fbpx

العسكر: إخوتنا أم إخوة السلطة!

يبقى الجدال في النقاشات العامة وفي الإعلام هو حدود مسؤولية الجيش الوطني بين حماية حقوق المواطنين والمتظاهرين من جهة، وبين حماية السلطة التي تنهش حقوق الناس ومكتسباتهم.

عقدت جلسة الثقة للحكومة اللبنانية الجديدة تحت مظلة حضور حاشد لقوى الجيش (أو تحت حمايته). عملياً، لم تكون الكلمة العليا على الأرض لقوى الأمن الداخلي أو الشرطة، التي لم تكن قادرة وحدها على الوقوف في وجه المتظاهرين وتأمين دخول النواب والوزراء إلى البرلمان. 

كان لفرقة مغاوير الجيش اليد الطولى في السيطرة على الأرض. 

عقدت الجلسة العتيدة لمنح حكومة الرئيس حسان دياب الثقة رغم الرفض الشعبي العارم في الساحات المحيطة بمجلس النواب، ويعود الفضل الكبير في ذلك إلى الأوامر العسكرية الصارمة التي وُجّهت في أكثر من نقطة حساسة، وهي أوامر نصّت على إبعاد المتظاهرين ولو بالقوة حتى يعبر النواب والوزراء بسلام إلى داخل البرلمان.

إذاً الجيش لم يعد على الحياد، والتمايز النسبي الذي بدا أن قائد الجيش اعتمده منذ بداية الانتفاضة بإعلان رفضه قمع المتظاهرين في الكثير من الأحيان انتهى. ويبدو أن الجيش دخل مرحلة الانصياع الكامل إلى أمرة رئيس الجمهورية ميشال عون، الذي تسرب أكثر من مرة في الإعلام أنه ممتعض من أداء الجيش في الفترة الأولى من الانتفاضة.

مع هذه التغييرات، يبقى الجدال في النقاشات العامة وفي الإعلام هو حدود مسؤولية الجيش الوطني بين حماية حقوق المواطنين والمتظاهرين من جهة، وبين حماية السلطة التي تنهش حقوق الناس ومكتسباتهم.

تقديس الجزمة العسكرية

منذ ما قبل الانتفاضة تجهد محاولات لفرض قداسة ما حول الجيش، وتحصينه من اي انتقاد أو تناول داخلي على نحو ما حصل في دول محيطة مثل سوريا ومصر. تكرر في لبنان ترويج هالة حول الجيش وعناصره ودوره عبر شعارات وأغاني ولغة اعتمدها سياسيون وشخصيات عامة وكذلك إعلاميون وإعلاميات والذين عمد بعضهم خلال الفترة الاخيرة من الانتفاضة الى تقريع ونهر المتظاهرين الذين يقولون كلاماً قاسياً بحق الجيش.

يكاد يستحيل مثلاً أن تفسح مراسلات تلفزيونيات معروفات مثل راشيل كرم أو ندى إندراوس عزيز لمتظاهرين إعطاء شهادة على الهواء مباشرةً، فلقد تكرر نهرهن مواطنين ومواطنات مباشرة على الهواء لأنهم تجرأوا وقالوا كلاماً قاسياً نقدياً بحق الجيش… 

منذ ما قبل الانتفاضة تجهد محاولات لفرض قداسة ما حول الجيش، وتحصينه من اي انتقاد أو تناول داخلي على نحو ما حصل في دول محيطة مثل سوريا ومصر.

وكأننا في لبنان بات من الأسهل علينا أن نرى الفنانة الاستعراضية الجريئة هيفا وهبي على قناة “المنار” التابعة لحزب الله مثلاً من أن يقول مواطن علناً أن عنصراً من الجيش اعتدى عليه.

في العقدين الأخيرين، لعبت عوامل عدة دورها في ظاهرة محاولة تقديس الجيش المنتشرة، منها حرب مخيم نهر البارد عام 2007 ضد جماعات متطرفة، وقتال الجيش في أكثر من مواجهة مع تنظيمات صغيرة متشددة وصولاً الى مواجهته ضد جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية على حدود لبنان الشرقية والتي سبقها خطف عناصر للجيش وقتلهم.

كان الجيش غالباً ما ينال تضامن وتعاطف الأهالي، في أي مواجهة يقوم بها، بخاصة في بيئة التيار العوني الذي له تاريخه مع المؤسسة العسكرية التي ينحدر منها الرئيس عون والتي خاض على رأسها حرباً طاحنة ضد النظام السوري نهاية الحرب اللبنانية والتي انتهت بانتكاسة مدوية للجيش.

من الشائع اليوم في لبنان أن نسمع عبارات التضامن مع الجيش، ربما بسبب ضعفه، وربما بسبب “طيبته” مقارنةً بالجيش العربي السوري “الشقيق” الّذي حكمنا ونعرف مدى “طيبة قلبه”.

غالباً ما ينال الجيش تضامن وتعاطف الأهالي، في أي مواجهة يقوم بها، بخاصة في بيئة التيار العوني.

لكن إذا عدنا إلى أساس الجدل القائم دائماً عند أي مواجهة غير متكافئة أصلاً بين المتظاهرين ونخب الفرق الخاصة في الجيش كالمغاوير، فهل فعلاً الجيش مغلوب على أمره ولا يمكنه أن يلعب دوراً وطنياً كبيراً في ظل حالة انهيار حتمية، أم أنه سيظل ينفذ أوامر سلطة سرقت قوة عمل عناصره وضباطه وأفقدتهم القيمة الشرائية لرواتبهم الهزيلة (العسكر لا الضباط)، أم أن الطبقية الّتي تقع أيضاً داخل المؤسسة العسكرية تحول دون اتخاذ قرارات أقله حيادية لا داعمة للمتظاهرين؟ (هناك فوارق شاسعة في الامتيازات والتحفيزات بين الضباط والعمداء، والعناصر). 

الشيء الإيجابي في “ضعف” الجيش هو استحالة تكرار سيناريو مصر وتاريخها مع المؤسسة العسكرية، عدا عن وجود ميليشيات أقوى منه (حزب الله). الواقع المحيط بنا في المنطقة يقول إنه غالباً ما تسعى الجيوش للسيطرة السياسية على البلاد في الأزمات والثورات واستغلال الأوضاع. هذا غير وارد أقله إلى الآن في لبنان “لحسن الحظ طبعاً”، لكن وبما أن الأزمة الاقتصادية جامعة بين عموم الناس والجيش، وبما أن معظم المتظاهرين ووسائل الإعلام والسلطة يعتبرون العسكر “إخوتهم”، فليت هؤلاء الإخوة يرأفون بالمتظاهرين، وهم ينهالون عليهم ضرباً على الرؤوس، فليرحموا الرؤوس على الأقل! فالأخ الكبير يضرب أخيه أحياناً، لكن لا ينسى أنه أخوه، أرجوكم لا تنسوا ذلك يا “إخوتنا”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
خالد سليمان ومروة صعب
الخوف هو من المواد التي تناثرت في المياه من جانب وطبيعة تلك المواد التي كانت موجودة في المرفأ …
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني