن إسقاطها على الأحداث المتسارعة بفعل ديناميكية الحراك الشعبي اعتراف ضمني بالغباء والجهل بفواصل الأمور والتحولات العميقة التي عرفها المجتمع الجزائري وشبابه المنفتح على العالم بفعل التكنولوجيات الحديثة. لم تعد حيل النظام التي لم تتجدد تنطلي على الجزائريين فهو وإن غير بعض وجوهه في هرم السلطة، لم يغير من منهجه المبني على تخوين الخصوم السياسيين وشراء الولاءات بتوزيع الريوع المختلفة إما بفبركة أبطال وهميين وإما بمنح المناصب للمتملقين وتسهيل الولوج إلى عالم الأعمال لأشباه المقاولين. 

الوسواس

هناك مؤشرات دفعت الكثيرين إلى الاعتقاد بافتعال الأحداث. فقد حذر الوزير الأول السابق القابع في السجن بتهم فساد أحمد أويحيى من استغلال الشارع بأسابيع قبل اندلاع التظاهرات وهذا في مداخلتين مختلفتين، أمام كوادر حزبه، التجمع الوطني الديموقراطي، ثم أمام نواب البرلمان. كما أن الدعوات إلى التظاهر يوم 22 شباط 2019 بقيت مجهولة المصدر. وسُجّلت أحداث عنف خلال المظاهرات الأولى تلتها إقالات في صفوف الشرطة والمخابرات. وبدت أوامر قيادة الجيش بعدم قمع التظاهرات والمحافظة على سلميتها كجزء من الثورة المضادة. إلا أن التظاهرات الشعبية بقيت تعمل على إبطال هذا الاعتقاد بنفس طويل. 

لم يعد النظام قادراً على استقطاب نخب حقيقية ورداءة المعروض السياسي المقدم للجزائريين كبديل لبوتفليقة لم يفلح في لملمة الوضع واحتواء المطالب.

رفض الجزائريون الدخول في مواجهات مع قوات حفظ النظام وكانت الرصانة سيدة الموقف، على رغم الزج بالكثير من النشطاء في السجون وتضييق مساحات التظاهر باحتلال الأماكن الرمزية للتظاهرات كالبريد المركزي ونفق الكلية المؤدي إلى ساحة موريس أودان بالعاصمة الجزائر على سبيل المثال. كانت السلطة تبرر ذلك بحجج أمنية أضحت مدعاة للسخرية. ففقدان الثقة في ما يصدر عن مؤسسات الدولة جعلتهم لا يكترثون لمثل هاته التحذيرات بغض النظر عن صدقيتها. هناك أيضاً توجس داخل صفوف المتظاهرين أجّجته جحافل المنتفعين المعروفين بارتباطاتهم بعصب النظام ممن ركبوا موجة الحراك في سبيل تجديد واجهته. فمنهم من حصل على ما كان يريد ومنهم من ينتظر. نتج عن هذا، توجس الكل من الكل. 

التقينا إحدى المناضلات المنخرطات في مسعى إلى تحقيق مجتمع مدني، وكان ناشطون طلبوا ترخيصاً من السلطات الإدارية باسم جمعية معتمدة من أجل تنظيم تجمع شعبي بالعاصمة بمناسبة مرور سنة عل بداية المظاهرات. ومن المفارقات أنها كانت ” فرحة” برفض هذا الطلب كون الكثير من المنخرطين في هذا المسعى جاءوا، بحسب الناشطة، للتموقع طلباً لتمثيل الحراك الشعبي أو للمناصب كما تريده السلطة. فلو قُبل طلب الترخيص، تضيف المناضلة، لشُوّهت صورة الكثير ممن هم في هذا المسعى مطالبين بتغيير قواعد اللعبة السياسية من أجل تكريس الحريات. 

رفضت السلطة طلب الترخيص ليس لتمديد عمر الحراك كما يعتقد المؤمنون بالمؤامرة، فهذا أكثر خفّيّة مما هي السلطة وبوليسها السياسي عليه. وإنما هي عثرة أخرى تضاف إلى سلسلة الأخطاء التي ترتكبها هذه السلطة التي لم تعُد حقيقتها كقامعة للحريات ومُحتقرة للشعب، خافيةً على أحد. استعملت الضبطية القضائية عبارة “يستغل سذاجة الشعب الجزائري” في محضر يخص الناشط فوضيل بومالة، أحد سجناء الرأي المتابعين بتهمة المساس بالوحدة الوطنية، وهذا دليل بسيط على الاستهزاء بذكاء الجزائريين. وقد دأب الجزائريون على معرفة هذه السلطة التي تجسدها المؤسسة العسكرية وشرطتها السياسية بعدما وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة معها إثر تنحية بوتفليقة.    

فشل المخابرات

ما كان عليه الوضع قبل 22 شباط 2019؟ كان الشعب الجزائري يُسرق بطريقة مُمنهجة تحت غطاء خيارات اقتصادية مختلفة. وهو الحال من قبل تقليد بوتفليقة منصب رئيس الجمهورية في 1999. خُصخصت الشركات العمومية في التسعينات لمصلحة فئة من المنتفعين وحُوّلت احتكاراتها لهؤلاء الخواص بحجة فتح السوق أمام المبادرة الخاصة، ثم بُذّرت ملايين الدولارات المُحصّلة بفعل ارتفاع أسعار النفط في بداية الألفية الثالثة إضافة إلى مؤسسات الرشوة. تغيرت الحكومات ولم يتغير شيء بالنسبة إلى المواطنين البسطاء وطفح كيل الجزائريين من هذه الاعتباطية المستمرة. أفقرتهم الرشوة التي بلغت حداً جنونياً وأغنت من دون وجه حق المقربين من السلطة. وهنا تكمن أسباب الانفجار الشعبي وهذا هو محرك احتجاجات الجزائريين. اندلعت التظاهرات بعد ترشح بوتفليقة لعهدة خامسة. كانت نقطة بداية هذا الحراك وهو متواصل منذ سنة. 

كيف سارت الأمور؟ من المؤكد أن المخابرات حاولت احتواء الأحداث بشتى الوسائل كما فعلت دائماً منذ الاستقلال، لأن الشعب الجزائري لم يتوقف يوماً عن المطالبة بالحرية. كانت وما زالت تقوم بذلك على حساب صلاحياتها الاستراتيجية، مختزلة عملها في مهمات الشرطة أو البوليس السياسي بإدارة شبكات الولاءات لصالح السلطة السياسية. ولو أن هناك أشياء يمكن تقييمها من وجهات نظر مختلفة واستعمال أشكال مختلفة لوصفها، إنما هناك تسلسل موضوعي يسمح بتتبُّعها وهو يصب في خانة فشل المخابرات في استشرافها الأحداث، على رغم وجود مؤشرات توحي بانفجار شعبي. على سبيل المثال لا الحصر: صورة بعض المواطنين الذين شربوا من منبع سيدي الكبير في ولاية تيبازة (50 كلم غرب العاصمة الجزائر) بعدما قررت مديرية الصحة في الولاية ردمه لتسبُّبه بحسب تحقيقاتها في إصابات بوباء الكوليرا صيف عام 2018، وهو أقصى ما قد يصله عدم الثقة في ما يقوله المسؤولون في الدولة.  

تابع ” درج” الحراك الشعبي من أول يوم انطلاقاً من حي باب الواد الشعبي في الجزائر العاصمة وهو الأكثر كثافة سكانية في البلد ولاحظنا خروج الناس من بيوتهم للتظاهر، كباراً وصغاراً، نساء ورجالاً. رجعنا مراراً حتى يوم سنوية الحراك الأولى. على بساطتهم، يأمل سكان هذا الحي بحياة أفضل في كنف الحرية. ولا يبدو أن هناك قوة بإمكانها إخراجهم، على اختلاف حساسياتهم، بتلك العفوية مهما كان تأثيرها.

ما كان عليه الوضع قبل 22 شباط 2019؟ كان الشعب الجزائري يُسرق بطريقة مُمنهجة تحت غطاء خيارات اقتصادية مختلفة.

قال في هذا الشأن محافظ بنك الجزائر السابق عبد الرحمن حاج ناصر في حوار لجريدة ” كل شيء عن الجزائر” الإلكترونية: “يعمل الحراك مثل كمبيوتر كمي له منطقه الخاص وليس له علاقة بمن أرادوا إطلاقه. كان يبدو في البداية وكأنه تلاعب. ولكن بدلاً من أن يُستخدم من أجل إضفاء الشرعية على التحكيم بين زمر النظام – مع الأخذ بعين الاعتبار أن هيئات التحكيم في أعلى هرم الدولة قد دُمّرت -، تحرر الحراك وأصبح فضاء للتعبير بالنسبة للمواطنين الذين استعادوا حسهم السياسي وأظهروا في هذا المجال نُضجًا لم يكن مُتوقّعا. وهذا يعني، بدلاً من أن يتم التلاعب بهم، أصبحوا فاعلين سياسيين“. وقال الشاب محمد تاجعديت، أحد وجوه الحراك والذي سُجن بسبب أشعاره النضالية، في رد على سؤال للصحافية ليندة عبو يتعلق بما حققه الحراك من مكاسب أو ما لم يُحققه: “هذا ليس حزباً حتى يقدم حصيلة، هي معركة ونحن مستمرون فيها“. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني