fbpx

العراق: ماذا كسب الصدر… ماذا خسرت “الثورة”؟

لم يتوقع الصدر أن خروج أنصاره من الساحات سيزيدها زخماً ومعارضة، ما جعله يعود عن قراره الذي اتخذه بالانسحاب منها في غضون أيام، لكن العودة هذه المرة اتسمت بالعدائية والعنف بين الطرفين.

واحدة من مفاجآت “ثورة تشرين” العراقية، كانت حالة الطلاق البائن بين المتظاهرين في الساحات وبين ذوي “القبعات الزرق” التابعين لزعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، فبعدما كان التماهي بين الطرفين في ساحات الاحتجاج واضح المعالم، صار الفصل بينهما أكثر وضوحاً، فقد تدهورت الأمور إلى مواجهة دموية بلغت ذروتها يوم الأربعاء الماضي (5 شباط/ فبراير الحالي) في مدينة النجف، وراح ضحيتها العشرات بين قتلى وجرحى.

وإذ كسب الصدر جولة بتنصيب مرشح مقبول من قبله لرئاسة الحكومة “الانتقالية”، وهو محمد توفيق علاوي (كما أظهر ذلك في تغريدة على حسابه الشخصي في “تويتر”)، فإن شباب “الثورة” خسروا جمهور الصدر وما يملكه من نفوذ وحماية في مواجهة سلطات وجماعات تتربص بهم طوال أربعة أشهر، بعد قرار الزعيم الديني والسياسي المثير للجدل بفك الارتباط مع الساحات احتجاجاً على مواقف وسلوكيات لا تتوافق مع متبنياته الفكرية، وهو ما فهمه المتظاهرون كخطوة براغماتية حصلت بفضل حصوله على منصب رئيس الحكومة، مفضلين مواجهة المخاطر لوحدهم، كون غايتهم لم تتحقق بعد.

أصحاب القبعات الزرق

هذان المساران المختلفان تماماً كادا يشكلان ملامح النهاية لحراك احتجاجي هو الأول من نوعه منذ 2003، لولا ديناميكية هذا الحراك الذي ما أن شعر أفراده بالخذلان وفقدان الحماية، حتى نجحوا بسهولة وعنادٍ انتقده الصدر في تغريدة أخرى سابقة، بجمع الحشود المطلوبة لتمتينه مرة أخرى، وتأجيل مخططات القضاء عليه (من قبل الجهات المتضررة)، وبذلك كسب الحراك زخماً شعبياً جديداً، نجح في تعويض خسارة “الصدريين”، ومنحهم شيئاً من الثقة وإعادة التموضع داخل المشهد السياسي العراقي.

لم يتوقع الصدر أن خروج أنصاره من الساحات سيزيدها زخماً ومعارضة، ما جعله يعود عن قراره الذي اتخذه بالانسحاب منها في غضون أيام، لكن العودة هذه المرة اتسمت بالعدائية والعنف بين الطرفين، فازدادت مشاهد القمع في أكثر من موقع، وهنا تغير موقع الصدر ومكانته بنظر المحتجين من حامٍ لـ”الثورة” إلى عدوها الأول في مفارقة مؤلمة للطرفين. وذلك حتى خلعت الأطراف السياسية المتضررة من الحراك أسلحتها، وتنحت جانباً للاكتفاء بالتفرج، ومال بعضها إلى صب الزيت على نيران المعركة، فدخل ذوو القبعات الزرق (الصدريون) في مواجهة مباشرة مع شباب “الثورة” العزل، وتورطوا بطردهم من بعض ساحات التظاهر (النجف وكربلاء وقبلهما من المطعم التركي أحد أبرز معالم الثورة في بغداد)، بذريعة تنقية التظاهرات من المندسين والمخربين، ما أشعل حملة غير مسبوقة ضد الصدر في مواقع التواصل الاجتماعي، آخرها حملة الإبلاغ على حسابه الوحيد في “تويتر”.

ازدادت مشاهد القمع في أكثر من موقع، وهنا تغير موقع الصدر ومكانته بنظر المحتجين من حامٍ لـ”الثورة” إلى عدوها الأول في مفارقة مؤلمة للطرفين.

وكاد مسلسل الطرد والدماء يستمر لولا عناد المنتفضين ونجاحهم في استحصال خطاب داعم لهم من قبل المرجع الديني الأعلى في النجف علي السيستاني، وهو الرجل الأكثر تأثيراً دينياً وسياسياً، خلال العقدين الأخيرين في العراق، إذ أكد في خطبة الجمعة عدم أحقية أي جهة بالحلول محل القوات الرسمية، وهو ما ساهم الى حد كبير في إصدار الصدر قراراً بسحب أتباعه من الساحات والمواقع المذكورة، وإرسال ممثله للتفاوض مع المتظاهرين. أحرج الأمر المؤسسة العسكرية (وزارة الدفاع)، فقامت بإصدار بيان شددت خلاله على مراقبتها الوضع واستعدادها للتدخل بهدف حماية الساحات، وهو ما انعكس في تظاهرات ساحة الصدرين وسط النجف الأخيرة، حين منعت القوات الحكومية أي احتكاك بين الطرفين بُعيد هتافات ضد الصدر.

أين أخطأ الصدر؟

خلال العقد الأخير أظهر الصدر براعة في لعب الأدوار السياسية، لكن المنزلق الأخير شكّل بالنسبة إليه غلطة الشاطر التي وضعته في أكثر المراحل صعوبة في تاريخه، والسبب كان الاستعجال في حسم المعركة، والوصول الى الأهداف السياسية بسرعة ومن دون مراعاة لرواد الاحتجاج أو محاولة إقناعهم، إّ تصرف معهم كأتباع لا كشركاء لهم آراؤهم التي ينبغي احترامها، في ظل تورط تياره بتاريخ طويل من الصفقات السياسية، ما زاد من حجم المعارضة لأهدافه داخل ساحات التظاهر.

هذا الأمر فاقم حالة المواجهة بين الطرفين، فازدادت معه حملة الاستهداف المتبادل: الصدريون ضغطوا ميدانياً على الساحات، والمحتجون ردّوا على مواقع التواصل الاجتماعي، في حملة غير مسبوقة على الصدر منذ 2003 فشلت خلالها معظم محاولات أنصاره في صدّها، لا لعدم استعدادهم، بل لأنهم لم يملكوا إجابات حقيقية لتبرير قرار “الانقلاب” عليهم، كونهم يعتمدون نهج الطاعة وليس القناعة لقائدهم. وهو أمر لم يفلح مع “الثوار” الآخرين الذين يؤمنون بالمساواة والحرية في التعبير، الأمر الذي أظهر الشرخ الفكري والمنهجي العميق بين الطرفين.

الانقلاب في الموقف (من وجهة نظر المحتجين)، جعل الصدر يخسر شرائح مهمة كانت متعاطفة معه داخل المجتمع، تنتمي الى الطبقة الوسطى التي ينشط فيها مدونون وصحافيون ومثقفون وأكاديميون ونقابيون ورجال أعمال وأطباء وغيرهم، فضلاً عن الشرائح الكادحة التي تضررت بسبب الفساد المالي، ما شكل خسارة فادحة مضافة إلى الانشقاقات الكثيرة التي تعرض لها التيار الصدري لأسباب تتعلق بتأييد استمرار الحراك الثوري، الأمر الذي جعل المشهد قاسياً جداً عليه.

الصدريون ضغطوا ميدانياً على الساحات، والمحتجون ردّوا على مواقع التواصل الاجتماعي، في حملة غير مسبوقة على الصدر منذ 2003 فشلت خلالها معظم محاولات أنصاره في صدّها.

وكما هي عادة الصدر في الهروب إلى الأمام، فإنه لم يشأ الاستسلام، ومغادرة موقعه كـ”قائد” وموجّه للثورة، على رغم الاحتفاظ بنفوذ داخل السلطة، فأصدر أخيراً بياناً سمّاه “ميثاق ثورة الإصلاح”، تضمن بنوداً لا شك في أن بعضها كان جيداً. وجاء بعد مفاوضات عقدها مستشاره الأمني (أبو دعاء العيساوي) مع المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد لترطيب الأجواء، أبرزها سحب ذوي القبعات الزرق من تلك الساحات، لكن بعض هؤلاء استفز الساحات المجروحة مجدداً، لا سيما تلك التي ساوت بين اختلاط الجنسين (وهو أمر شائع منذ بداية “الثورة”) بتعاطي المخدرات والمشروبات الكحولية داخل الاعتصامات المستمرة منذ 25 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، فضلاً عن بند غريب آخر هو عدم رفض التعيينات السياسية، الأمر الذي جعل معظم هتافات المحتجين توجه ضده في تظاهرات الطلبة الأخيرة.

صورة من تظاهرات الطلبة

يظل تغيير موقف الصدر من الساحات غامضاً، وسواء صدقت أم أخطأت التكهنات والتسريبات التي أشارت إلى تأثير إيراني بسبب وجوده داخل الجمهورية الإسلامية منذ بدء الاحتجاجات، إلا أنه كان لاندفاعه الكبير نحو حسم الأوضاع بسبب انتصاره على جميع الفرقاء السياسيين، أثر كبير بهذا التسرع، فهو حين أراد تتويج مهاراته الثورية والسياسية بمكسب جديد، اصطدم بالموج البشري الرافض، وبتصرفات أنصار له خرجوا عن السيطرة، ولم تكن مورد قبوله بحسب تسريبات مقربين منه، الأمر الذي جعله أقرب لعدّاء ماهر دخل سباق المسافات الطويلة من دون “إحماء”، فتعرض للإصابة قُبيل الوصول الى خط النهاية.

يظهر أن الثورة خسرت جمهور الصدر، وهو جمهور مطيع وغير منضبط في بعض الأحيان، لكنها كسبت الثبات.

من كل ذلك ومن خلال هتافات المحتجين، يظهر أن الثورة خسرت جمهور الصدر، وهو جمهور مطيع وغير منضبط في بعض الأحيان، لكنها كسبت الثبات (العنوان الذي حملته التظاهرات) والاستمرار، واستفادت من اندفاع شرائح المجتمع التي كانت ترى في وجود الصدريين مثلبةً بسبب اعتبارهم جزءاً من الطبقة السياسية. لكن هذا لا يعني غلق الباب بوجه الصدريين الى الأبد، لكن عودتهم هذه المرة سوف تكون وفق قواعد جديدة. أما مكاسب الصدر فتتمثل (في نظر المحتجين على الأقل)، بحصوله على رئاسة الحكومة، على رغم إنكار ممثليه ذلك، إلا أنه في المقابل، خسر شرائح مهمة داخل المجتمع كانت تراها الأقرب إلى هاجس الشارع، وهذا ما ستظهره نتائجه في الانتخابات المبكرة المقبلة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني