بعض أسباب سعينا لنقابة بديلة للصحافيين اللبنانيين

فبراير 23, 2020
في السنوات الأخيرة جرى صرف تعسفي لمئات الصحافيين اللبنانيين، وجرى الاعتداء على حريات عشرات آخرين فهل أقدمت النقابة على غير بيانات شديدة التهذيب والحذر لإدانة هذه الأعمال

يمثل زميلنا في “درج” شربل خوري أمام محقق “عسكري” في فرع مكافحة جريمة المعلوماتية التابع لقوى الأمن الداخلي، وتمثل أيضاً زميلتنا ديما صادق وكذلك الناشط جينو رعيدي أمام قاضي التحقيق، والتهم الثلاث الموجهة إليهم ترتبط بالحريات العامة. في هذا الوقت لا تعتبر نقابة المحررين اللبنانيين أنها معنية بالتهم الموجهة للزملاء، كما أن موضوع الحريات العامة لم يمثل يوماً أحد هموم النقابة! وإذا كانت الحجة المألوفة تتمثل بأن المدعى عليهم ليسوا أعضاء في النقابة، فإن نقابة للمحررين الصحافيين، لا تعتبر نفسها معنية بقضية حريات عامة، يجب الإطاحة بها فوراً، ذاك أن الموقع الطبيعي والمهمة الأولى لهذه النقابة هي حماية الحق بالتعبير. 

هذا غيض من فيض الأسباب التي وجدنا أنفسنا بفعلها مندفعين وراء اقتراح “النقابة البديلة”. الحاجة إلى هذه النقابة هي أكثر من ملحة، ذاك أن نقابتنا “الرسمية” هي وسيلة ضغط علينا أكثر مما هي أداة ضغط بيدنا. لنا تجارب عديدة في هذا المجال، لكن دعنا منها اليوم، ولنحاول مثلاً أن نتذكر انجازاً واحداً لهذه النقابة! انجازاً واحداً لا غير.

في السنوات الأخيرة مثلاً جرى صرف تعسفي لمئات الصحافيين اللبنانيين، وجرى الاعتداء على حريات عشرات الصحافيين، جسدياً ومعنوياً، فهل أقدمت النقابة على غير بيانات شديدة التهذيب والحذر لإدانة هذه الأعمال؟ اليوم مثلاً اعترف مرافقو المصرفي مروان خير الدين بالاعتداء على الزميل محمد زبيب، وهذا ما يدفع بديهياً إلى الظن بخير الدين بأنه وراء هذا الاعتداء، فهل ستقدم النقابة على الادعاء على خير الدين؟ الجواب حاسم بأنها لن تقدم، لا بل يمكننا أن نعتقد بأنها تدبج مخرجاً يساعد الأخير على النجاة من احتمال الادعاء عليه. هذا ما عودتنا عليه، وهذا ما ننتظره منها أصلاً.

ستكون النقابة البديلة في انتظار الزملاء ديما وشربل وجينو، ولن تحضر النقابة الحالية، سيكون رئيسها منشغلاً بطلب موعد من أحد الرؤساء لكي يخاطبه بعبارة “فخامتك” و”دولتك”، ولكي يعده بنقل ما يقوله بأمانة وحرص. أما نحن فسنكون حيث مقر فرع مكافحة جريمة المعلوماتية ننتظر زملاءنا ونعدهم بأن الثورة ستطيح بمن لم يكترث لانتهاك حرياتهم.

نقابة المحررين أيها الزملاء بين يديها اليوم قضية لا يمكن الشك بعدالتها، وهي قضية صحافيي وموظفي جريدة “الحياة” ومجلة “لها”. بحوزة هؤلاء الموظفين كتب تعترف فيها المؤسسة بحقوقهم التي لم تدفع منذ نحو 18 شهراً. النقابة أصدرت بياناً، وكان الله يحب المحسنين. الضغط على إدارة الجريدة وعلى مالكها كان سيؤتي أكله فيما لو جرى. للجريدة مبنى في الوسط التجاري ولصاحبها منازل عدة في بيروت، وأي ضغط كان سيؤدي إلى مبادرة المؤسسة للتسديد. النقابة لم تعتبر يوماً أن قضية المصروفين من “الحياة” قضيتها باستثناء بيان شكلي وينطوي على رجاء ولا يعطي مهلاً ولا يرسم خريطة مواجهة مع أصحاب الجريدة ومع إدارتها.

الأمثلة عن الحاجة إلى نقابة بديلة لا تنتهي. فالنقابة الحالية تدعي أنها تمثل الصحافيين العاملين في الصحافة الورقية المكتوبة، وهذه الصحافة آفلة هذه الأيام وبدأت تحل مكانها الصحافة الألكترونية التفاعلية. النقابة الحالية لا تصلح لتمثل هذا النوع من الصحافة الجديدة. فناهيك عن أن هذه النقابة هي جزء من النظام السياسي والطائفي (يقضي العرف بأن يكون نقيب المحررين مسيحياً ونقيب الصحافة سنياً، وهذا يمثل عاراً موازيا للمهنة ولأهلها)، هي أيضاً نقابة رجعية ولا صلة لها بأجيال الصحافيين الجدد ممن أضافوا إلى المهنة خبرات في مجالات جديدة لم يعد ممكناً تفادي معرفتها. لكن المهمة الرئيسة لنقيبنا الحالي ولنقابتنا “غير البديلة” هي تلك الزيارة للرؤساء الثلاثة التي يعقد بعدها النقيب مؤتمراً صحافياً في القصر الرئاسي يلخص فيه ما قاله الرئيس للوفد! أما البحث في هموم المهنة وفي التحولات الهائلة التي تصيبها فهذا بعيد كل البعد عن مدارك أهل النقابة، وعن أمزجتهم أصلاً. 

النقابة الحالية جزء من نظام الفساد الذي قامت الثورة للإطاحة به، والنقابة البديلة هي جزء من الثورة على هذا النظام. الزميلات والزملاء ممن باشرن وباشروا بهذا المشروع كن وكانوا في صلب حركة التظاهر والاحتجاج، وهم اليوم بصدد تطوير فكرتهم وتحويلها واقعاً، وسنكون معهم ووراءهم تماماً كما كنا في الساحات، وهم سيحملون همومنا وهموم المهنة على نحو لم تفعله النقابة الحالية. لن يزوروا الرؤساء، وهم ان فعلوا فلكي يقولوا لهم ارحلوا، ولكي يوجهوا إليهم الأسئلة بصفتها استجواباً لا استيضاحاً، تماماً كما تقتضي المهنة وكما تقتضي الثورة.

لحظة الاستدعاء ستكون النقابة البديلة في انتظار الزملاء ديما وشربل وجينو، ولن تحضر النقابة الحالية، سيكون رئيسها منشغلاً بطلب موعد من أحد الرؤساء لكي يخاطبه بعبارة “فخامتك” و”دولتك”، ولكي يعده بنقل ما يقوله بأمانة وحرص. 

أما نحن فسنكون هناك على بولفار كميل شمعون حيث مقر فرع مكافحة جريمة المعلوماتية ننتظر زملاءنا ونعدهم بأن الثورة ستطيح بمن لم يكترث لانتهاك حرياتهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عبد الرشيد الفقيه – باحث حقوقي يمني
مع الوفرة في المال السياسي للأطراف (الخليج/ إيران) المتقاتلة بالوكالة، أُنهك الفضاء العام بعدد مهول من قنوات فضائية ومواقع إلكترونية، لا هدف لها سوى ليّ عنق الحقيقة، بما يطيل أمد النزاع، ويبدو أنها حققت جزءاً من مسعاها.
إيلي عبدو – صحافي سوري
يحار المتضامن مع الصحافي المغربي سليمان الريسوني، كيف يصوغ تضامنه من دون أن يشوب هذا الموقف ظلماً لطرف ثان. فرئيس تحرير “أخبار اليوم”، المعروف بمقالاته الناقدة للسلطة في بلاده، اتهمه مثلي باغتصابه …
محمد خلف – صحافي عراقي
يواجه الإعلاميون في جميع دول العالم تحديات جديدة، تحديات تقنية غير مألوفة، إضافة إلى تضييق وتقييد من الحكومات ومؤسساتها المختلفة.
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
منذ إعلان حالة الطوارئ في بداية شهر آذار/ مارس الماضي والخشية كانت ولا تزال قائمة من تقويض حرية التعبير والصحافة، وما حصل من ممارسات أكد الهواجس بل وضاعف منها.
جاد شحرور – صحافي لبناني
الاعتداءات لن تنتهي، وهذا ليس مهماً. المهم أن يبقى الصوت عالياً ضد الاستبداد وضد كل من يريد ترويض هذه المهنة بحجة الاستقرار
“درج”
تعاون “درج” مع “سراج” على إنتاج تحقيقات استقصائية نالت جوائز.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني