المواطن موداي: السياسي السويسري الذي سقط من القمة بعد زيارته أبوظبي

سأل صحافي، بيار موداي عن رحلةٍ إلى أبوظبي، وكان يعلم أن موداي سافر في تلك الرحلة مع أسرته ومع مسؤول رفيع المستوى من إدارته. كما اتضح أيضاً أن الرحلة كانت على درجة رجال الأعمال، وأن الزوار أقاموا في فندق قصر الإمارات الفاخر، وحضروا رالي أبوظبي. والتقى السياسي ولي العهد محمد بن زايد آل نهيان أثناء الزيارة.

كان بيار موداي نجماً سياسياً صاعداً في سويسرا. فعام 2007، حين كان عمره 29 سنة، فاز في انتخابات الإدارة المحلية في جنيف، وعام 2012، فاز في انتخابات مجلس مقاطعة جنيف. أما عام 2017، فرُشِّح موداي للمجلس الفيدرالي السويسري، كأحد الوزراء السبع الأكثر نفوذاً في الاتحاد السويسري، لكن حزبه “الحزب الليبرالي الراديكالي” اختار مرشحاً آخر في النهاية. وعام 2018، فاز في انتخابات مجلس مقاطعة جنيف من الجولة الأولى، للمرة الأولى في تاريخ جنيف، وأصبح رئيساً للمقاطعة. وحين بلغ الأربعين من عمره، لم يكن هناك ما يوقف طموح المواطن موداي للوصول إلى القمة في السياسة السويسرية.

انتهى ذلك حين سأله الصحافي رافائيل ليروي، ذات يوم عن رحلة استغرقت 4 أيام إلى أبو ظبي عام 2015، وما إذا كانت تلك الرحلة رسمية أم خاصة، ومن الذي مولها. كان الصحافي علم أن موداي سافر في تلك الرحلة مع أسرته (زوجته وأولاده)، لكن أيضاً مع مسؤول رفيع المستوى من إدارته. كما اتضح أيضاً أن الرحلة كانت على درجة رجال الأعمال، وأن الزوار أقاموا في فندق قصر الإمارات الفاخر، وحضروا رالي أبوظبي. إضافة إلى ذلك، التقى السياسي ولي العهد محمد بن زايد آل نهيان أثناء الزيارة.

بيار موداي

في البداية، كان الجواب أن زيارة دبي كانت رحلة خاصة، مولها شربل غانم، عم ماجد خوري، وهو رجل أعمال لبناني مقيم في جنيف، وصديق للسياسي السويسري. لكن حقيقة أن مسؤولاً رفيع المستوى صاحب السياسي السويسري وأسرته في تلك الرحلة أثارت فضول الصحافي. قال موداي أيضاً أن لقاءه بمحمد بن زايد لم يكن اجتماعاً رسمياً، بل كان لقاءً عرضياً في ردهة الفندق. ثم أضاف موداي أن الرحلة كلفته نحو 4000 فرنك سويسري، لكن الصحافي قدر التكلفة الكلية للرحلة بـ54 ألف فرنك سويسري (ما يقرب من 54 ألف دولار).

احتفل بيار موداي بعيد ميلاده الأربعين في مطعم افتتح في جنيف اسمه “إسكوبار”. مالك المطعم هو أنطوان ضاهر، صديق لبناني آخر للسياسي. في ما بعد، أذاعت وسائل الإعلام المحلية أن حفل عيد الميلاد قُدم للسياسي السويسري وأصدقائه مجاناً.

فضلاً عن أن هناك مصادر أفادت أيضاً بأن المطعم حصل على التراخيص المطلوبة بسرعة كبيرة للغاية، مقارنةً بالوقت اللازم عادةً لمنح مثل هذه التراخيص للمنشآت التي تبيع المشروبات الكحولية.

في 5 أيلول/ سبتمبر 2018، اعترف بيار موداي في مقابلة تلفزيونية، بأنه كذب على جمهور جنيف بشأن رحلته إلى الإمارات.

علاوةً على ذلك، كشفت وسائل الإعلام السويسرية أن موداي تلقى ما يعادل 35 ألف فرنك سويسري من أنطوان ضاهر لتمويل الحملة الانتخابية للسياسي.

عام 2017، بدأ المدعي العام في جنيف، الذي تصادف أنه ينتمي للحزب الليبرالي الراديكالي الذي ينتمي إليه موداي، التحقيق في رحلته إلى أبو ظبي، مُشتبهاً في أن السياسي قدم عروضاً لعقود عقارية مميزة في مقابل الرحلة. وقد اشتبه المدعي العام أن تلك العقود مُنحت لأصدقائه اللبنانيين، أو من خلالهم لمستثمرين إماراتيين.

في 5 أيلول/ سبتمبر 2018، اعترف بيار موداي في مقابلة تلفزيونية، بأنه كذب على جمهور جنيف بشأن رحلته إلى الإمارات. إلا أن السياسي يصر حتى يومنا هذا على أن رحلته إلى أبو ظبي كانت لخدمة دائرته الانتخابية من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية مع دول الخليج. ومع ذلك، وبعد هذا الاعتراف، خسر موداي رئاسة مقاطعة جنيف، وحل محله الناشط في “حزب الخضر السويسري”، أنطونيو هودغز. كما خسر موداي مختلف الإدارات التي كان مسؤولاً عن إدارتها، بما في ذلك قطاع الأمن ومطار جنيف، ويشرف اليوم على فريق لا يكاد يصل عدده إلى 35 شخصاً، في حين يواصل المدعي العام تحقيقاته. علاوةً على ذلك، طالب كثر من أعضاء “الحزب الليبرالي الراديكالي” علناً موداي بالاستقالة، بينما لا يزال مُصراً على موقفه، ويؤكد دوماً أنه لم ينتهك القانون.

ما يثير القلق في ما يتعلق بقضية المواطن موداي، هو أنه كان يتمتع بشعبية كبيرة قبل أن تُثار فضيحة رحلته إلى الإمارات.

 اليوم، في سويسرا والكثير من الديموقراطيات الأخرى، لا يتسامح الرأي العام مع الساسة الذين يرتكبون أدنى قدر من إساءة الاستخدام لمناصبهم الرسمية. وصار أي إفراط في إنفاق الأموال العامة على الرحلات الخارجية المترفة يخضع للتدقيق العام والتحقيقات الإدارية. فضلاً عن أن الهدايا التي يتلقاها المسؤولون وتصل قيمتها إلى أكثر من 100 دولار، ينبغي الإعلان عنها وتقديمها إلى الإدارة، نظراً إلى أن الاحتفاظ بها يُمكن أن يؤدي إلى مواجهة اتهامات بالفساد. وقد يكون هذا محل نقاش، لأن مديري الشركات متعددة الجنسيات المملوكة للقطاع الخاص، صاروا يُمثلون السلطات الحقيقية التي تتمتع بقوة لا حدود لها وأموال نقدية يُمكن التصرف بها في أي وقت. وأياً كانت الحال، فقد أصبح الرأي العام اليوم أقل تسامحاً مع المسؤولين المنتخبين مقارنةً بما كان عليه الوضع قبل عقد مضى.

ما يثير القلق في ما يتعلق بقضية المواطن موداي، هو أنه كان يتمتع بشعبية كبيرة قبل أن تُثار فضيحة رحلته إلى الإمارات. بل إن ما أثار صدمة الرأي العام بشدة، هو أن بيار موداي شق طريقه خلال مسيرته المهنية باعتباره رجل دولة، وبوصفه رجل مؤسسات، لم يمتنع يوماً عن توجيه انتقادات قاسية لأي مسؤول لا يحترم نص القانون وروحه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

أحمد عيساوي – كاتب لبناني
اتهام البانغول بجريمة نشر فايروس “كورونا” هو تكريس حقيقي لتجهيل الفاعل الأساس وهروب من الواقع المرّ. إنّ الإنسان وحده يبقى المسؤول عن تلك المأساة وها هو يدفع الثمن غالياً.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
الجديد اليوم هو ذهاب المنطق العنصري إلى أقصاه بحيث يحاول البعض الايحاء بأنّ “السوري” تحديداً اللاجئ مرشّح لحمل المرض أكثر من اللبناني.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
“السجون متكدّسة وأجساد البشر متلاصقة فيها كأنها وسيلة نقل عام ممتلئة. الوباء قد ينتشر في الزنازين بسهولة، يكفي أنه عندما يحتاج السجين إلى الإسعاف، قد يستغرق الأمر ساعات انتظار طويلة، ما يجعل الموت في السجن خبراً معتاداً”…
ميزر كمال- صحافي عراقي
عبد الملك كان أحد المتظاهرين الذين قتلتهم قوات الأمن بأسلحة صيد الحيوانات، لكنَّها لم تستطع قتل صوته الجميل وذكرياته مع أهله وأصدقائه الذين لا يزالون يحتفظون بالكثير من مقاطع الفيديو التي توثق لحظات الفرح والحزن التي كان يعبر عنها من خلال الغناء.
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
أليس تناقضاً مفزعاً أن دعاة المدن الفاضلة تسببوا في أبشع الجرائم والرذائل وخلقوا مدن الجوع والفقر والإرهاب والجريمة؟
شفان ابراهيم – صحافي سوري
في شمال سوريا يواجهون الوضع باللامبالاة، وكأنهم استسلموا أو سلّموا مصيرهم للمجهول، فلا إجراءات احترازية ولا وقاية تُذكر.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني