ترامب يحقّق أحلام نتانياهو…

فبراير 13, 2020
"صفقة القرن" التي أعلنها ترامب تمثّل تجسيداً لأفكار نتانياهو في وثيقة مفصّلة للغاية، مع خريطة للحدود المستقبليّة وقائمة طويلة بالاتفاقيات الأمنية والاقتصادية.

حققت خطةُ السلام في الشرق الأوسط، التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، معظمَ الأحلام السياسيّة لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتانياهو. أبرز العناصر الجديدة في الخطّة هو الاعتراف الأميركيّ بشرعيّة المطالب الإسرائيليّة بالاستيلاء على أراضي الضفة الغربية لأسبابٍ قانونية وأمنية وتاريخية.

تتشدّق الخطة بقبول قرار الأمم المتحدة رقم 242، الذي كان أساس عمليّة “الأرض مقابل السلام” بين إسرائيل وجيرانها؛ ولكن في الوقت نفسه تضرب عرض الحائط بمئات القرارات الأخرى التي أصدرتها المؤسّسات الدولية التي عارضَت الاحتلال والاستيطان الإسرائيليّ ووصفَتهما باللاشرعيّة واللاقانونيّة. إضافةً إلى هذا، فإنّ الخطّة تقدم – لأول مرة – ضوءاً أخضر من البيت الأبيض لإسرائيل لبسط سلطتها القانونية على المستوطنات ووادي نهر الأردن.

عرَضَ نتانياهو هذه المبادئ في كتابه “مكان بين الأمم”، المنشور منذ نحو ربع قرن مضى، باعتبارِها رداً من اليمين الإسرائيلي على اتفاقية أوسلو. ألقى نتانياهو، في ذلك الوقت، اللائمة على الغرب لخيانته الصهيونية وتصويرِه إسرائيل بأنّها دولة محتلة تهجم على جيرانِها، بدلاً من تصويرها بأنّها ضحيّة العدوان وبحاجة إلى “حائط دفاعيّ” يتمثّل في جبال يهوذا والسامرة وهضبة الجولان. حين عاد نتانياهو إلى السلطة عام 2009، ألقى خطابه في جامعة بار إيلان، وفيه أبدى للمرة الأولى موافقته على إنشاء دولة فلسطينيّة غير مسلّحة تعترف بإسرائيل على أنها دولة الشعب اليهودي. لاحقاً قدّم شروطاً إضافية لعقد اتفاقية سلام، ومن بينها الاعتراض تماماً على إخلاء المستوطنات وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيّين إلى إسرائيل. غير أنّه رفض أن يقدم خريطة لما قد تبدو عليه هذه الدولة الفلسطينيّة المستقبليّة، أو أن يُفصّل رؤيته بار إيلان عبر تقديم خطّة عمليّة. كلّ هذا تغيَّر الآن.

“صفقة القرن” التي أعلنها ترامب تمثّل تجسيداً لأفكار نتانياهو في وثيقة مفصّلة للغاية، مع خريطة للحدود المستقبليّة وقائمة طويلة بالاتفاقيات الأمنية والاقتصادية. والخطة وفيّة للمبادئ الأساسيّة التي قدّمتها الإدارات الأميركيّة على مدى الأعوام العشرين الماضية، منذ إطلاق “مَعايير كلينتون” Clinton Parameters: يتمّ تقسيم الأرض إلى دولتَين على أساس حدود عام 1967، ثم يتمّ تبادُل الأراضي، مع إنشاء طريق سريع من غزّة إلى الخليل في الضفّة الغربيّة، ليقوم ذلك الخطّ بوصل جزءي الدولة الفلسطينيّة؛ مع احتفاظ إسرائيل بالمسؤوليّة الأمنيّة على طول الحدود الخارجيّة وجوّاً وبحراً، إضافةً إلى الطيف الكهرومغناطيسيّ.

حققت خطةُ السلام في الشرق الأوسط معظمَ الأحلام السياسيّة لرئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتانياهو.

الفارق الأساسيّ – مقارنةً بالمقترحات التي قدمها الرؤساء السابقون بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما – هو أنّ المدينة القديمة في القدس ستظلّ تحت الإدارة الإسرائيليّة، مع احتفاظ إدارة الوقف الإسلاميّة والأردن بالاستقلاليّة الإداريّة في الحرم الشريف، مقابل السماح للمصلّين اليهود بالدخول والصلاة هناك.

وستكون العاصمة الفلسطينيّة في “الضواحي القريبة” خارج الحاجز الأمنيّ. وهناك فارق جوهريّ آخر هو أنّ خطّة ترامب تستبعد المطالبَ الفلسطينيّة بحقّ عودة اللاجئين أو تقديم تعويضات ماليّة ضخمة. فالعالَم الآن منشغل بقضايا اللاجئين السوريين وليس لديه الاهتمام أو الأموال للتعامُل مع قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين. فترامب، باختصار، يقول للفلسطينيّين: “أمضيتُم سبعين عاماً في مخيّمات اللاجئين، وحان الوقت لتتجاوزوا الأمر وتبحثوا عن حياة أخرى”.

ربّما كان اسم ترامب مقترناً بالخطّة، التي أُعِدّت لمساعدته في حشد تأييد الناخبين الإنجيليّين واليهود اليمينيّين في حملة إعادة انتخابه. ولكن “صفقة القرن”، قبل أيّ شيءٍ آخر، هي من إرث نتانياهو الذي ساعد على تشكيلها حين قام بتوظيف جهود ديبلوماسيّة مهمّة، فحقّق حلمه بعد سُويعات من توجيه اتهامات جنائيّة ضده رسمياً في محكمة القدس المحلّيّة. 

يتّجه مساره السياسيّ في قيادة إسرائيل إلى نهايته بكلّ وضوح. فمثل جميع أسلافه، دون استثناء، سار نتنياهو أيضاً في نفس المسار المأساويّ لرؤساء الوزراء الإسرائيليّين، الذين لم يختَر أيٌّ منهم التقاعُدَ طواعيةً. وفي ظل هذه الدراما التي وقعت أحداثها قاعات المحكمة وفي البيت الأبيض، تفوّق نتنياهو على أسلافه بتمسكه بالقصة القديمة؛ ولكن ربّما لن يساعده هذا في البقاء على رأس السلطة.

ستنطلِق قريباً الحملات الانتخابيّة للدورة الـ23 من الكنيست الإسرائيليّ، ومن الواضح أنّ حزبَ “الليكود” يتمتّع بموقع متميّز. وقد حصل بِيني غانتز – رئيس تحالُف “أبيض وأزرق” (كاحول لافان) – على اجتماع منفصل والتقط بعض الصور مع ترامب الذي وصفه بـ”الجنرال”.

الفارق الأساسيّ – مقارنةً بالمقترحات التي قدمها الرؤساء السابقون بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما – هو أنّ المدينة القديمة في القدس ستظلّ تحت الإدارة الإسرائيليّة.

في المقابل، أعلن غانتز دعمَ حزبه الخطّة، وتخلّى عن احتمال تشكيل كتلة نيابيّة مع تحالف “القائمة المشتركة” (للأحزاب العربيّة في إسرائيل)، الذي يُعارض بشدّة صفقةَ القرن. لن تحقّق خطّة ترامب سلاماً قريباً بين الإسرائيليين والفلسطينيّين، الذين رفضوا عروضاً أسخَى في الماضي. بل على الأرجح ستمهّد الطريق لتوحيد حزب “الليكود” وتحالُف “أبيض وأزرق”، اللذَين يتّفقان الآن في الشؤون الخارجيّة والأمنيّة. كلّ ما يتبقّى هو إيجاد صيغة لإزالة نتانياهو عن الطريق، أو على الأقلّ إنهاء مدّته عبر محاكمته.

هذا المقال مترجم عن haaretz.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ترجمة – Slate
كريم شاهين صحافي عمل في سوريا خمس سنوات. كان أحد الصحافيين الغربيين القلائل الذين دخلوا إدلب، آخر معاقل المتمردين التي فشل الرئيس السوري بشار الأسد في استعادتها، فأصبحت الملاذ الأخير للذين اضطروا إلى الفرار من مساكنهم مرةً تلو الأخرى.
ترجمة – Foreign Policy
في نظام يأتي فيه حكم القانون في مرتبة لاحقة لوقائع السلطة المتّسِمة بالوحشية، يكمُن أحد التحديات الرئيسة في كيفية تسليم أيّ شخصٍ منصبه مع مكانة يتدفّق منها الأمن والثروة.
ترجمات – Vice
أثارت حالة مؤكدة بمرض كوفيد-19، المخاوف من تفشي المرض في المخيم، حيث لا يحظى اللاجئون بالرعاية الطبية الملائمة
ترجمة – The Guardian
يستعرض الحكم بالتفصيل حملة المضايقات التي تعرضت لها الأميرة هيا. وقبل القاضي تقريباً كافة الادعاءات التي قدمتها على اعتبار أنها صحيحة
ترجمة – The Guardian
دفع أهل سراقب ثمناً باهظاً مقابل تذوق طعم الحرية لفترة وجيزة.
ترجمات – Csmonitor
تتوالَى الرحلات الجويّة إلى ليبيا يوميّاً، تحمل جنوداً من السودان ومقاتلين من سوريا ومستشارين عسكريّين من تركيا ودبّاباتٍ وطائرات موجَّهة من الإمارات والأردن.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني