مصادفة “مصرفية” أفضت إلى الاعتداء على زبيب!

ما الذي يمنع بلطجياً يسطو على ودائع الناس، من أن يمارس بلطجة موازية عبر إرسال عصابة تعتدي على مواطن وعلى صحافي؟

وحدها المصادفة قضت بأن يتم الاعتداء على زميلنا محمد زبيب بعد ندوة تحدث فيها عن دور المصارف في السطو على ودائع اللبنانيين. ووحدها المصادفة قضت أيضاً بأن يتم الاعتداء على ربيع الأمين بعدما رفع بنك الموارد دعوى قضائية عليه بسبب تناوله دور هذا المصرف في تلك العملية (السطو)، وذكره اسم صاحب المصرف في “بوستات” على “فايسبوك”! إنها مصادفات. محض مصادفات، وسنصدق أن ليس للمصارف دور في عمليات البلطجة التي يتعرض لها من يتناول دور المصارف في نهب المودعين. لكن ثمة واقعة هائلة سيصعب علينا أن نستعين بالمصادفات لكي نفسرها. حين يرفض المصرف الإفراج عن وديعة مستحقة لديه، فهو بذلك يمارس بلطجة، والأخيرة تعني خرقاً للقانون. وهو إذ يفعل ذلك، يستعين بشرطي قررت وزارة الداخلية أن يتولى حماية من يخرق القانون. حين يرتفع صوتك في المصرف يحضر الشرطي لكي يحمي من يخالف القانون. لكي يحميه من غضبك. يؤسس هذا الفعل إلى تشريع اتهام المصارف بالوقوف وراء الاعتداء على زبيب وعلى الأمين. يمكننا أن نبني على انتهاكهم القانون هناك، قناعة بوجود نية لديهم في انتهاك القانون هنا. ما الذي يمنع بلطجياً يسطو على ودائع الناس، من أن يمارس بلطجة موازية عبر إرسال عصابة تعتدي على مواطن وعلى صحافي؟     

الصحافي محمد زبيب

اليوم، وقد نالت حكومة حسان دياب ثقة المجلس النيابي، وأمن لها كل من سعد الحريري وسمير جعجع ووليد جنبلاط النصاب، فعلينا أن نعود أيضاً إلى المصرف. إلى فرعه الذي اخترناه كي تصل إليه رواتبنا. هناك في هذا الفرع ظلال كثيرة لمن أمن النصاب، ولمن نال الثقة. وظل بدأ يلوح لبلطجي يمكن أن ينتظرك أثناء خروجك من مكتبك لكي ينهال عليك بعصاه. وفي هذا الوقت، عاد مدير المصرف وعقد ربطة عنقه بعدما كان لأشهر مضت قد حل عقدتها وأسدلها على قميصه منتظراً صوت مودع غاضب قادم لتقاضي 200 دولار. 

هل يعرف أحد منا مدير مصرف مختلف؟ هل من مدير واحد يكسر هذا البروفايل “النمطي” لهذا الموظف الكبير؟

مدير المصرف الذي قيل في وصفه ذات يومٍ إنه “يُقبِلُ قُبلةً ويوقع تحتها” عاد ليوقع أيضاً على أوراق سحوباتنا نصف الشهرية. المدير المبتسم الذي يريد منك أن تعتذر من الموظف وألا تغضب لأنك جائع ولأنه سطا على مدخراتك، المدير هذا سيخرج من مكتبه حين يسمع صوتك مرتفعاً أمام الكونتوار، ويقول لك: “ولو يا أستاذ أنت ببنك مش بالشارع”، وسينهي حديثه معك: “أهلا وسهلا اعتبر حالك ببيتك”. المدير صاحب ربطة العنق الزهرية التي ارتداها لكي يقنعك بأنه أكثر أناقة من أن يسرق، وأنه لا يشبهك أنت القادم إلى مصرفه من دون ربطة عنق، ومن دون وجهك المبتسم ومن دون موظف يركن لك سيارتك في موقف تحت الأرض.

هل يعرف أحد منا مدير مصرف مختلف؟ هل من مدير واحد يكسر هذا البروفايل “النمطي” لهذا الموظف الكبير؟ هل من قبلة في المصرف لا تحمل توقيعه الذي أمضى سنوات طويلة في الجامعة لكي يقرر أنه توقيعه، وأنه بهذا التوقيع صار مديراً وصار أميراً على هذا المبنى وهذه الودائع.

حسان دياب أيضاً ارتدى لتوه ربطة عنق تولت محو ملامحه. لقد ارتداها لتوه، ولهذا ظهرت غير مستقيمة ومعيقة لشيء ما في وجهه.

ربطة العنق التي يتكثف فيها وجه المدير، والتي لا تكتمل مهمته من دونها. وهي إذ تتولى تصويب عنقه، تعيد تذكيره بأنه على أبواب المجلس النيابي الذي أعطى الثقة لحسان دياب. أليست هي بدورها ما يتولى تصويب أعناق النواب ورؤسائهم؟ إذاً هي الصواب وهي الضرورة وهي الصورة المكتملة لرجل العصابة ولرجل المصرف. وواحدنا إذ سقط في فخها ذات يوم، فهو فعل ذلك في لحظة مغادرته نفسه. لقد ارتديت ربطة العنق لكي أغادر نفسي، ولكي أقنع آخر غيري، بأنها تتقدمني، وبأنني لست أنا إنما صورتي. 

حسان دياب أيضاً ارتدى لتوه ربطة عنق تولت محو ملامحه. لقد ارتداها لتوه، ولهذا ظهرت غير مستقيمة ومعيقة لشيء ما في وجهه. مذهل فعلاً أن يترافق الإفلاس مع تعاظم مهمة ربطة العنق. وزراء ونواب ومدراء مصارف، ورئيس جديد وحائر وغير طليق اللسان، تجمعهم كلهم ربطة عنق ووجه مراوغ وواقعة سطو. وعلى المرء الذي صار يمضي جزءاً من وقته في المصرف أن يستعيد صورته مرتدياً ربطة عنق! لماذا أقدم على هذه الفعلة؟ الأرجح أنه فعلها في لحظة يحتاج فيها أن لا يكون نفسه. ثم إنك في المصرف لذا عليك تجنب فكرة أن ربطة العنق تشبه المشنقة. هي معدة أيضاً لهذه المهمة. حركة سريعة وينقضي الأمر ويتحول واحدنا إلى مجرمٍ. علينا أن نطلب منهم الإقلاع عن ارتدائها. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني