fbpx

الأغاني السياسية: مجابهة السلطة والجهل موسيقياً

أدى فشل الثورات في سوريا وليبيا ومصر إلى إعادة النمط الفني إلى مداره الأول من تضييق وقمع، فيما استطاعت الموسيقى الملتزمة أن تنتعش في تونس.

كانت الفنون عموماً والموسيقى خصوصاً لغة تعبيرية مكنت الإنسان من تقديم رؤاه وأفكاره التي تنبثق غالباً من الواقع المعيش ومن رحم أحداث فارقة. وفي هذا السياق، شهد العالم العربي في بدايات القرن الماضي ظهور نمط موسيقي جديد، بوصلته الأولى مشاغل الناس ودأب على مقاومة السلطة. نمط لم يستقر على تسمية واحدة وتراوح بين الفن البديل والأغنية السياسية وغالباً الموسيقى الملتزمة كدلالة على الالتزام بقضايا الشعوب الكبرى والتحفيز على المقاومة من أجل التغيير ونيل الحقوق. 

وتدريجاً، بات ما يعرف بالموسيقى الملتزمة عبارة عن رافعة ثقافية لمواجهة السلطة، لها روادها ومريدوها في المنطقة العربية، فكانت الانطلاقة الحقيقية مع السيد درويش في ستينات القرن الماضي، تلاه الشيخ إمام الذي تحول سريعاً إلى أيقونة هذا النمط الفني ومحرك لعجلته على نطاق واسع وملهم للجماهير. فعلى خطاه سارت مجموعات وفرق وبات صديق الطلبة في الجامعات العربية وبخاصة التونسية. وبرزت أسماء أخذت على عاتقها مسؤولية حمل لواء هذه الموسيقى، على رغم خطورتها في ظل أنظمة سياسية ترفض كل فكر ناقد وكل ما من شأنه تحريك الشعوب ضدها. 



الفنان عادل بوعلاق

وعلى مدار عقود، شهدت الموسيقى الملتزمة فترات انتعاشة وانتكاسات متتالية نتيجة القمع والاستبداد السياسي بخاصة بعد فترة السبعينات، فتراجع نشاطها وانحصر بين جدران الجامعات والنقابات. وأبعد هذا الوضع نجوم الأغنية الملتزمة عن الجماهير وأسقطهم في اجترار أفكارهم التي بدت لسنوات طويلة أشبه بالقطيعة مع المواقع حتى عام 2011، سنة الثورات العربية التي فجرت الجماهير ضد الأنظمة الحاكمة وأعادت الحياة إلى الموسيقى الملتزمة.    

وفيما أدى فشل الثورات في سوريا وليبيا ومصر إلى إعادة النمط الفني إلى مداره الأول من تضييق وقمع، استطاعت الموسيقى الملتزمة أن تنتعش في تونس.

ظهرت أسماء عدة، واستعادت المجموعات والفرق الموسيقية القديمة نشاطها في العلن وبوتيرة أوسع، حتى أنه تم تنظيم مهرجان مخصص بعنوان “المهرجان العربي للموسيقى الملتزمة” الشهر الماضي في تونس.

بين تونس والموسيقى الملتزمة

يرى الفنان عادل بوعلاق قائد فرقة أجراس أن تونس تعد حالة استثنائية في علاقتها بالموسيقى الملتزمة، مقارنة ببقية الدول العربية لاعتبارات اختزلها أساساً في طبيعة التعليم في المعاهد والجامعات ووجوه إعلامية انتصرت لهذا الفن، على رغم التضييق المسلط عليهم.

ويقول بوعلاق لـ”درج”، “نحن في مرحلة شبه انتقالية من موسيقى موجهة للترفيه، موسيقى بلاطات، إلى موسيقى تعبيرية بمعنى أن الموجة الجديدة للفعل الموسيقي تختلف عما سبق، إذ أصبحنا نتعاطى مع فن الموسيقى وليس مع فن الغناء فقط. لأن تاريخ الموسيقي العربي تاريخ غناء ولم ننفصل عن سلطة الخطاب، في حين أنه مع الموسيقى الملتزمة أصبحنا نستمع إلى قطع موسيقية بمحاور معينة … لقد دخلنا مرحلة جديدة، وهي فن الصوت وتشابك الأصوات. وأصبحت بذلك علاقتنا بالكلمة جزءاً لا يتجرأ من فعلنا الموسيقي وهذا المعطى سيحدث نقلة نوعية في تاريخ الموسيقى العربية”.

يضيف بوعلاق أن هناك وضعية خاصة في علاقة تونس بالموسيقى الملتزمة فهي أول بلد سجل أغاني الشيخ إمام، وأكثر من احتفى بها.

ويضيف بوعلاق أن هناك وضعية خاصة في علاقة تونس بالموسيقى الملتزمة فهي أول بلد سجل أغاني الشيخ إمام، وأكثر من احتفى بها وهي البلد الذي تمرد بعض إعلامييها على الضغوط والقيود المسلطة عليهم، واحتفوا بهذا النمط الموسيقي على غرار المرحوم نجيب الخطاب الذي تجرأ على تكريم فرقة البحث الموسيقي في برنامجه الذي يقدمه على القناة الرسمية، على رغم أنها المجموعات المغضوب عليها من السلطة. وكذلك الحبيب بلعيد الذي كان ناشطاً على أمواج الإذاعة الدولية، وكان مؤمناً جداً بهذا اللون الموسيقي، وخصص له مساحة مهمة، وربما لم تنتبه السلطة أن بلعيد كان يضرب موعداً مع جماهير واسعة، لا سيما من الطلبة. حينها كان يعتقد أنها إذاعة نخبوية موجهة لأعداد قليلة، والحقيقة أنها كانت تؤسس لعلاقة وطيدة بين الناس والموسيقى الملتزمة. وهذا التحدي الذي خاضه كلاهما أجزم أنه كان مفقوداً في بقية الدول العربية. كما أن إقامة محمود درويش في تونس لسنوات أثرت في المشهد الشعري في تونس، وعلى خلاف الدول العربية التي هجرت أغلب شعرائها، لم يغادر الشعراء التونسيون وتمسكوا بالبقاء وخاضوا الصراع مع السلطة مستفيدين من وجود نقابة عمالية قوية “الاتحاد العام التونسي للشغل”، وجامعة قوية بمحتواها المعرفي. وأعني أساساً الفلسفة وعلوم الاجتماع وغيرها من الاختصاصات في المعاهد العليا كالموسيقى والمسرح والفنون الجميلة، وقد أشدد أكثر على المسرح لأنه أعطى دفعاً قوياً للموسيقى الملتزمة بتفاعله منذ الثمانينات معها في أعمال كثيرة. كما أن خريجي هذا الاختصاص ساهموا في استيعاب هذه الموسيقى، وهو ما يجعلنا نتحسس أنه مستقبلاً، سيكون هناك حضور قوي للأغنية الملتزمة أو الموسيقى الملتزمة، التي ترتبط بالتفكير والفكر وهذا مهم جداً لأننا سنتحدث عن الواقع بواقعية أكبر، لأن ما نعيبه على الأغنية السائدة هو انفصالها عن هموم الناس الحقيقية حتى في طرحها للحب.  

كما شدد على أن ما يروج تراجع الموسيقى الملتزمة لا أساس له لأن الغالب يعتقد أن الاستهلاك أو العلاقة بالأغنية يمر من شاشات التلفاز لكن نحن لدينا نظرتنا الخاصة التي ندعو فيها الناس إلى الخروج من الشاشة والتوجه إلينا لإدراك كم أننا حاضرون على الساحة الأخرى، يقول بوعلاق، لأن الإعلام الباحث عما بات يسمى “البوز” والماكياج والصورة والاستهلاك الغبي لا يعنينا، لأننا في موقع آخر مغاير تماماً. فمثلاً الإعلام أو من يروج هذه المعطيات لا يدرك أن فرقة “أجراس” تقدم ما بين 30 و50 حفلاً سنوياً، وأننا عام 2011 فقط، قدمنا 72 حفلاً، عدا نوادي الموسيقى الملتزمة التي باتت موجودة بأعداد كبيرة في دور الثقافة والشباب في كامل المحافظات. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على أننا نمارس الأشياء مباشرة ولا نهتم بالإعلام الذي عليه أن يعدّل بوصلته. 

و”أجراس” هي مجموعة موسيقية تقدم الأغنية الملتزمة، انطلقت عام 1999، وهي من الفرق الموسيقية القليلة التي ظلت وفية لنهجها كصوت للحالمين بالحرية والكادحين، ولم تغير مسارها ولا أهدافها حتى بعد سقوط النظام القمعي، وبداية فصل جديد أكثر انعتاقاً، بل دفعها ذلك للبحث عن قضايا أكثر عمقاً للتعبير عنها والنشيد على لسان أصحابها وتمرير رسائلهم بصور موسيقية تتطور باستمرار.  

وتجدر الإشارة إلى أن إذاعة أغنية لفرقة “البحث الموسيقي” أو بعض المجموعات الأخرى المعروفة بانتمائها للعائلة الموسيقية الملتزمة في فترة ما قبل الثورة، كانت تعد خرقاً لا تحمد عقباه، في ظل الحصار الذي كانت تفرضه السلطة. لكن في الأثناء كانت أسوار الجامعات ومقار النقابات الكبرى كاتحاد الشغل، حاضنتهم الدائمة، حتى أن محاولات السلطة للقضاء عليهم باءت بالفشل، لأن خزان الحركة الطالبية، خصوصاً اليساريين، كان لا ينضب وظل وفياً لهذا اللون الفني الذي وجدوا فيه الكلمة التي تنطق بهمومهم وأحلامهم وتدفعهم إلى المقاومة وتوجه وعيهم. 

وسائل قمع أكثر خطورة

ولئن تتبعت الأغنية السياسية في العالم العربي هموم الشارع وتبنت قضاياه ورافقت تجارب القمع والسجن والفقر، وكانت لعقود صوت الحالمين بالتغيير الشامل، فإنها تأثرت من حالة الحصار التي فرضت عليها في الوقت الذي سطع فيه نجم الأغنية الاستهلاكية، وباتت المنتج السائد المتاح بخاصة للجماهير العربية التي عملت الأنظمة التي تحكمهم على إبعادهم من سبل التفكير وإلهائهم بالترفيه وتسطيح عقولهم.

الفنان التونسي ياسر جرادي يقول لـ”درج” إن ثورة 14 كانون الثاني/ يناير ساعدت على توسيع نشاط الموسيقى الملتزمة في البلاد، وأصبح وصولها إلى الجمهور أكثر يسراً، ومتاحاً على أكثر من صعيد، في ظل اختفاء عامل القمع الذي كان يسلط على الأغنية الملتزمة. كما سمحت بظهور مجموعات موسيقية شابة تنتمي إلى هذا اللون الفني بأعداد كبيرة على مدار التسع سنوات الماضية، وتوجه المهرجانات الرسمية لبرمجة فرق وأسماء عرفت بانتمائها لهذا النمط الموسيقي، فضلاً عن اهتمام الإعلام بما في ذلك الكلاسيكي بهذا الفن، الذي أصبح متاحاً اليوم ظهور نجومه على شاشات التلفزيون والمنابر الإعلامية، لعرض أعمالهم. وعربياً أيضاً، ولدت موجة مهمة لصعود مجموعات موسيقية ملتزمة في مصر والأردن ولبنان والمغرب والجزائر، استفادت من ثورات الربيع العربي ومن عامل الانترنت الذي أصبح بوابة لنشر أمالهم لجماهير واسعة داخل البلاد وخارجها، وعقد مهمة الرقابة وجعل فرص النجاح والوصول إلى المتلقي أكبر من السابق. وأستطيع القول أيضاً إن هذه الموجة أصبحت عالمية في ظل ما يعيشه العالم من حروب وبروز قضايا جديدة مهمة، منها مسائل البيئة، ما أدى إلى صعود فنانين يهتمون بقضايا الإنسان.  

لكن جرادي يرى أنه على رغم هذا الثراء الكبير على مستوى الكم والكيف إلا أن التأثير في الجماهير بقي محدوداً، مقارنة بالحقبات السابقة التي استطاع فيها نجوم الأغنية الملتزمة تحريك الجماهير ودفعها إلى المقاومة.

ويقول جرادي إن مرد هذا يعود إلى تغير وسائل القمع التي باتت أكثر ذكاء وخطورة، إذ لم تعد تعتمد على الحصار فقط واتجهت نحو تكريس نظرية الاستثمار في الجهل. فالسلطة أصبحت تعي أنها بمجرد تسطيحها الذوق العام فإنها ستحد من ذكاء شعوبها ووعيها وبالتالي سيكون سيتحولون إلى قطيع من السهل التحكم في خياراته وميوله وغيرها وهو ما يحدث عملياً. زد على ذلك هذا الزخم الكبير للإنتاجات الفنية الرديئة الطاغية على القنوات التلفزيونية والانترنت الذي حال دون بروز الأغنية الملتزمة الهادفة ونيلها المكانة التي تستحق أن يكون لها الصدى المنتظر. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
اشتباك العالم الإسلامي مع حرية التعبير طويل وشائك.ويبدو أن الحملة التي تتشكلُ حالياً تحت شعار “إلا رسول الله” هي إضافةٌ أخرى للاشتباك غير الضروري بين الإسلام وحرية التعبير.

3:36

3:36

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني