fbpx

نقاش “أخلاقي” مع هاني شاكر: “إشمعنى يا نخّ”؟!

أثارت أغنية "بنت الجيران" نقاشات اجتماعية دفعت بهاني شاكر، بصفته وصيّاً على أخلاق الفن، إلى منعها... ولكن ماذا عن الأغاني التي تمسّ "تابوات" دينية؟

بسبب عبارة “واشرب خمور وحشيش” قامت قيامة نقيب الموسيقيين المصريين هاني شاكر على “فناني المهرجانات”، وأصدر قراراً بمنعهما من الغناء. هذه العبارة ترد في أغنية “بنت الجيران” لحسن شاكوش وعمر كمال، والتي تحولت إلى “ترند”، وحصدت منذ شهر كانون الأول/ ديسمبر 2019  ما يزيد على 107 ملايين مشاهدة. أمام هذه الحالة، لا يعود مهمّاً التقييم الفني للأغنية، وهي بالمناسبة تحضّ المستمع إليها على الفرح والرقص، إذ يصبح الأهمّ هو النقاش حول مضمونها، وما أثارته من نقاشات “اجتماعية” دفعت بهاني شاكر، بصفته وصيّاً على أخلاق الفن، إلى منعها وإصدار بيان يدعو فيه الفنانين إلى “الالتزام بالقيم العليا للمجتمع والعرف الأخلاقي واختيار الكلمات التي لا تحض على رذيلة أو عادات سيئة”. 

هذا بيان صادر في مصر عام 2020. وهو بيان، يذهب بعيداً في إهانة تاريخ طويل من الفن المصري يمتد إلى ما يزيد على قرن من الزمن. وإذا عدنا أكثر من مئة عام إلى الوراء، وتمعّنا جيداً في كلمات أغاني الشيخ سيد درويش، لوجدنا أن الموضوعات، واختيار الكلمات كلها لا تلتزم بما يسميه شاكر “العرف الأخلاقي والقيم العليا للمجتمع”، مذ ألّف درويش أغانيه ولحّنها وحتى اليوم أي بعد مئة عام. فالرجل الذي أصبح رمزاً للإبداع الموسيقي المصري، واعتُمد نشيده “بلادي بلادي” نشيداً وطنياً للبلاد، كان أكثر جرأة، مع صديقه الشاعر بديع خيري، في مقاربة الموضوعات الاجتماعية التي تقع ضمن خانة “التابو” الديني أو الأخلاقي، وتحويلها إلى مادة غنائية. 

وقبل الدخول في مسألة الخمور والحشيش، التي أثارت حفيظة هاني شاكر، لا بدّ من التوقف عند النقد الديني واقتراب سيد درويش في كلام الأغاني من تفكيك تابوات دينية لا تزال إلى يومنا هذا عصية على المسّ بها. فالثنائي خيري- درويش قارب موضوع الموت وعذاب القبور الحساس والمرعب في الثقافة الشعبية المصرية وحوّله إلى أغنية غرامية طريفة، تقوم على حوارية بين رجل مات في حبّه وملائكة الموت الذين جاءوا إلى قبره ليحاسبوه: “يا ناس أنا متّ في حبي/ وجوم ملايكة يحاسبوني/ حدش كده قال”. ويبدأ الملائكة التحقيق معه: “أول سؤال سألوني عليه/ عن السبب في لوم العزال”. هكذا تستمر الأغنية بين سؤال وجواب في حوار جريء بين ملائكة الموت ورجل قتله حبه. 

هذا بيان صادر في مصر عام 2020. وهو بيان، يذهب بعيداً في إهانة تاريخ طويل من الفن المصري يمتد إلى ما يزيد على قرن من الزمن.

أبعد من ذلك، يسخر سيد درويش (أيضاً من كلمات بديع خيري) من رجال الدين في أغنية “إقرأ يا شيخ قفّاعة”، والتي يصوّب فيها على السباق بين العصر وتطوره وتمسك رجال الدين بالتقاليد، فيقول للشيخ “سيبك من الفقهنة خالص/ من بكرا حتبقى لابس/ بدل العمّة كاسكيت”. هل هناك جرأة تطاول رجال الدين في أغنية أكثر من هذه؟ وفي أغنية من بدايات القرن الماضي؟ (توفي سيد درويش عام 1923). والأغنية أصلاً تبدأ بتحدٍ بين المغني والشيخ: “اقرأ يا شيخ قفاعة تلغراف آخر ساعة اللي في غورنال البرص/ وأنا ابقى أحلق ذقني إن ما كنتش ترقص”! 

هذا على صعيد الدين، لكن درويش وخيري ذهبا أبعد في التصويب على جميع أنواع التابوات، من السياسة إلى العلاقات الغرامية، إلى الدين والمخدرات وسواها. فها هما في بدايات القرن الماضي يصدران أغنية عن السينما وأهميتها كمتنفّس ومكان للتواصل بين العشاق: “حرّج عليا بابا ما رحش السينما وأقابلك فين؟”. وفي تفكيك هذه الأغنية نعثر على مصر القرن العشرين التي تصدرت لعقود الإنتاج السينمائي والفني وعكست عبر السينما والمسرح والغناء ارتقاء المجتمع وتحرره من القيود الاجتماعية والدينية. 

بالعودة إلى التحسس من عبارة “واشرب خمور وحشيش” في أغنية صادرة عام 2019، يشعر واحدنا بالحرج من التذكير بأن سيد درويش غنى عام 1919 أي قبل مئة سنة، أغنيته الشهيرة “الحشاشين” والتي يمجّد فيها جلسات الحشيش والكحول: “دا الكيف مزاجه إذا تسلطن/ أخوك ساعتها يحن شو شو شوقاً/ إلى حشيش بيتي نيتي نيشي/ اسأل مجرب زي حالاتي”. ولو أن الأغنية لا تخلو في ختامها من وعي سياسي واجتماعي عالٍ، يرتّب الأولويات: “واقولك الحق يوم ما نلقى بلادنا طبت في أي زنقة/ يحرم علينا شربك يا جوزة روحي وانتي طالقة/ دي مصر عايزة جماعة فايقين يا مرحب”. وأبعد من الحشيش والكحول، غنى سيد درويش أيضاً من كلمات بديع خيري للكوكايين: “اشمعنى يا نخّ؟ الكوكايين كخّ ده أكل المخّ هلكنا اعمله على غيرنا/ رايحلي تطخ وجاي تبخّ شطب/ هو إنت شريكنا حتى في مناخيرنا؟”. 

الكوكايين يا هاني شاكر. أيضاً قبل ما يزيد على مئة عام. كوكايين وحشيش وكحول وعلاقات غرامية في السينما وتجرؤ على رجال الدين ونبش لقبور المحرمات. وأنت اليوم، في عام 2020، تصدر بياناً تصف فيه نوعاً فنياً شعبياً ضارباً بأنه “يرسخ لعادات وإيحاءات غير أخلاقية”، فقط لأن المغني يقول لحبيبته “تسيبيني/ أكره حياتي وسنيني/ أتوه ومش حلاقيني/ وأشرب خمور وحشيش”. 

إشمعنى يا هاني يا شاكر؟ إشمعنى يا نخّ؟!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني