fbpx

المصارف الفلسطينية تُجدوِل القروض… والمعاناة

تعود القصة إلى عام 2017، عندما اتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس جملة من الإجراءات هي بالأساس عقوبات ضد قطاع غزة بتقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية بذريعة إجبار "حماس" على إنهاء الانقسام.

في بداية شباط/ فبراير 2020 أشعل موظف في السلطة الفلسطينية النار بنفسه داخل أحد المصارف الكبيرة وسط مدينة غزة وأصيب بحروق متوسطة، احتجاجاً على الخصم من راتبه. وكانت المصارف في قطاع غزة عممت على الموظفين المقترضين منها، عبر رسائل نصية، أن عليهم جدولة قروضهم أو إعادة هيكلتها، بشكل إجباري أو خصم رواتبهم كاملة، نتيجة المتأخرات المستحقة عليهم.

ولم تنتظر المصارف، إذ قام بعضها بالحجز على صرف رواتب الموظفين، الذين لديهم متأخرات مالية للمصرف، بحجة تأخير سداد كامل القروض حتى جدولة القرض إجبارياً.

وتعود القصة الى الربع الأول من عام 2017، عندما اتخذ الرئيس الفلسطيني محمود عباس جملة من الإجراءات هي بالأساس عقوبات ضد قطاع غزة بتقليص رواتب موظفي السلطة الفلسطينية بذريعة إجبار “حماس” على إنهاء الانقسام. وأصبح موظفو السلطة في غزة يتقاضون من 50 إلى 70 في المئة من رواتبهم، وأحيل عدد كبير منهم إلى التقاعد الإجباري المبكر أو ما يسمى التقاعد المالي، ويتقاضى الموظف نصف راتبه على أن يبقى على رأس عمله في غزة. وهؤلاء غالبيتهم من موظفي الصحة والتعليم، إذ إن غالبية الموظفين أُجبروا على التوقف عن العمل عام 2008، للضغط على حركة “حماس”، وظلوا يتلقون رواتبهم وهم في بيوتهم.

مفهوم جدولة القروض، هو عدم قدرة الدائن على دفع المستحقات المطلوبة منه في مواعيدها المحددة، وبالتالي يلجأ المقترض إلى مد آجال هذا القرض لفترات أخرى، وبالتالي تترتب على ذلك زيادة نسبة الفائدة على المقترض، كما أن الخلل يكمن في طول مدة السداد، والأخطر هو زيادة نسبة الفائدة التي تقدر بـ9 في المئة أكثر من المتفق عليه في بداية حصول المقترض على القرض. ويتحمل الموظف أعباء مالية أخرى، في أزمة سببتها السلطة الفلسطينية التي خفضت الرواتب إلى النصف منذ فترة طويلة، ما جعل المستحقات تتراكم على الموظفين، وتزيد معاناتهم، لأن الفوائد ستتضاعف عليهم.

أصبح موظفو السلطة في غزة يتقاضون من 50 إلى 70 في المئة من رواتبهم، وأحيل عدد كبير منهم إلى التقاعد الإجباري المبكر.

الخطوة التي اتخذتها المصارف ليست عملية اختيارية، بل إجبارية بمسمى إعادة الهيكلة أي جدولة القروض، وتحصل المصارف على فوائد وتمديد فترات القرض الجديد وإعادة الجدولة لسنوات مقبلة، قد تصل مدتها إلى 21 سنة من إعادة الجدولة، في حين أن ما يتبقى للمقترض هو من 3 إلى 12 سنة كحد أدنى لأعلى فترة زمنية. والسبب الأول في ذلك أن هناك مصارف تحاول إعادة الجدولة بالإقناع، وبهذه الطريقة يتم سداد الأقساط المستحقة (المتأخرة)، والتي تزيد شهرياً بنسبة صغيرة لأنها تتراكم ولا فرصة للسداد من رواتب لا تصل إلى نسبة 75 في المئة للمتقاعدين و55 في المئة للآخرين.

والسبب الثاني أن المصارف مؤسسات مالية “ربوية” متواطئة مع سلطة النقد بصفتها مرجعية للمصارف والسلطة النقدية الأولى في فلسطين، والمصارف تعيد جدولة القرض بأقساط أقل، لمنح المواطنين فرصة للتعايش مع رواتبهم المحسومة، لكن الحقيقة أن المصارف تحصل على فوائد بشكل كبير جداً، لذا استخدم بعضها طريقة الإقناع ولذلك زاد خصم القروض، أي نسبة فائدة إضافية وكل شهر ستزداد النسبة حتى سدادها. أما المصارف الكبيرة ففرضت إعادة الجدولة بنسبة 9 في المئة فائدة على المتفق عليه منذ بداية القرض.

مفهوم جدولة القروض، هو عدم قدرة الدائن على دفع المستحقات المطلوبة منه في مواعيدها المحددة، وبالتالي يلجأ المقترض إلى مد آجال هذا القرض لفترات أخرى.

ليست المصارف وحدها التي تمارس إعادة الجدولة بالإكراه مقابل تحقيق أرباح عالية على حساب الموظفين، فهناك مؤسسات الإقراض الصغيرة المستمرة في منح القروض بتقديم الإغراءات للمواطنين، مع علمها بأن الموظفين عاجزون عن السداد بشكل منتظم، وتطلب في المقابل من المصارف الخصم من الكفلاء…

خبراء اقتصاديون قالوا إنه ليس على الموظف المقترض أن يتحمل أخطاء السلطة الفلسطينية، وأن أي تمديد لفترات سداد القروض وزيادة نسبة الفائدة عليها، يجب أن حلّه بعيداً من الموظف، وأن تتكفل به الحكومة، المسؤولة عن هذا الخلل.

كما أن منح الائتمان والقروض يتم برضا الطرفين، ففي أي تمديد أو إعادة جدولة يجب أن تراعى ظروف المُقترض لأنه الطرف الأضعف ويجب ألا يكون ضحية لمثل تلك الإجراءات، ويشدد خبراء على ضرورة أن يكون أي تمديد إضافي لقرض الموظف بلا رضاه، من دون فائدة على إعادة الجدولة.

سلطة النقد الفلسطينية والمصارف في فلسطين عموماً، وفي قطاع غزة خصوصاً، لا يعنيها سوى مضاعفة ثرواتها والزيادة السنوية للربح، فبنك فلسطين حقق عام 2018 نسبة ربح 52 مليون دولار، وعام 2019، انخفضت نسبة الربح الى 44 مليون دولار. وربما أقدمت المصارف على اتخاذ خطوات لزيادة ربحها على حساب موظفي السلطة في قطاع غزة بطريقة تعبر عن انعدام المسؤولية الوطنية والاجتماعية والأخلاقية والإنسانية، وتضاعف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة بخاصة موظفو السلطة الفلسطينية، الذين أصبحوا قليلي الحيلة وأسرى للمصارف وشروطها وفوائدها المضاعفة. 

الصورة دراماتيكة في فلسطين، سلطة وشعب تحت الاحتلال وبلغ إجمالي قيمة القروض المصرفية التي حصل عليها عملاء المصارف في الضفة الغربية 5.954 مليار دولار، بينما بلغت قيمة القروض في قطاع غزة 911.9 مليون دولار، وفق أرقام سلطة النقد الفلسطينية.

وبينما يصل حجم الودائع في المصارف الفلسطينية إلى 12 مليار دولار، فإن الودائع المسجلة في المصارف العاملة في رام الله وصلت إلى 4 مليارات دولار، بينما لا تتجاوز الودائع في مصارف غزة 1.5 مليار دولار وهو ما يدل على سبب منح تسهيلات أكثر في الضفة مقارنة مع غزة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
هذه الوثائق، إضافة إلى أنها تكشف الأدوار الرهيبة لمصارف عالمية في تمويل الإرهاب والمخدرات والفساد والأنظمة الاستبدادية، تساعدنا أيضاً على فهم وظيفة المصرف في النظام المالي العالمي والمحلي أيضاً، وفهم مصادر الجشع الذي اختبرناه في لبنان…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني