ما بين “البعث” والدول المسيطرة: كارثة تحكم مناهج التعليم السوري

لا تقتصر الحرب في سوريا على الاحتلال العسكري المباشر بين القوى الدولية والإقليمية المتصارعة، إنما تعداه إلى خطر يهدد هوية الشعب السوري وثقافته بالسيطرة على قطاع التعليم.

لا تقتصر الحرب في سوريا على الاحتلال العسكري المباشر بين القوى الدولية والإقليمية المتصارعة، إنما تعداه إلى خطر يهدد هوية الشعب السوري وثقافته ومستقبله، عبر ترسيخ السيطرة على الأرض وتقاسم النفوذ بين الدول التي تعدّ نفسها معنية بالملف السوري، والأخطر الصراع على السيطرة على قطاع التعليم بمراحله المختلفة في تهديد مباشر لمستقبل سوريا وأجيالها الحالية والقادمة.

أضرار القطاع التعليمي بعد 9 سنوات من الحرب

خلص تقرير صادر عن “منظمة الأمم المتحدة للطفولة” (يونسيف)، في شهر آب/ أغسطس عام 2019، إلى النتائج التالية: 

  • عدد الأطفال النازحين داخلياً 2.6 مليون.
  • عدد الأطفال اللاجئين في دول الجوار أكثر من 2.5 مليون.
  • تعرّض نحو 40 في المئة من البنية التحتية للمدارس في سوريا للضرر أو للدمار أثناء الحرب.
  • أكثر من مليوني طفل داخل سوريا– أي أكثر من ثلث الأطفال السوريين – هم خارج المدرسة، فيما يواجه 1.3 مليون طفل خطر التسرب.
  • الأطفال السوريون خارج سوريا، لا يزال أكثر من 800 ألف طفل منهم خارج المدرسة.

هذه الأرقام المرعبة تنذر بكارثة في مستقبل سوريا، متمثلة في أجيالها المحرومة من التعليم، وهذه الصعوبات بتعليمهم تزيد من احتمال تفشي الجهل والأمية والتخلف في أوساطهم، فيما يُنتظر من هذه الأجيال إعادة بناء وطنها المدمر من الألف إلى الياء.

السيطرة على التعليم استكمال للاحتلال العسكري

لم تكتفِ الدول المتدخلة في الملف السوري بسيطرتها العسكرية، الاقتصادية، بل استكملت مشاريعها بالسيطرة على القطاع التعليمي والتربوي في مراحل التعليم المختلفة، كل دولة في مناطق سيطرتها العسكرية لضمان استدامة سطوتها، وبقائها في نسيج المجتمع كأمر واقع لا مفر منه، ويمكن تقسيم هذه الخطط بحسب كل دولة أو سلطة أمر واقع تسيطر على حيز جغرافي محدد كما يلي:

أولاً: في مناطق سيطرة نظام الأسد 

لا يكفي سوء المناهج التعليمية في سوريا وربطها بسياسات وأدبيات “حزب البعث” الحاكم في سوريا، ومساهمتها في أدلجة أجيال سورية سابقة وحالية، حتى تكتمل الكارثة بتسابق إيراني- روسي محموم للسيطرة على قطاع التعليم، لترسخ كل دولة مشروعها الخاص في سوريا، عبر فرض لغتها أو مناهجها التعليمية في المراحل التعليمية المختلفة.

إيران تكللت محاولتها بالنجاح عبر توقيع وزير التعليم والتربية الإيراني محسن حاجي ميرزائي ونظيره في حكومة النظام عماد موفق العزب في دمشق يوم الخميس 23 كانون الثاني/ يناير عام 2020، مذكرة تفاهم، تقضي بإشراف وزارة التعليم والتربية الإيرانية على تعديل المناهج الدراسية السورية وطباعتها في إيران، إضافة إلى مساهمات أخرى كثيرة يتعلق جميعها بقطاع التربية والتعليم في سوريا.

وبحسب الموقع الرسمي للحكومة اﻹيرانية، “فإن ميرزائي أبلغ رئيس حكومة النظام، خلال اجتماعه به، أن إيران ستنقل تجاربها في مجالات التخطيط التربوي والمعدات التعليمية والكتب المدرسية والمحتوى التعليمي، وأنها ستبني مجمعاً للعلوم والتكنولوجيا في سوريا، واعتبار الفارسية لغة ثانية واختيارية في الثانويات السورية، وإقامة دورات تأهيل للمعلمين السوريين في إيران، وإجراء دورات تدريبية في مجال التخطيط والتقييم الأكاديمي، وصوغ المحتوى التعليمي وتأهيل المدربين المحترفين. كما أن منظمة تجديد وتطوير وتجهيز المدارس في إيران ستشرف على بناء المدارس السورية وتحديثها، وستقدم دورات تدريبية فنية متخصصة.

كما سيقدم مركز تعليم الأطفال والمراهقين اﻹيراني دورات في مجال المعلوماتية، فضلاً عن أدب الأطفال والرسم والسينما ومسرح العرائس”.

ومما تقدم يمكن استنتاج أن إيران ستسيطر في السنوات المقبلة على قطاع التعليم كاملاً في سوريا، وستنقذ مشاريعها الفكرية السياسية والعقائدية الدينية قبل العسكرية، على أجيال سوريا المختلفة من بوابة التعليم.

لم تكتفِ الدول المتدخلة في الملف السوري بسيطرتها العسكرية، الاقتصادية، بل استكملت مشاريعها بالسيطرة على القطاع التعليمي والتربوي في مراحل التعليم المختلفة.

أما بالنسبة إلى روسيا، فعمدت وزارة التربية في حكومة الأسد إلى عقد اتفاق مع وزارة التربية الروسية لإدخال اللغة الروسية إلى الصفوف الإعدادية، كلغة أجنبية ثالثة بعد الإنكليزية والفرنسية. وقال المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم الروسية ستانيسلاف غابونينكو: “شبكة مراكز التعليم المفتوح باللغة الروسية، ستظهر في سوريا خلال الأعوام ما بين 2019 و2025، كما ستقوم الجامعات السورية بافتتاح كليات اللغة الروسية في جامعتي اللاذقية وحمص مع بداية العام الدراسي، إضافة إلى افتتاح الكثير من المعاهد في جامعة حلب لتعلم اللغة الروسية”.

كما نشرت اتفاقية تم توقيعها بين النظام السوري ووزارة الدفاع الروسية على الموقع الرسمي للمعلومات القانونية الروسية، في 20 أيلول/ سبتمبر عام 2018، ليسري مفعولها بدءاً من 20 تشرين الأول/ أكتوبر من العام ذاته.

أتاحت الاتفاقية الأخيرة لروسيا بضم أطفال سوريين إلى كلياتها العسكرية التابعة للوزارة، بناء على مناهج تم وضعها للطلاب العسكريين الروس في الكليات العسكرية الروسية، وسيكون تعليم الطلاب مجانياً وتتولى روسيا بموجب الاتفاقية النفقات الخاصة بتعليم الطلاب العسكريين السوريين وإقامتهم.

ثانياً: في مناطق سيطرة المعارضة السورية 

في مناطق سيطرة المعارضة السورية على الشريط الحدودي في مناطق شمال سوريا (غرب الفرات)، والخاضعة لسيطرة تركيا، تدرس مناهج معدلة عن المنهاج السوري القديم باللغة العربية. وتتبع مديريات التعليم لوزارة التربية التركية، وتشرف على الامتحانات وزارة التربية في الحكومة السورية الموقتة التابعة للائتلاف السوري المعارض، ويُرفع العلم التركي فوق الكثير من المقرّات والهيئات الحكومية. كما تُكتب أسماء هذه الدوائر باللغتين التركية والعربية، وفي تشرين الأول 2019، نشرت الجريدة الرسمية التركية أن جامعة غازي عنتاب ستفتح ثلاث كليات شمال سوريا، وهي كلية للعلوم الإسلامية في اعزاز، وأخرى للتربية في عفرين وثالثة للاقتصاد وعلوم الإدارة في الباب، في خطوة تعتبر بداية لتتريك التعليم في مناطق سيطرة تركيا.

أما في محافظة إدلب ومنذ خروجها عن سيطرة نظام الأسد، كان يدرس فيها منهاج سوري معدل من قبل الحكومة الموقتة التابعة للائتلاف وتمنح شهادات إعدادية وثانوية، وافتتحت كليات جامعية فيها، إلى أن سيطرت حكومة الإنقاذ التابعة لهيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) وقامت وزارة التعليم فيها بفرض منهاج خاص بها، وسيطرت على الجامعات التي كانت تتبع للحكومة الموقتة وأصبحت تتبع لها ويواجه الطلاب مشكلة الاعتراف بهذه الشهادات.

ثالثاً: التعليم في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية شمال شرقي سوريا 

قامت الإدارة الذاتية بتغيير المناهج الدراسية في مناطق شرق الفرات، وألفت مناهج دراسية من الصف الأول حتى الحادي عشر، وضمنتها أهداف “حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي”، وأدخلت الإدارة الذاتية مادة علوم المجتمع والحياة إلى مواد التعليمية الرئيسية، “تتحدث عن فلسفة الحزب، وتحتوي على صور عبد الله أوجلان وتعرض أقواله وفلسفته”.

وقسمت المدارس إلى ثلاث لغات: الكردية والعربية والسريانية، إذ يدرس الكردي في المدارس الكردية والعربي في المدارس العربية والسرياني في المدارس السريانية، وتقتصر المدارس التابعة للنظام على المربع الأمني في مدينتي الحسكة والقامشلي، إلا أنها تشهد ازدحاماً كبيراً، نتيجة إقبال الطلاب على المدارس التابعة لحكومة النظام، نظراً لحصولها على اعتراف يخول الطلاب دخول الجامعات في سوريا وخارجها.

هذا الواقع التعليمي الأسود في سوريا يتجلى إما بوجود مئات آلاف الأطفال الذين لا يتلقون أي تعليم ويهددهم خطر الأمية والجهل، أو بوجود تعليم مؤدلج فرضته سلطات أمر واقع، كل واحدة في منطقة سيطرتها العسكرية، لخدمة مشاريع الدول التي تسيطر على القرار السوري ومستقبل التعليم فيه وتُنشئ أجيالاً تضمن لها استمرار وجودها العسكري، ونجاح مشاريعها في بلد مقسم أنهكت شعبه الحرب. وبذلك يدرس شعب سوريا أكثر من منهاج تعليمي ودراسي، وتختلف طرائق التدريس وأهدافه، ولا يتوقع أن يكون مستقبل سوريا إلا أكثر ظلاماً وسوداوية، إن لم يتم تدارك هذه الكارثة في أسرع وقت ممكن، وهذا لن يتحقق بغياب حل سياسي عادل وسريع يضع في مقدمة جدول أعماله أطفال سوريا ومستقبلهم التعليمي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

كارمن كريم – صحفية سورية
“تخيلي فقط أن خاتم الزواج هو الطلقة الأخيرة في وجه الحاجة، والنساء يأتين ويطلقنها مباشرة من أصابعهن، لكن ماذا بعد خاتم الزواج؟ كيف ستعيش تلك العائلات؟”.
شبكة “نيريج” للصحافة الاستقصائية في العراق
يقول خدر علي وهو يحاول منع نفسه من البكاء بينما ينظر باتجاه بقايا المدينة القديمة المدمرة :”بعد 70 حملة ابادة، نجحنا في مقاومتها جميعاً والبقاء هنا، اليوم نحن أقرب من أيّ وقت مضى للانكسار والضياع”.
صفية مهدي – صحافية يمنية
يمثل عدم إعلان السلطات الصحية الخاضعة للحوثيين، عن أعداد الضحايا، أبرز قضية محورية تُثار حولها الأسئلة المتصلة بتفشي “كورونا” في اليمن
نور يوسف – صحافية لبنانية
“اللبناني بلبنان مذلول وحالياً عم ينذل برا”. بهذه العبارة اختصر الطالب حسن حديد الوضع المأساوي الذي يعيشه طلاب لبنانيون في الخارج في ظل جائحة “كورونا” والوضع الاقتصادي السيئ
شفان ابراهيم – صحافي سوري كردي
“قبل القفزة الجنونية للدولار كان الفقراء يكتفون بشراء ربع كيلو من اللحم وبالدين حتّى نهاية الشهر، الآن لا نبيع في اليوم كله 15 كلغ، وأغلبه بالدين”…
خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
تؤكد الأبحاث إمكانية انتشار فايروس كورونا عبر مياه الصرف الصحي وهذا مؤشر خطير، بخاصة في بلد مثل العراق لا يبدو مهتماً بمعالجة الأمر. واقع قد يجعل العراقيين عرضة لجموح الوباء…
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني