مصر: فنّ على هوى الرئيس…

بدأت الدولة توجه الإنتاج وفقاً لإرادة السيسي، فقد أنتجت في سنوات لاحقة عدداً من الأعمال التي تطهر صورة رجال الشرطة، والجيش أيضاً، التي لوثتها الأعمال الفنية خلال السنوات الأخيرة.

“والله لتتحاسبوا، أيوة هتتحاسبوا” قالها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للفنان أحمد السقا والفنانة يسرا، قبل 5 سنوات، أثناء احتفالات عيد الشرطة يناير – كانون الأول 2015، منتقداً بشدة الرسائل السلبية المتواجدة في أعمالهما الفنية، وأردف السيسي: “مين هيعمل الوعي، محتاجين ندي للناس الأمل، أدوا الناس أمل في بكرة، ونحسن في قيمنا وأخلاقنا، بقول تاني لينا كلنا حتى للإعلام والتلفزيون والأفلام والمسلسلات مين هيتصدى لده، كل قطاع من قطاعات الدولة له دور، وهنشوف في رمضان الجاي”، بتلك الجملة لام السيسي جميع أجهزة الدولة والإعلام والفنانين، وخصّ السقا ويسرا فيما يتعلق بالفئة الأخيرة، وأشار إلى تغير ملموس سيحدث في رمضان 2015، وهو ما حدث بالفعل.

يشير المشهد السابق لمحطة فاصلة في تشريع التدخل الكبير الذي تمارسه مؤسسات الدولة في مجالات الفن والتعبير، ويرصد مسارات توجيهه من قبلها، وبات الأمر منذ تلك اللحظة معلناً ولا يخفى على متابع، وهو مستمر حتى لحظات كتابة تلك السطور، ولا شك أنه سيستمر مستقبلاً، إذ أثار كثير من المصريين قضية التدخل الصارخ في الساحة الفنية من قبل الأمن وأجهزة الدولة، خاصة بعد قرار نقابة الموسيقيين منع أغاني المهرجانات في مصر.

أزمة أغاني المهرجانات 

“تسيبيني أكره حياتي وسنيني أتوه ومش هلاقيني، وأشرب خمور وحشيش”، بتلك الكلمات صدح حسن شاكوش وعمر كمال، خلال حفل عيد الحب في استاد القاهرة، الجمعة الماضية، أمام 30 ألف شخص، وملايين المشاهدين المصريين والعرب عبر فضائية “دي إم سي”، وهو ما  أثار موجة كبيرة من الانتقادات مؤخراً دفعت كثير من المصريين والمثقفين لانتقاد هذا اللون الغنائي، فكيف تقال هذه الكلمات عبر الفضائيات وتدخل المنازل والبيوت، خاصة أنها نقلت من قبل فضائية مملوكة لأسمى جهاز في الدولة وتقدم نفسها باعتبارها “شاشة لكل العائلة”، وهو ما جعل نقابة الموسيقيين تمنع أغاني المهرجانات في مصر.

من هو شاكوش

شاكوش يمكن تعريفه بأنه أنجح لاعب كرة قدم فاشل في مصر، إن لم يكن في التاريخ، إذ اتجه إلى مجال الفن بتأدية أغاني المهرجانات بعدما فشل في لعب كرة القدم، والتحق بعدد كبير من الأندية المحلية في مصر، قبل أن يتجه للغناء خلال السنوات الماضية، وبدأ في جني الأرباح مؤخرا فافتتح “صالون حلاقة – كوافير رجالي”، وشكلت أغنية “بنت الجيران” التي طرحها شاكوش، في كانون الأول/ ديسمبر 2019، نقلة نوعية في مشواره وجعلت اسمه يتصدر محركات البحث ومواقع التواصل الإعلامي، فقد تجاوزت مشاهدات الأغنية 100 مليون مشاهدة بموقع “يوتيوب”، وتصدرت موقع “ساوند كلاود” كأكثر الأغاني مشاهدة، الأسبوع الماضي. 

حفل عيد الحب الذي أقيم في استاد القاهرة، نظمته شركة “إم بي إم” و”تذكرتي”، والأولى مستحدثة وغير واضح لمن تؤول ملكيتها، لكن الثانية هي إحدى شركات المتحدة للخدمات الإعلامية، وبث الحفل للجمهور فضائية “دي إم سي”، وهي مملوكة لنفس الشركة، التي تؤول ملكيتها إلى جهاز المخابرات المصري، ما يشير إلى الجهة المسؤولة بشكل مباشر عن الأمر، وهو ما أكده الفنان مصطفى كامل، الذي تساءل خلال مداخلة هاتفية مع فضائية “صدى البلد”، عن الجهة المسؤولة عن دعوة شاكوش إلى حفل استاد القاهرة، قائلا إنهم كانوا في حفل معه في الإسماعيلية، وغنوا أغنيتين فقط، وقالوا: “في جهة طالبانا نغني في استاد القاهرة ومشيوا، في النهاية من اللي سمحلهم يدخلوا الاستاد يغنوا قدام ملايين الناس!”. 

ًلماذا انتقد السيسي يسرا والسقا تحديدا!

كيف يمكن أن تساعد الدولة في انتشار مثل هذا اللون الغنائي، في الوقت الذي تحاول فيه ممارسة دور الرقيب على الفن بشتى صنوفه، أم أنها تعتمد منهجية “ما دام بعيد عن الجيش والشرطة، مفيش مشكلة”؟ الجدلية السابقة تطرح تساؤلات حول لماذا انتقد السيسي يسرا والفنان أحمد السقا تحديداً قبل 5 سنوات.

أحمد السقا في مشهد مكن فيلم “الجزيرة”

قدم السقا عدداً من الأعمال الدرامية والسينمائية التي ألقت الضوء على فساد ضباط الشرطة في مصر، بينها فيلمي الجزيرة بجزأيه الأول والثاني، وظهر فيهما بعض رجال الشرطة مرتشين وفاسدين ويتعاونون مع المجرمين في أعمال غير مشروعة، وقدم في 2012 مسلسل “خطوط حمراء” والتي تحكي قصة ضابط شرطة متمسك بالحق ويحارب من أجله حتى يقوم أحد أعدائه بالانتقام منه ويذبح زوجته، ويلفق له قضية رشوة حتى يسجن ظلماً، ويتحول أسلوب حياته رأسا على عقب خروجه من السجن، ويضطر للعمل مع أعدائه، ويستغل علاقاته الشرطية القديمة في تهريب المخدرات القادمة من الخارج إلى داخل مصر. أما الفنانة يسرا فقد قدمت عملاً سينمائيا وحيداً انتقدت خلاله الجيش وقرار المشاركة في حرب تحرير الكويت عام 1991، وهو “العاصفة”، وهو الفيلم الذي أخرجه خالد يوسف قبل 20 عاماً تقريباً، غير أنها قدمت مسلسلاً تلفزيونياً خلال دراما رمضان 2014 عنوانه “قضية رأي العام” ناقشت فيه قضايا نسوية مثل تأثير المحسوبيات على مسار التقاضي في مصر، وفساد بعض رجاله، علاوة على تسليط الضوء على مشاكل المخدرات والاغتصاب والقضايا الأخلاقية والنظرة الدونية للسيدات ضحايا جرائم الاغتصاب، وكأنهن الجانيات وليس المجني عليهن.

ضوء أخضر

انتقاد السيسي لما يقدم عبر الفضائيات، قبل سنوات، كان الضوء الأخضر للرقابة بشكل كامل وحتمي على جميع الأعمال الفنية ومحتواها، وإعادة توجيه المحتوى بما يصب إيجابياً في صالح الحكومة وأجهزة الدولة، خاصة الأجهزة الأمنية والسيادية والقوات المسلحة، فقد قدم السقا بعد شهور من انتقاد السيسي مسلسل “ذهاب وعودة” وهو من أرشيف جهاز المخابرات المصري، حيث قام بعض المتعاونين مع اسرائيل باختطاف طفل مصري، وقام ثلاثة من رجال المخابرات المصرية بتخليصه من أيديهم واستعادته إلى أرض الوطن. وقدم السقا خلال العمل دور والد الطفل المصري المختطف، وينجح في النهاية في استعادة نجله وعودته سالما إلى أرض الوطن…

انتقاد السيسي لما يقدم عبر الفضائيات، قبل سنوات، كان الضوء الأخضر للرقابة بشكل كامل وحتمي على جميع الأعمال الفنية ومحتواها.

أما يسرا فقد قدمت مسلسل “بالشمع الأحمر” وقدمت فيه دور طبيبة شرعية تساعد أجهزة الأمن في كشف القضايا وتقديم الجناة للعدالة، في إطار تشويقي، ومنذ ذلك الحين عادت وتصدرت الأعمال التي تمجد في دور أجهزة الجيش والشرطة وبطولات جهاز المخابرات.

تحديد أجور الفنانين وعدد الأعمال ومضمونها

منذ تولي السيسي مسؤولية حكم البلاد بشكل رسمي بعد ثورة يونيو 2013، بدأ التشديد حول ما يقدم عبر شاشات السينما والفضائيات. وكان سبق وصول السيسي إقدام رئيس مجلس الوزراء في 2013 على وقف عرض فيلم “حلاوة روح” للفنانة هيفاء وهبي، وأقرت المحكمة الدستورية في 2019 دستورية المادة التي تجيز لجهاز الرقابة على المصنفات الفنية سحب الترخيص السابق إصداره بعرض الفيلم “إذا طرأت ظروف جديدة”، وأشارت إلى أن خروج الفن عن أحد الآداب العامة وأخلاقيات المجتمع فعلى الجهاز التدخل وحماية المجتمع”. وتوسعت الرقابة بعد الواقعة في منح تراخيص عمل الأفلام، خاصة ما يعرف بثنائية “الراقصة والبلطجي” والتي توسعت خلال العقد الماضي بعد نجاحها بشكل كبير، على يد الفنان محمد رمضان وعائلة السبكي التي أنتجت عدداً كبيراً من هذا النوع الفني.

يسرا في مشهد من فيلم “العاصفة”

وعاد السيسي مرة أخرى لانتقاد ما يقدم عبر الفضائيات، في تموز/يوليو 2015، وأبدى استيائه من الأعمال التي تركز على تجارة المخدرات والعلاقات الجنسية والخيانة والسحر، وقال إنه ينتظر أن ترصد الأعمال الفنية بطولات الجنود المصريين الذين يدافعون عن الوطن، وهو ما شرعت أجهزة الدولة على تنفيذه فاتجهت للسيطرة على منابع الإنتاج الفني والإعلام، وسيطرت بشكل كامل على سوق الدراما الرمضاني. بموجب سياسية ضبط الدراما بسطت شركة “سينرجي” يدها على مجال الإنتاج الدرامي بشكل كامل، وهي إحدى شركات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، المملوكة لجهاز المخابرات، وبدأت تعمل على تحجيم أجور الفنانين ووضع حد أقصى لها، وبدأت تقليل عدد الأعمال التلفزيونية التي تقدم عبر الفضائيات، بمنع بعض الفنانين من العمل، وكان أبرز هؤلاء الفنان عادل إمام الذي مُنع من استكمال تصوير مسلسل “فالنتينو” الذي يخرجه وينتجه ابنه رامي إمام، وقال الأخير عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”: “الفنان عادل إمام عمل حاجة مش متوقعينها امبارح، فجأة وقف التصوير وقعد يضحك 10 دقايق، وفك اللوكيشن، ووقفنا العمل”.

منذ تولي السيسي مسؤولية حكم البلاد بشكل رسمي بعد ثورة يونيو 2013، بدأ التشديد حول ما يقدم عبر شاشات السينما والفضائيات.

تصرف عادل إمام ليس غريباً، إذ سبقته الفنانة غادة عبدالرازق التي كتبت عبر حسابها الشخصي بموقع “تويتر”، قبل انطلاق موسم دراما رمضان 2018 بأشهر، قائلة: “عاوزين يسيطروا على كل حاجة يا تشتغلي معانا بالأجر اللي إحنا نحدده، يا مفيش شغل خالص”، في إشارة إلى شركة “سينرجي” المملوكة لجهاز المخابرات العامة. 

وبالفعل نجحت الشركة في إيقاف عدد كبير من الفنانين من تقديم أعمال خلال عام واحد، واتجهت إلى توزيع العمل بالتناوب، واتجهت إلى إنتاج أعمال درامية تعرض في أوقات أخرى خلاف السباق الدرامي الرمضاني. 

فن على هوى السيسي

وبدأت الدولة توجه الإنتاج وفقاً لإرادة السيسي، فقد أنتجت في سنوات لاحقة عدداً من الأعمال التي تطهر صورة رجال الشرطة، والجيش أيضاً، التي لوثتها الأعمال الفنية، خلال السنوات الأخيرة، فأنتجت مسلسل “كلبش” بثلاثة أجزاء للفنان أمير كرارة، والذي جسد فيه دور رجل شرطة “شريف” يواجه مشاكل عدة في الأجزاء الثلاثة حتى ينتصر في النهاية، وكذلك “الجماعة 2” التي تناولت جزء من التاريخ الدموي لجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة كجماعة “إرهابية” في مصر، ومؤخرا قدم السقا فيلم “المصلحة” الذي جسد فيه دور رجل الشرطة الشريف الذي يواجه تجارة المخدرات بحزم.

وزارة الثقافة تتوسع في الرقابة الفنية على الفن المقدم للجمهور

واستكمالاً للحملة الشرسة التي تقودها مصر على الفن، افتتحت وزارة الثقافة فروع تفتيش للرقابة على الأعمال الفنية التي تقدم للجمهور، في 8 محافظات بعيدة عن العاصمة القاهرة، ويجري حالياً تأسيس مقرات جديدة في محافظات أخرى لتغطي الرقابة جميع أنحاء الجمهورية وتمنع إقامة أي نشاط مخالف للقانون، وفقا لحديث الدكتور خالد عبدالجليل رئيس جهاز الرقابة على المصنفات الفنية.

إعلان مسلسل “كلبش” لأمير شرارة

من جانبه انتقد طارق الشناوي، الناقد الفني، قرار نقابة المهن الموسيقية بمنع أغاني المهرجانات، قائلا إن الواقع يقول إن الفن الهابط أو المبتذل لا يحارب إلا بالفن الجيد، وأن المصادرة لن تمنع شيئاً، وفي ظل وجود وسائل الاتصال الحديثة، فدائماً هناك أبواب خلفية يمكن أن يتسلسل منها أي عمل رديء، مضيفاً: “من يتصدى للمخالفات يجب أن يكون جهاز الشرطة وليست وزارة الثقافة، فدور وزارة الثقافة وأجهزتها أن تخلق مناخاً صحياً لصناعة فن جيد يستطيع مواجهة أي انحراف أو فساد فني”. 

وبات التساؤل الذي يدور في أذهان المصريين الآن، حول تأثير ذلك التدخل على مستقبل الفن في مصر، باعتبارها دولة رائدة في هذا المجال، على مستوى الشرق الأوسط تحديدا، فمصر هي بوابة العبور لجميع الفنانين إلى الشهرة والعالمية، وكيف ستتغير المعايير في الأعمال الفنية مستقبلا، تحت حكم السيسي. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
الأمراض الناشئة هي نتيجة طبيعية للتغيرات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، وما فايروس “كورونا” سوى وجه من وجوه هذه التغيرات التي لا تتوقف ما لم يتوقف البشر عن إجهاد الأرض.
مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني