ربما كانا حبيبين!

كانا رفيقين، لم يعودا كذلك، ما بقي من العمر لم يعد كافياً للمزيد من التفاعلات، الوقت استهلك استجاباتهما وحبسهما... هو على أطلاله، لا يدري أيبكي أم يضحك، وهي في حرائقها، تذوب ثم تعود.

كانا حبيبين، ربما كانا حبيبين! لا تملك إجابة حاسمة عمّا دار بينهما، أو ما زال دائراً بينهما، لكنها باتت مقتنعة، حين تُراجع وقائع لقاءاتهما المبعثرة على مدى سنوات طويلة ماضية، والقليلة المتفرّقة الآن، بأن نوعاً من الكيمياء يسري بينهما.

علاماتهما في الكيمياء عالية جداً، لكن يبدو أنهما سقطا في الحساب، حساب العمر، ظنّا أنهما سيمكثان طويلاً في العشرينات، فلم يستعجلا التصارح بالحب ولا بالقرب، فلا تحابّا ولا تكارها، ولا تآلفا ولا تنافرا، ثم أغرتهما الثلاثينات بتثاقل خطوها، فسارا في اتجاهين مختلفين، لم يتودّعا ولم يتواعدا. وحين التقيا مصادفة، حاول أن يواري خيبته، وحاولت هي، أن تغطي الركام الذي على كتفيها، تبادلا نظرات خجولة وقبلاً، ضحكاً كثيراً، ثم افترقا. وفي أوائل الأربعينات، ظفرا بلقاء عابر، ذات صيف عابر، تبادلا خلاله، أطراف حديث بلا رحمة، أخبرها عن نساء كثيرات يحمن حوله مثل الفراشات، فضحكت، وأخبرته أنها زرعت في سكنها الجديد وردة على اسمه، فبكى.

وها هو العمر يسحبهما نحو هاوية الخمسين، الآن، كلاهما يتأرجح على حافتها وحيداً، خائرا، تودّ لو يمدّ يده ليُنقذها، لكنها لا تبوح برغبتها، يرغب لو أنها تمنحه نظرة قبل أن تبتلعه ظلمة النصف الآخر من العمر، لكنه لا يتودّد.

منذ أيام، التقيا مصادفة، أمام مدخل المستشفى، هو في طريقه لزيارة طبيب القلب، وهي خارجة من عيادة طبّ العظام، ابتسمت حين رأته، وابتسم وهو يُخفي وصفة الدواء في جيب قميصه، وقال لها: “العواطف تشيخ أيضاً، كما الأجساد، تنكمش مع توالي السنين، تتجعّد، تترهّل، وتُصاب بأمراض التكلّس والجفاف والتصلّب والتخثّر والانسداد”. ضحكت بصوت عالٍ، فقال لها “كم أحبّ سماع هذا الجرس”، فقالت له: “كلّمني حين تستطيع”. لم يكلّمها، لم تكلّمه، ضاع صوت الجرس، انقطعت المصادفات، على رغم أنهما لم ينقطعا عن زيارة طبيبيهما.

كانا رفيقين، لم يعودا كذلك، ما بقي من العمر لم يعد كافياً للمزيد من التفاعلات، الوقت استهلك استجاباتهما وحبسهما… هو على أطلاله، لا يدري أيبكي أم يضحك، وهي في حرائقها، تذوب ثم تعود. 

أكانا عاشقين؟ اعتادت أن تكتب له، لكنها لم تكتب إليه مرة، كما يفعل العشاق، تعرف أنه يقرأ ما تكتبه، وتعرف أكثر، أنه يكتب لها، ولا يُريها ما يكتبه، ولا يُرسله إليها، كما يفعل العشاق، هل هما حقاً عاشقان؟ أو كانا مرة عاشقين؟ نعم، تهمس لها روحها… ولم يقتربا أكثر، لئلا ينطفئا…

أكانا عاشقين؟ اعتادت أن تكتب له، لكنها لم تكتب إليه مرة، كما يفعل العشاق، تعرف أنه يقرأ ما تكتبه، وتعرف أكثر، أنه يكتب لها.

تعرف أن شوقه إليها لا يسكن، كما لو أنه وجع مزمن، حتى إذا التقيا مرة، يتألمان بدل أن يتعانقا، ويتحدثان عن كلّ ما لا يعنيهما، كي لا يبكيا.

هو يحبّها، لم يعترف يوماً بحبّه لها، لكن أنفاسه، حركات يديه، أصابعه التي تودّ لو تضع على كل طرف منها قبلة، عيناه اللتان تخفقان، حين يراها، مثل قلبين أحمرين مطبوعين على رسائل العشاق، وشتا به.

هي تحبّه، أحبّته مذ هربت منه، فوجدت أنها قد رجعت إليه، هي تهرب منه دائماً، تتحاشى لقاءه، تخاف أن تتداعى حصونها، أمام نظرة تباغتها منه.

كانا جارين، جارين بعيدين، قال لها مرة إنها تسكن في قلبه، وقلبها ما زال يُعيدها، وقالت له إنها لا تسكن إلا إليه، يسكنان في منزلين بعيدين، لكن قلبيهما قريبان. قلباهما قريبان، لكن جسديهما بعيدان، بعيدان كما لو أنهما شجرتان معمرتان على طرفين متقابلين من الغابة، ووحيدان، باردان، جامدان كعمودي إنارة في حديقة عامة.

هما كاذبان، هو ينتظرها، ولا يعترف، عاش ينتظرها، وسوف يعيش بعد، كي يظل ينتظرها، وهي تُخفي ألم انتظاره، تعيش لتشهد اليوم الذي سيملّ فيه من الانتظار، أو يملّ الانتظار منه، ليأتي إليها مصادفة، أو عمداً، وللمرة الأخيرة، أو الأولى، قبل أن ينفد الوقت، قبل أن ينفد العمر. 

تعرف أن شوقه إليها لا يسكن، كما لو أنه وجع مزمن، حتى إذا التقيا مرة، يتألمان بدل أن يتعانقا.

هما روحان معذبان، حلّا في جسدين منذورين لتجربة حبّ غريبة، هبطا ذات ليلة مقمرة معاً، وسيرتقيان حين تكتمل دائرة القمر، دائرة القلب، ذات ليلة معاً.

الليلة، ذكرى حلولهما، ستقطف اثنتين من الورود الحمر، التي زرعتها على اسمه، ستهدي نفسها إحداهما، لأنها ولدت من أجله، وستؤجل إهداءه الأخرى، إلى حين سيأتي في الدقيقة التالية، في الساعة التالية، في اليوم التالي، في السنة التالية، في العمر التالي، في الحياة التالية. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

باسكال صوما – صحافية لبنانية
أفكّر أحياناً في أنني وحدي على سطح الأرض وقد اختفى الجميع تماماً.
فهد جمال الدين – باحث وتربوي لبناني
أعاد كورونا تعريف دور الطلاب واستقلاليتهم وإدارتهم لأنفسهم والروتين اليومي للمعلمين وأدوار المشرفين. والآن، ألا يجب علينا أن نفكر في كيفية تقديم مبادرة إصلاح أكثر كفاءة وديمومة؟
فرح شقير – مدونة لبنانية متخصصة في الاقتصاد
تستقبلني ابنتي على الباب عند عودتي ، ألوّح لها وأطلب منها أن تبتعد. هي تريد تقبيلي وأنا لا أريد منها الا أن تبتعد. أهرع إلى الحمام وابدأ بعملية الاغتسال. ولا أعود أعرف ما اذا كنت أقوم بعملية غسل للفيروس أو أغسل عني ذنوبي…
باتريك رزق الله – تربوي وصحافي
لقد حمل إلينا “كورونا” الرسالة. لكنّنا لم نفهمها. أن نعود إلى هدوئنا. أن ندرك ماهيّته ورسالته قبل أن نهمّ بأداء رسالتنا التّعليميّة. لكن للأسف، نحن المعلّمين، في كثير من الأحيان، لا نفهم الدّرس.
“درج”
إليكم لائحة بالأمور المجانية، التي يمكنكم فعلها للاستفادة بوقتكم والاستمتاع أثناء فترة الحجر المنزلي…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني