عن “المكابرة الأخيرة”: هل نخاف من “الكورونا” أكثر من الموت؟! 

الأخطر في أمراض اليوم أننا نخفيها، ننكرها، فالمكابرة مدفوعة بخوفنا من أن نعرف أكثر عن المرض وأن نعترف به. ومع الوقت تحوّل المرض المؤلم المخيف إلى المرض غير المرئي.
حالة هلع عامة في لبنان بعد الاعلان عن مصابة بالكورونا

قبل اختراع المرآة في القرن الثامن عشر، وقبل أن تتأمّن رؤية واضحة للانعكاس فيها، لم يكن ممكناً لأحد أن يتعرّف إلى وجهه. أما الجسد كاملاً، فكان على الإنسان ان ينتظر إلى القرن التاسع عشر من أجل رؤية كاملة للجسد، تشمل القدمين، في المرآة. ومن دون المرايا، لم يكن الإنسان قادراً على ملاحظة التغييرات في حالته، لم يكن قادراً أن يرى البهوت في لون البشرة، أو تغير لون العينين، أو أي علامات أو عوارض أخرى قد تدلّ إلى مرض ما، خفيّ. كان المرض يعيش دائماً في الظلّ، ولا يظهر إلا مع الألم والمعاناة. فالمرض هو “لحظة اكتشاف الجسد”. هذه المقاربة يبدأ منها فيليب اباستادو كتابه “المكابرة الأخيرة” والمستتبع بسؤال جوهري: “هل نخاف من المرض أكثر من الموت؟”. 

الكتاب صدر في باريس عن دار “آلبان ميشال” في العام 2018، والحديث عن انتشار مرض الكورونا واكتشاف حالات في لبنان مناسبة لاستعادته، خصوصاً مع موجة الخوف والهلع التي بدأت تنتشر بين اللبنانيين. 

سيبقى سؤال أباستادو معلّقاً: هل ترانا نخاف من المرض أكثر من الموت؟


يتناول طبيب القلب الفرنسي الأمراض استناداً إلى الابستمولوجيا (نظرية المعرفة) عملية نسيان الألم والمعاناة البشرية السابقة مع الأمراض. المرض منسي، ولم يعد المريض المحجور عليه في المشافي لأوقات طويلة موجوداً. اختفت حالات موت الأطفال بالخناق(البرونشيت) أمام أهلهم من دون أن يستطيعوا فعل شيء لإنقاذهم. اختفت حالات الموت بالجدري والطاعون والحصبة وسواها من الأمراض الفيروسية التي انتهت بمجرد اختراع اللقاحات التي غيرت علاقة العالم بالمرض. وأصبح المرض معها “نادراً” بحسب اباستادو، وإن ظهر فهو قصير الأجل. ندخل إلى المستشفى في الصباح ونخرج في المساء. والأخطر في أمراض اليوم أننا نخفيها، ننكرها، فكم من مرة نتأخر في طلب المشورة الطبية رغم الأوجاع والأعراض؟ يجيب أباستادو بأن المكابرة في هذه الحالة طوعية ومدفوعة من الخوف، خوفنا من أن نعرف أكثر عن المرض وأن نعترف به. 

يلتقطون سيلفي مقابل الجناح الذي ترقد فيه مصابة بالكورونا في مستشفى بيروت الحكومي

كان المرض ظاهراً. لا يمكن تشخيصه إلا من خلال أعراض ظاهرة، ومع الوقت تحوّل المرض المؤلم المخيف إلى المرض غير المرئي، والمرض الصامت النائم. المرض يكمن ولا يظهر إلا بالفحوصات المخبرية التفصيلية والصور الشعاعية الدقيقة.

يقول اباستادو في مقابلة إذاعية إن المرض أحياناً يظهر ونحن في كامل صحتنا. يعطي مثلاً: سيدة تريد الذهاب في إجازة، تقول لنفسها لماذا لا أجري الصورة الشعاعية للتأكد من سرطان الثدي بما أن وقتي سانح. تذهب وتجري الصورة، فيظهر السرطان. صحتها ممتازة، لكنها مصابة بالسرطان. بهذه البساطة يتحول المرض إلى شأن فردي. ويصبح الألم الناتج عنه خاصاً “لا يمكن مشاركته” بحسب اباستادو، “اذ يمكن تبادل كل شيء بين البشر، باستثناء تجربة العيش”. 

دعونا ننسج مقارنة ها هنا. مقارنة واقعية جداً: سيدة اليوم، قبل أن تذهب في إجازة، كانت في رحلة عمل في بلد سجلت فيه إصابات بالكورونا. تذهب إلى المستشفى، تجري فحصاً، فيتبين أنها مريضة. ماذا يحدث؟ هل تصبح معاناتها فردية؟ هل يمكنها بكل بساطة الذهاب إلى المنزل، أو إلى الإجازة، والتفكير بهدوء بمرضها وخياراتها؟ لا يمكن مشاركة الألم ها هنا، لكن المعاناة ستكون عامة بسبب الخطر الذي يشكله المرض في حال انتشاره. 

ولذلك يلخص اباستادو المرض بأنه “عدم الإنتظام بين الإنسان ومحيطه الداخلي والخارجي”، وهو بهذا المعنى يقول إن المرض التقليدي -الذي يعود اليوم في حالة فيروس كورونا- لا ينفصل عن المحيط الخارجي للإنسان، وبالتالي المجتمع المحيط به. أو بترجمة تبسيطية، يصنف اباستادو المرض إلى ثلاثة أصناف: الأول هو الذي تشمل معاناته المريض ومحيطه على حدّ سواء، الثاني هو الذي تقتصر معاناته على المريض، والثالث هو المرض الذي ينكره المريض ولا تقع معاناته إلا على المحيطين به. وفي الحالة الثالثة يعطي اباستادو مثال المدمن على الكحول، الذي لا يعترف ابداً بأنه مريض، والمعاناة تقع كلها على محيطه. 

عودة الكورونا هي عودة للأمراض التقليدية القديمة التي سبقت اختراع اللقاحات. سيُنسى هذا المرض وألمه والمعاناة التي رافقته فور إيجاد لقاح له يحوله إلى مجرد انفلونزا موسمية. لكن سيبقى سؤال أباستادو معلّقاً: هل ترانا نخاف من المرض أكثر من الموت؟

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
سمير سكيني – كاتب لبناني
في هذه الظروف، يعيد السكّان اكتشاف منازلهم، مجرين عليها التعديلات المناسبة. أما الظاهرة الأهم هنا، فهي “إعادة إنتاج البلكون”، أو الشرفة.
رامي الأمين – صحافي لبناني
معظم من هاجم خريش ركن إلى غوغل للبحث عن هالا وردي فظهرت النتائج التي تجلد الكاتبة على تجرؤها على الخوض في مسألة حساسة، وأخبار من هنا وهناك عن منع كتابها في بعض الدول الإسلامية بسبب اعتباره مسيئاً للسيرة النبوية.
إيلي عبدو – صحافي سوري
سيخلق “كورونا” نظاماً عالمياً جديداً، ويعيد صياغة العلاقات بين الدول ويزلزل فكرة العولمة ويبدل طبيعة العلاقات بين البشر، فـ”العالم بعد ظاهرة الوباء هو عالم آخر غير الذي سبقه.
ربيع فخري – باحث في علم الاجتماع
لا ترتقي ارتكابات الفاخوري للهولوكوست ولكنه يتساوى مع إيخمان بكونه هرب من ضحاياه وتنكّر لأفعاله متذرعاً بكونه عبد مأمور، ويتمايز بأنه حصل على فرصة قتل ضحاياه وتعذيبهم مرة في المعتقل ومرة في الهروب ومرة في العودة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني