إردوغان يغرق في الوحل السوري

بعد أن تخلت عن حلفائها الأوروبيين، تجد تركيا اليوم قواتها مستنزفة في مواجهات قد تزداد خطورة، فهي انخرطت في لعبة جيوسياسية طموحة في منطقة مزدحمة لتجد نفسها اليوم وحيدة تغرق في وحل معارك الشمال السوري.

لقي 6 جنود أتراك مصرعهم في 10 شباط/ فبراير، بعدما تعرضت مواقعهم لقصف مدفعي من قبل قوات النظام السوري. إذاً، هل نشهد خطر تصعيد كبير في شمال سوريا؟ هل سنشهد مواجهة مباشرة بين الجيش التركي والقوات المتقدمة الموالية للنظام السوري؟ وإن كان الأمر كذلك، هل نواجه خطر وقوع نزاع أوسع نطاقاً بين أنقرة وموسكو؟

أحرزت القوات السورية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد وحلفاؤها، المدعومون جواً من قبل القوات الروسية، انتصارات نوعية مهمة خلال الأسابيع القليلة الماضية. ففي 28 كانون الثاني/ يناير، فرضت القوات الموالية للنظام سيطرتها على مدينة معرة النعمان، التي يبلغ عدد سكانها حوالى 110 آلاف نسمة، والتي كانت تحت سيطرة المتمردين منذ تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2012. واحتلوا في شباط مدينة سراقب الاستراتيجية، التي تعد نقطة التقاطع بين أوتوستراد اللاذقية- حلب، المعروف بـ”M4″ وأوتوستراد دمشق-حلب المعروف بـ”M5″. والآن لم يعد هناك سوى جزء صغير من أوتوستراد “M5” لا يزال خاضعاً لسيطرة المتمردين.

مقاتلون سوريون معارضون مع عناصر من الجيش التركي شمال سوريا

أدى التقدم السريع الذي أحرزه الجيش السوري إلى انهيار دفاعات المتمردين. فقد تخلى المتمردون عن قرية العيس وتلّتها الاستراتيجية المطلة على ريف حلب الجنوبي وأوتوستراد دمشق- حلب. ويخاف المتمردون السوريون، الذين ينتمون إلى تشكيلات مختلفة إنما متحالفة مع تركيا، من أن مصيرهم قد أصبح محتوماً. ويخشون أن السيطرة على أوتوستراد “M4” وأوتوستراد “M5” مُنحت لقوات النظام بموجب اتفاق بين تركيا وروسيا، خلال محادثات أستانة، وقد انتشرت بالفعل على منصات التواصل الاجتماعي في خريف عام 2019 معلومات حول اتفاق من هذا القبيل مدعومة بخرائط. ويشعر المتمردون أيضاً أن تركيا تخلت عنهم خلال محادثات أستانة، فعلى رغم الضمانات الأمنية وانتشار نقاط مراقبة عسكرية تركية في 12 موقعاً في إدلب وغرب حلب وشمال محافظة حماة، لم تقدم تركيا حتى الآن حماية فعالة للمتمردين والسكان المدنيين من هجمات النظام والقوات الروسية.

من خلال تغيير تحالفاتها ومواجهة حلفائها التقليديين في أكثر من موقف، تجد أنقرة نفسها وحيدة، تغرق في الوحل في الشمال السوري.

وأدى التصعيد العسكري الجديد إلى نشوء أزمة إنسانية أخرى جسيمة. فمنذ مطلع كانون الأول/ ديسمبر 2019، نزح حوالى 700 ألف مدني من مدنهم وقراهم، فارين صوب الشمال. إضافة إلى ذلك، لا تبعد القوات الموالية للنظام سوى بضعة كيلومترات من مدينة إدلب -مركز المحافظة- التي يسكنها حوالى مليون نسمة. ويبدو أن مصير هؤلاء المدنيين لا يحظى بالاهتمام الكافي من قبل “المجتمع الدولي”. علماً أن أي هجوم على مدينة إدلب سيؤدي إلى تضاعف موجة النازحين المدنيين الذين تركوا ليواجهوا مصيرهم بمفردهم بنحو ثلاثة مرات، ولم يعد لدى هؤلاء النازحين سوى خيارات محدودة: إذ لا يستطيعون العودة إلى منازلهم خوفاً من انتقام القوات الموالية للنظام، ولا يستطيعون أيضاً مغادرة سوريا، إذ لا تزال طرق الخروج الوحيدة عبر تركيا مغلقة. ويبدو أن الخيار الوحيد المتاح أمامهم هو الذهاب إلى مخيمات اللاجئين في البؤر القليلة الواقعة في شمال سوريا التي تخضع مباشرةً لسيطرة الجيش التركي.

موجة نزوح كبيرة تشهدها مناطق الشمال السوري بسبب القصف الجوي والمعارك

تعزيزات عسكرية تركية تصل إلى إدلب

أدت اشتباكات في محافظة إدلب شمال سوريا في 3 شباط إلى مصرع 13 جندياً في الجيش السوري و8 جنود أتراك. وفي 7 شباط، دخلت قافلة مكونة من 150 آلية عسكرية تركية إلى محافظة إدلب السورية. وبهذا يصل العدد الإجمالي للآليات العسكرية التركية التي دخلت محافظة إدلب خلال الشهر الماضي إلى ألف آلية. وهدد الرئيس التركي النظام السوري قائلاً: “نريد أن يتراجع النظام على الفور إلى الحدود المتفق عليها في اتفاق “سوتشي”، أو بعبارة أخرى، الانسحاب إلى خلف نقاط المراقبة الخاصة بنا”. وفي 10 شباط، لقي أربع جنود أتراك مصرعهم عندما تعرضت مواقعهم في مطار تفتناز لقصفٍ مدفعي.

جاءت التعزيزات التركية متأخرة قليلاً، وكان الهدف منها تعزيز نقاط المراقبة العسكرية التركية، لكنها لم تستطع تغيير الديناميات العسكرية على الأرض. في الواقع، أصبحت الآن 5 نقاط (وهي: مورك ومعر حطاط والصرمان وتل طوقان والراشدين) من أصل 12 نقطة مراقبة عسكرية محاصرة من قبل وحدات الجيش السوري وحلفائه. وفي حال حدوث أي مواجهات كبرى بين الجيش التركي والوحدات الموالية للنظام السوري، ستتعرض تلك النقاط لخطر بالغ. إضافة إلى ذلك، على رغم تفوق الجيش التركي على الجيش السوري في العدد والعتاد، لن يخاطر بمواجهة القوات الروسية، التي تقدم دعماً كبيراً لنظام دمشق من خلال قواتها الجوية، وأيضاً عبر جنود مقاتلين على الأرض.

في الأشهر الأخيرة، شتَّتت أنقرة المقاتلين السوريين المتمردين بعيداً من مواجهتهم الأساسية مع النظام السوري إلى معارك أخرى. أولاً، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، أطلقت تركيا “عملية نبع السلام” ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرقي سوريا، من طريق مقاتلي المعارضة السورية. وفقاً لبعض المصادر، نصف القوات المهاجمة، أو نحو 14 ألف مقاتل، من المتمردين السوريين. إضافة إلى ذلك، معظم الإصابات من الجانب المهاجم كانت من المتمردين السوريين، فقد قُتل أكثر من 250 مقاتلاً سورياً مقابل 16 جندياً تركياً خلال هذه العملية.

فضلاً عن ذلك، في منتصف كانون الثاني/ يناير، أفادت أنباء أن ما يقرب من 2000 مقاتل سوري أرسلوا إلى ليبيا لمساعدة الحكومة الليبية الموقتة التي تقاتل قوات اللواء حفتر. ووفقاً لتقارير صحفية، كان هؤلاء المقاتلون يتلقون رواتب شهرية تصل إلى 2000 دولار نظير خدماتهم في ليبيا، وتتكفل تركيا بنفقاتهم والخدمات اللوجستية والرعاية الطبية التي يتلقونها. أضعفت أنقرة عن قصدٍ المجموعات السورية المعارضة وموقفها في محافظة إدلب، من خلال إشراك جماعات المعارضة السورية في حربها ضد الأكراد في شمال سوريا، وفي صراع القوى في ليبيا.

وفي أعقاب الخسائر البشرية التي منيت بها القوات التركية، تواصلت أنقرة مع موسكو مطالبة بإنهاء التصعيد الحالي والعودة إلى اتفاق “سوتشي”. يعني ذلك أن الجيش السوري لن يتخلى عن مكاسبه الأخيرة وحسب، بل سيضطر أيضاً إلى الانسحاب من مورك وخان شيخون، التي كان سيطر عليهما القوات الموالية للنظام في آب/ أغسطس 2019 بعد معارك عنيفة. لكن روسيا رفضت تلك المطالب.

تجد أنقرة اليوم نفسها في موقف حرج. فقد أقامت تحالفاً سياسياً مع روسيا، لكنها مع ذلك تجد نفسها في موقف معارض لروسيا في ما يخص الصراع في سوريا، وأيضاً ليبيا. تخلت أنقرة عن حلفائها في حلف شمال الأطلنطي بشرائها أنظمة صواريخ S-400 روسية الصنع بمبلغ إجمالي هو مليارا دولار، ثمناً لإقصائها من برامج تسليح عدة تابعة لحلف الناتو.

أهم ما في الأمر أن تركيا تخلت عن حلفائها الأوروبيين والأميركيين في ما يخص تنظيم الصراع السوري، وذلك حين تخلت عن صيغة مفاوضات جنيف وانضمت إلى محادثات أستانة، حيث كانت وحدها مع روسيا وإيران، الحليفتين للنظام السوري. 

اليوم، تجد تركيا أن قواتها قد استنزفت، بينما كانت تحاول الانخراط في لعبة جيوسياسية طموحة في منطقة مزدحمة. إضافة إلى ذلك ومن خلال تغيير تحالفاتها ومواجهة حلفائها التقليديين في أكثر من موقف، تجد أنقرة نفسها وحيدة، تغرق في الوحل في الشمال السوري.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني