fbpx

لماذا يتدافع العالم العربي للانضمام إلى الصراع الليبي؟

فبراير 18, 2020
تتوالَى الرحلات الجويّة إلى ليبيا يوميّاً، تحمل جنوداً من السودان ومقاتلين من سوريا ومستشارين عسكريّين من تركيا ودبّاباتٍ وطائرات موجَّهة من الإمارات والأردن.

تتوالَى الرحلات الجويّة إلى ليبيا يوميّاً، تحمل جنوداً من السودان ومقاتلين من سوريا ومستشارين عسكريّين من تركيا ودبّاباتٍ وطائرات موجَّهة من الإمارات والأردن.

وعلى مدار الأشهر الثلاث الماضية، كان الدفق الجارف من المقاتلين والأسلحة أدّى إلى تدويل صراعٍ نشأ وتأجّج بين الفصائل الليبيّة للسيطرة على الدولة الأفريقيّة الغنيّة بالنفط، منذ الإطاحة بالديكتاتور معمّر القذّافي عام 2011. ولكن مع اصطفاف القوى الإقليميّة خلف الفصائل للتنافس على المكاسب السياسيّة والاقتصاديّة، وقَع الليبيّون في خضمّ صراعٍ أعمق بين الرؤى السياسيّة المتنافِسة حول بلدهم وغيره من البلدان الأخرى في العالم العربيّ، وأبرز هذه الرؤى هي الديموقراطيّة اللاليبراليّة في مقابل أوتوقراطيّة يقودها رجل قويّ من العسكر.

يقول محمّد الجارح، وهو محلّل سياسيّ وباحث ليبيّ مقيم في مدينة طُبرُق الساحليّة الشرقيّة، إنّه “قبل هذا، كان الصراع ليبيّاً في الأساس، مع بعض التدخّلات الخارجيّة. ولكنّه الآن صراعات خارجيّة أكثر من كونها ليبيّة؛ فلدينا قوى إقليميّة تُرسِل مقاتِلين أجانب لتصفية حساباتها على الأراضي الليبيّة باستخدام الأموال والفصائل الليبيّة”.

منذ حملة حلف شمال الأطلسيّ (ناتو) عام 2011 التي أطاحَت بنظام القذافي الذي كان يقتل مواطنيه، تخلّى الغرب بشكلٍ كبير عن البلاد وحكومة طرابلس المعترف بها من قِبَل الأمم المتّحدة، وحصَرَ دورَها في محاربة بقايا تنظيم “الدولة الإسلاميّة” أو إيقاف تدّفق المهاجِرين إلى أوروبا.

الفصل الختاميّ في الربيع العربيّ

أدّى هذا الفراغ إلى انبعاث محورَي الشرق الأوسط اللذَين تنافسا على تشكيل صورة العالم العربيّ في أعقاب الربيع العربيّ، وقد عادا إلى المواجهة من جديد في ليبيا لكتابة الفصل الأخير في انتفاضة المنطقة.

على أحد الجانبَين نجد قطر وتركيا اللتَين ألقتا بثقلِهما خلف الاحتجاجات الشعبيّة وموَّلتا جماعات الإسلام السياسي لملءِ الفراغ الذي نشأ نتيجة إزاحة القيادات الاستبداديّة في تونس ومصر وليبيا.

وعلى الجانب الآخر نجد الدول الملكيّة الخليجيّة، وعلى رأسها السعوديّة والإمارات اللتَان سعتا – نتيجة شعور نظامَيهما بالتهديد – إلى قمع الديموقراطيّة من خلال دعم أقوياء العسكر وتضييق الخناق على النشاط السياسيّ.

والآن تدعم هذه الدول فصيلَين ليبيَّين متنافسَين، هما: حكومة الوفاق الوطنيّ المعترف بها من قِبَل الأمم المتّحدة، ويقودها رئيس الوزراء فايز السرَّاج في طرابلس في القسم الغربيّ من البلاد، والمشير خليفة حفتر، وهو من أمراء الحرب وأحد جنرالات عهد القذافي، ويسيطر على ما يُسمَّى بـ”الجيش الوطنيّ الليبيّ” الذي شكّله حفتر على شرق البلاد ولا يزال يفرض الحصار منذ 10 أشهر على العاصمة طرابلس.

حين هدَّد الجنرال حفتر بالاستيلاء على طرابلس، تدخّلت تركيا في كانون الأول/ ديسمبر الماضي لإنقاذ حكومة الوفاق الوطنيّ، مُرسِلةً مستشارين عسكرّيين وأنظمة دفاع جويّ، وأرسلت حتّى الآن ما يُقدَّر بحوالى 2000 مقاتلٍ سوريّ. أمّا الإمارات – التي ترسل معدّات عسكريّة إلى الجنرال حفتر منذ وقت طويل، ويُزعَم أنّها تسيِّر أسطولاً من الطائرات الموجَّهة من قاعدتها الجويّة الخاصّة – فأرسلَت مقاتلين سودانيّين ومرتزقة روس.

كلا الطرفَين ينتهك حظر الأسلحة واتّفاقيّات وقف إطلاق النار وميثاقاً تم توقيعه راهناً بين الحكومتَين التركيّة والإماراتيّة في برلين لوقف الأعمال العدائيّة. وقد أدانت بعثة الأمم المتّحدة إلى ليبيا تلك الانتهاكات، وقالت إنّها “تجازِف بإغراق البلاد في جولة جديدة ومكثّفة من القتال والعنف”.

يقول فريدريك ويهري، زميل رفيع المستوى في “مؤسّسة كارنيغي للسلام الدوليّ”، إنّ “هذه صدوع عالِقة وحرب وكالة متواصلة من أجل الهيمنة، بدأت مع انطلاق الربيع العربيّ”. وأضاف أنّ “الفراغَ الذي خلّفه الغرب هنالك، وحالة الشلل التي يعيشها الأوروبيّون، والازدواجيّة التي يتعامل بها الأميركيّون – كلّ هذا فتح المجال للدول العربيّة وروسيا للتدخّل وإعادة فتح تلك الصدوع”.

تعدُّد المصالح

إنّ شبكة المصالح الأجنبية شاسعة ومتشابكة.

فلكون تركيا في أمسِّ الحاجة إلى أن يكون لها موطِئُ قدم في العالم العربيّ – بعدما رأت قمع الجماعات الإسلامية أو هزيمتها في صناديق الاقتراع، وبعدما واجهت انتكاساتٍ في جارتها سوريا – فإنّها ترى في ليبيا فرصة سانحة.

أمّا الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية فتسعيان، عبر مساندة اللواء حفتر، إلى حماية نفوذِهما العسكريّ والاقتصاديّ المتنامي في القرن الأفريقيّ وشمال أفريقيا، وفي الوقت ذاته إلى منع صعود حكومة موالية للإسلاميّين.

في المقابل، يخشى الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي من أن قيام حكومة موالية لتركيا في ليبيا قد يؤدّي إلى عودة حركة الإخوان المسلمين – التي انقلب عليها – إلى الصدارة، ما يؤدّي إلى إثارة الانشقاقات في مصر. ويرى السيسي في حفتر– وهو عسكريّ مثله– أفضلَ وسيلةٍ لاستعادة الاستقرار والقضاء على الإرهاب وتأمين الحدود التي يبلغ طولها 695 ميلاً بين البلدين.

أدى الدفق الجارف من المقاتلين والأسلحة إلى تدويل صراعٍ نشأ وتأجّج بين الفصائل الليبيّة للسيطرة على الدولة الأفريقيّة الغنيّة بالنفط.

وقد برز الأردن بهدوء كأحد أكبر داعمي اللواء حفتر، وزاد من إرسال التعزيزات العسكرية جوّاً لأمير الحرب الليبيّ في الأشهر الثلاث الأخيرة.

وتخشى المملكة الأردنية أنْ يخلقَ الوجود التركيّ في شمال أفريقيا مناخاً مناسباً للإرهاب، وتذكّر بتاريخ أنقرة في غضّ الطرف عن طوفان الجهاديين الذين انتقلوا إلى سوريا عبر تركيا، ما ساعد على صعود داعش.

وبدأت فرنسا تدعم حفتر عند شعورها بوجود فرص اقتصادية، وكذلك لرغبتها في وقف تدفق المهاجرين إلى أوروبا، بينما ساندت إيطاليا رئيسَ الوزراء السرّاج، مُعيدةً بذلك إذكاءَ روح التنافس الاستعماريّ.

أما عن روسيا – في بحثها عن فرص اقتصادية ونفوذ دبلوماسيّ لاستخدامها في أجزاء أخرى في المنطقة – فهي تدعم حفتر منذ عام 2015، لكنها تجد تأثيرَها في اللواء محدوداً مقارنة بدول الخليج.

 وهناك النفط الليبيّ بالطبع. فلدَى ليبيا أكبر احتياطيّات نفطية في أفريقيا، وتعد الدولة التاسعة في العالم من حيث احتياطيّ النفط، إضافة إلى احتمال وجود غاز طبيعيّ ومعادن أخرى. أما عقود إعادة إعمار ليبيا، الغنية بالأموال، فستكون مربحة.

ووقّعت تركيا اتفاقيةَ ترسيم حدود بحرية مع حكومة الوفاق الوطنيّ، كجزء من الاتفاق العسكريّ الأمنيّ المبرم بين الطرفين في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، ما يمنح أنقرة حقوقاً حصرية للتنقيب في قاع البحر وخط الساحل الليبيّ الغنيّ بالموارد.

أي نموذج للشرق الأوسط؟

اندلعت معارك أكثر شراسة حول ما سيبدو عليه مستقبل العالم العربيّ.

ليس لدى الليبيين سوى خيارَين: إمّا ديموقراطية ذات مؤسّسات هشّة يديرها سياسيّون إسلاميّون، في ما يشبه النموذج التركيّ، أو دولة أمر واقع بنظام الحزب الواحد يُهيمِن عليها الجيش، كالنموذَج المصريّ.

 تصرّ حكومة الوفاق الوطنيّ – التي تحظى باعتراف الأمم المتحدة، وتميل إلى الديموقراطية غير الليبرالية، ويهيمن عليها الإسلاميّون – على أنّ مؤسّسات الدولة يجب أن تنشأ أوّلاً لتحقيق الاستقرار، بينما يصرّ حفتر على أنّ تأسيس الدولة يجب ألا يتمّ سوى بعد سيطرة جيش موحَّد على كل شبرٍ من أرض ليبيا.

يقول الجارح، وهو محلّل سياسيّ مُقيم في طُبرُق، “لديك حكومة الوفاق الوطنيّ في جانب، وهي تزعم أنّ الأمن والاستقرار كلمات تعني الديكتاتورية واحتكار الدولة. وعلى الجانب الآخر، يُفصِح حفتر عن رأيه بوضوح: ليبيا ليست جاهزة للديموقراطيّة. لا يمكننا الوصول إلى الديموقراطيّة من دون احتكار استخدام القوة، وهو الشيء الذي يجب تحقيقه من طريق القوّات المسلّحة. ولكن لا توجد ضمانات أنّ تلك القوى ستتخلّى عن تلك الهيمنة إذا حصلَت عليها”.

أنشأ اللواء حفتر أخيراً “ذراعاً عسكريّة للاستثمارات” لإدارة اقتصاد مركزيّ في المنطقة الواقعة تحت سيطرته. أمّا في غرب ليبيا فيُردّد خطابُ الإسلاميّين في الإذاعة والشبكات الفضائيّة آراءَ أردوغان، بينما تصرّ حكومة الوفاق الوطني على أنها هي الحل الوحيد من أجل ليبيا “ديموقراطيّة مدنيّة”.

يخشى الرئيس المصريّ عبد الفتاح السيسي من أن قيام حكومة موالية لتركيا في ليبيا قد يؤدّي إلى عودة حركة الإخوان المسلمين ما يؤدّي إلى إثارة الانشقاقات في مصر.

تقول كلوديا غازيني، وهي محلّلة متخصّصة في الشأن الليبيّ لدى “مجموعة الأزمات الدوليّة”، إنّ “رؤية حكومة الوفاق الوطنيّ على أنها الضمانة الوحيدة للحكم المدنيّ تحجب حقيقةَ أنه لا يوجد تقدُّم أو انتخابات أو إشراف برلمانيّ، وهناك تصاعد في معدَّلات المحسوبية والاختلاس”.

 لدى الجانبين آراء مختلفة في ما يتعلّق بنشاط الإسلاميّين. فتؤيّد حكومة الوفاق الوطنيّ جماعاتِ الإسلام السياسيّ التي تؤمن بالديموقراطيّة التشارُكيّة، والتأثير في الدولة – أو الهيمنة عليها – من طريق الانتخابات والمجتمع المدنيّ والدعوة، ومن طريق المنابر الدينيّة أيضاً. أمّا اللواء حفتر فيعتمد على السلفيّين المتشدّدين المتّصلين بالمملكة العربيّة السعوديّة، الذين يتجنّبون الانخراط في العمل السياسيّ، وينبذون الديموقراطيّة، في مقابل الهيمنة على النطاق الدينيّ، طالبين من أتباعهم الولاء الخالص لقيادتهم ولملوك الخليج.

لكن هناك شعوراً منتشراً بين الليبيّين بأنّ مستقبلهم بيد غيرهم.

يقول محمّد، وهو ناشط ليبيّ فضّل عدمَ ذِكر اسمه بالكامل، “لقد خُضنا الثورة لكي ننقذ بلدنا من الطغيان. والآن يقتسم الغرباء الكعكة، من دون حتى دعوتنا إلى مشاركتهم”.

هذا المقال مترجم عن csmonitor.com الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
الحماسة اللبنانية تبدو جاهزة دوماً للمشاركة في حروب الآخرين، لأسباب كثيرة، لكن من الواضح أن العامل المذهبي عامل حاسم على هذا الصعيد، وهو ضمنياً عدم اعتراف بالكيان اللبناني، وأكثر من ذلك، اعتباره كياناً ظرفياً ووظيفياً.

15:27

6:47

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني