انتفاضة لبنان: دورة الأمل… والبكاء

نجحت ثورتنا بكسر جدران الطائفية والمناطقية والزبائنية والطبقية، ولكن الحطام كشف كماً هائلاً من الجدران الإضافية المترابطة مثل متاهة نتسابق للخروج منها من دون أن نعرف مساحتها...

النقاش الذي حصل في الفترة الأخيرة حول حق صحافيين ثوار بالكتابة في موقع الكتروني أطلقه مؤخراً الوزير السابق نهاد المشنوق، والذي وصلت درجة الاتهامات المتبادلة فيه إلى حدود الإهانات الشخصية، وضعني أمام سؤال يحيرني منذ مدة: نحن الذين نجحنا بالوقوف معاً منذ السابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر على رغم خلافاتنا الكبرى، لماذا نشن على بعضنا بعضاً هذه الحروب ضمن دوائرنا الصغيرة؟ 

نعرف جيداً أن بقاءنا معاً في الشارع هو الضمانة الوحيدة ليس لإنجاح الثورة وحسب، ولكن أيضاً لحماية أنفسنا، ونعرف أيضاً أننا إذا تفرقنا، فأبواب السجون أو الطائرات هي الوحيدة التي ستفتح لنا، لماذا إذاً هذا الغضب كله تجاه بعضنا؟ 

لا أتحدث عن خلل في الشارع، فالوعي الذي أظهره جيل الشباب وما نتج عنه من إعادة الروح إلى مؤسسات مثل نقابة المحامين لا غبار عليه، وهو الضمانة بأن الثورة ستنتصر في النهاية لا محالة.  

أتحدث عنا نحن كأفراد. نحن الذين ما إن نترك الشارع نعود إلى وحدة منازلنا ورعب دواخلنا. 

النقاش الأخير لم أشارك فيه، كما لم أشارك بنقاشات سابقة تضمنت الكثير مما يهمني وممن يهمني، ليس جبناً، ولكن تجنباً لانزلاق إلى معارك جانبية لا رغبة لي في خوضها. 

بشخصي لم أتعرض لحملات منظمة ولا لحملات تخوين كما حصل مع الكثير من الرفاق والرفيقات. 

هذا الانكفاء، مكنني أن أجنب نفسي الكثير من الضجة غير الصحية على مستوى المساحة العامة، ولكن ذلك لا يعني أن كل هذا الغضب لم يتسلل إلى داخلي، وإن هذه “الشللية” -كي استخدم التعبير السائد- لم تنل مني. 

في ما يلي، محاولة لتفكيك تجربتي الشخصية، وبشكل أدق لفهم هذه الحاجة إلى البكاء التي تنتابني منذ بداية الثورة…

سفينتي الدوارة

موجة عارمة من المشاعر تجتاحني مرات عدة يومياً من دون سابق إنذار، يطلقها شيء ما، خبر أو رسالة أو صورة أو حديث عابر مع سائق أجرة أو اتصال غير متوقع من صديق قريب بعيد. 

تناقض في المشاعر الجارفة أكثر ما يشبه السفينة الدوارة في مدينة الملاهي… حماسة وندم ورعب وخفقان في القلب وانقطاع في النفس وسعادة وشك وتردد وجموح ورغبة بالتحليق وحاجة للعودة إلى أرض صلبة. 

الكثير من الحماسة، والكثير من الخوف ثم بعض البكاء.   

في داخلي ثورة لا تجد طريقها إلى صوتي. 

أكاد أشعر بآثار كدمات زرقاء على جسمي الذي يكتفي بالحضور ويقاوم أي رغبة بالتقدم إلى الصفوف الأمامية. 

“سأقف معك هنا، وراء من هم أقل إرهاقاً، وأقل خوفاً” يقول لي…

ولكننا لم نسجن، لم نضرب، لم نعذب، لم نعتقل، لم نهجر من بيتنا، لم نفقد قريباً نحبه… هذا الجبن حق لم نكتسبه، وهذا الخوف، ترف لا نستطيع تحمل كلفته، فما الذي حصل؟  

هل هي الأمومة؟ هل هي الخسائر؟ هل هي الصور الآتية من إدلب؟ هذا غير مهم، إنها الثورة الحقيقية التي طالما انتظرناها جاءت لتقتلع الجميع: كلن يعني كلن، تماماً كما يجب! 

ثورة تشيل ما تخلي…

يوماً بعد يوم أباشر بفهم مخاوفي. أجد نفسي في مواجهة نفسي. المرأة في مواجهة النسوية. المسلمة في مواجهة العلمانية. المسالمة في مواجهة الثورية. الصحافية في وجه ابنة ضابط الأمن العكاري، حفيدة اللاجئة الشركسية في وجه الأم المرتبطة بالعائلات الطرابلسية.  مكوناتي هذه لم تكن يوماً متصالحة في ما بينه

أيام تمر وأنا على سفينتي الدوارة، تأخذني من قمة السعادة إلى قعر اليأس خلال ثوان لأعود وأنتقل إلى فضاء أرحب أجد فيه بعض توازن.

ثورتنا الجميلة جاءتنا ذات صباح بعدما فقدنا الأمل أو كدنا نفعل، مثل حالة عشق جارف بعد محاولات حب فاشلة…

ومثل العشاق الهائمين لحقنا بها، غير آبهين بما قد تخلفه من دمار.  

نزلنا إلى شوارع لا نعرف خرائطها لنجد أنفسنا في مواجهة دواخل لا نعرف أعماقها. 

ثورة على أنفسنا، عودة إلى ذواتنا، مراجعة لخياراتنا، مسافة من انحيازاتنا، حزن على خساراتنا، وفرصة لإعادة حساباتنا واسترجاع مستقبلنا…

ثورتنا لا تشبه كل ما سبقها. في أيامها الأولى نجحت بكسر جدران الطائفية والمناطقية والزبائنية والطبقية، ولكن الحطام كشف كماً هائلاً من الجدران الإضافية المترابطة مثل متاهة نتسابق للخروج منها من دون أن نعرف مساحتها… لا نملك أي فكرة عن اقترابنا من بوابة الخروج منها، ندور حول أنفسنا، نكرر الأخطاء ذاتها… في محاولتنا لفهم موقعنا، نحاول الصعود على أكتاف بعضنا بعضاً، لعل رؤية ما وراء الحائط تسعفنا، وكل ما ننجح به هو مزيد من الفشل ومزيد من الوقوع. 

الشوارع التي ملأناها باتت ملاذنا الذي نلجأ إليه لرص صفوفنا والاطمئنان على صحة ثورتنا التي يقودها شبابنا، مصدر طاقتنا وإيماننا. 

في الشارع اتضاح الرؤيا 

لم أنتبه خلال الأسابيع الأولى من الثورة إلى العلاقة المباشرة بين موجة المشاعر العارمة والتظاهرات. مع الوقت باتت المعادلة واضحة: الانكفاء لأي أسباب كفيل بتمكين مشاعر الإحباط التي لا أتغلب عليها إلا بالعودة إلى الشارع. 

ملاقاة الرفاق، تقدم الصبايا ونبض الشباب، الرسوم على الجدران، بائع الذرة في وسط بيروت، إغلاق جسر الرينغ، الهجوم على مصرف لبنان، تطمئنني: الخدر الذي كنا فيه قبل 17 تشرين الأول، لا عودة إليه. 

العلاقة الصحية مع الشارع، توازيها علاقة متوترة وتكاد تكون مريضة مع المحيط من خارج إطار الثورة. 

حساسية مفرطة تجاه كل شيء تتملك مني وأجدني بحاجة ملحة لأن أكون جزءاً من شيء ما، أنا التي طالما قاومت الانتماء إلى حزب أو عقيدة أو حتى قضية خوفاً على حريتي… أكاد لا أعرف نفسي.  

في البداية اعتقدت أنني وحدي التي تعاني من هذا الفصام ليتضح لي يوماً بعد يوم أن ما يحصل حالة عامة. 

سفينتي الدوارة وما تحمله من مشاعر متضاربة حالة عامة. 

الاعتراف

يوماً بعد يوم أباشر بفهم مخاوفي. أجد نفسي في مواجهة نفسي. 

المرأة في مواجهة النسوية. المسلمة في مواجهة العلمانية. المسالمة في مواجهة الثورية. الصحافية في وجه ابنة ضابط الأمن العكاري، حفيدة اللاجئة الشركسية في وجه الأم المرتبطة بالعائلات الطرابلسية. 

مكوناتي هذه لم تكن يوماً متصالحة في ما بينها، إذ لا توجد جزئية منها لم أتمرد عليها في وقت من الأوقات ولكنني لم أسعَ يوماً إلى تدمير أي منها دماراً كاملاً فالأمور كانت أكثر تعقيداً وانا للأمانة وجدت في تناقضاتها مساحة للتحرك بحرية! 

حريتي هذه هي التي بت أخاف عليها. 

لا داعي لأن يكون هناك هجوم شخصي، يكفي أن يكون الهجوم على أي من الفئات التي أنتمى إليها لأشعر بأنني معنية! اختلاط هائل بالمشاعر يضعني على مسافة واحدة من مجموعات الضغط كلها، بما فيها تلك التي لطالما اعتقدت أنني أنتمى إليها! أعرف جيداً أنني أنا التي أضع نفسي في موقع الدفاع عن النفس ولكنني في الوقت نفسه أعرف أن في الحياد قبول، وأمام هذا الغضب كله، أنا لا أريد أن أقبل ولا أريد أن أسكت. 

أجدني أتصارع مع نفسي في نقاشات وهمية مع خصوم مفترضين هم أكثر من أخاف وأكثر من أحب.   

عزيزي/تي الممانع/ة، أنا ابنة بيت كانت العروبة عقيدته وفلسطين قضيته. كفرت بالعروبة وبقيت مع القضية الفلسطينية لأنها قضية محقة، ومن المنطلق ذاته دعمت قضية الشعب السوري ضد نظام بشار الأسد. خيارتي كلها كانت خاسرة ولكنها صادقة ومتصالحة مع نفسها ولن أسمح لك بتخويني لمجرد أنني معارضة لحزبك.  

عزيزي/تي النسوي/ة، بلغت من العمر 45 سنة، علمتني أن في الهدوء قوة. لا تملكين أنت ولا غيرك تصنيف البشر بين مناصرين لحقوق المرأة ومتخاذلين عنها وفقاً لمعاييرك أنت. لا تملكين أن تختصري تاريخ من قاتلن ودفعن أثماناً لتتمكني أنت من أن تشعري بذاتك. 

عزيزي/تي اليساري/ة لا تملك أنت ولا غيرك ان تضعني في أي خانة. لا يهمني إلى أي حد قد حفظت ماركس أو كم من الوقت أمضيت وأنت تحلل كتابات نيتشه، سألبس ما ريد، و سوف أذهب إلى حيث اشاء ولن يكون بإمكانك اختصاري، لأن في ذلك جهلاً ورجعية وأنا أعرف أنك تعرف ذلك. 

عزيزي/تي البورجوازي/ة الصغير/ة الخائف/ة من الثورة، المسؤول عن همومك المستجدة هي طبقة المجرمين، الفاسدين الجشعين الذين تعتقد أنك في دفاعك عنهم تحمي استقراراً وهمياً وآنياً، حقك ألا تشاركني إيماني ولكنك لن تخيفني، فأنا اخترت مكاني ولك أن تبقى في قصور خيالك. 

عزيزي/تي المؤمن/ة، إيماني أو عدمه شأن خاص لا علاقة لك به. التكفير وهدر الدم في بلاد العالم المحترمة جريمة يعاقب عليها القانون، أن أكون علمانية وأطالب بدولة مدنية لا يعطيني أي سلاح ضدك، يجعلنا فقط متساويين. الأمر صعب لكن عليك التقبل.  

عزيزي/تي المحافظ/ة، لك الحق بمراعاة التقاليد والقيم التي تجد فيها توازنك، وبإمكانك الدفاع عنها، لكنك لا تمتلك الصواب، لك أن تناقشني وتحاول أن تقنعني بأسباب تمسكك بالهوموفوبيا والبيدوفيليا ولكنك لا تملك أن تقول لي إن في مساندتي حقوق المثليين ورفضي زواج القاصرات تهديداً للقيم المجتمعية. 

عزيزي/تي السلمي/ة من نقف في وجههم قتلة ومجرمون وفي ثورتنا نهايتهم وهم لن يستسلموا بسهولة، المعركة طويلة ومؤلمة. بالنسبة إلي، أنا مقتنعة بأن في السلمية ضمانة النجاح ولكنني لن أسمح لنفسي ولا لك بأن تقيض حركة الثوار في الشارع. غضب هؤلاء الشباب والشابات غضبنا جميعاً، هم الذين يفقدون عيونهم وهن اللواتي يكسرن الأسلاك الشائكة بأيديهن وكل المطلوب منا دعمهم. 

عزيزي/تي الثائر/ة هناك الكثير لا أعرفه ولكنني أعرف أنني لن أقبل أن ترفع صوتك أو إصبعك في وجهي! 

اخفض صوتك، انظر في عيني وناقشني، وإلا فهي ثورة عليك أنت أيضاً.  

يا إلهي هذا الغضب كله، هذا الخوف كله من نفسي على نفسي! 

أعرف ان الثورة ستنتصر ولكنني لا أعرف أي امرأة سأكون عند انتهائها وفي ذلك ما يرعبني. 

ربما هذه أيضاً حالة عامة.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
سمير سكيني – كاتب لبناني
في هذه الظروف، يعيد السكّان اكتشاف منازلهم، مجرين عليها التعديلات المناسبة. أما الظاهرة الأهم هنا، فهي “إعادة إنتاج البلكون”، أو الشرفة.
رامي الأمين – صحافي لبناني
معظم من هاجم خريش ركن إلى غوغل للبحث عن هالا وردي فظهرت النتائج التي تجلد الكاتبة على تجرؤها على الخوض في مسألة حساسة، وأخبار من هنا وهناك عن منع كتابها في بعض الدول الإسلامية بسبب اعتباره مسيئاً للسيرة النبوية.
إيلي عبدو – صحافي سوري
سيخلق “كورونا” نظاماً عالمياً جديداً، ويعيد صياغة العلاقات بين الدول ويزلزل فكرة العولمة ويبدل طبيعة العلاقات بين البشر، فـ”العالم بعد ظاهرة الوباء هو عالم آخر غير الذي سبقه.
ربيع فخري – باحث في علم الاجتماع
لا ترتقي ارتكابات الفاخوري للهولوكوست ولكنه يتساوى مع إيخمان بكونه هرب من ضحاياه وتنكّر لأفعاله متذرعاً بكونه عبد مأمور، ويتمايز بأنه حصل على فرصة قتل ضحاياه وتعذيبهم مرة في المعتقل ومرة في الهروب ومرة في العودة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني