باتريك جورج… هكذا تعتقل مصر باحثيها وحقوقييها الشجعان

أمضى باتريك ليلته الأولى بعد الاعتقال تحت التعذيب الذي تخطى الضرب والصعق بالكهرباء على مدار 24 ساعة.

لا أنحاز إلى الألقاب المحملة بالقداسة والنزاهة الكاملة، لكن باتريك جورج يقف على ناصية لقب “القديس” ويبتسم ابتسامته المطمئنة، ابتسامة تتجاوز اللقب لمعانيه وإحالاته، يكثف حتى في غيابه الحالي خلف قضبان السجون، سردية موازية لسردية القديس باتريك، المسيحي صاحب أسطورة تكدير طمأنينة أفاعي أيرلندا، بنبتة النفل الخضراء ذات الوريقات الثلاث. وباتريك جورج نبتته الثورة بأوراقها الثلاث “عيش حرية عدالة اجتماعية”، يكدر أفاعي مصر، لا يرتدي ثوب قديس، بل نظارة الباحث الراصد انتهاكات الأحوال الشخصية بحق مواطني مصر والتعديات بحق الأقباط خصوصاً.

باتريك جورج زكي شاب قبطي بوجه هادئ وحديث منضبط ومتوازن، والبارز فيه أنه على رغم محاولات إسكاته، لم يتخلَّ عن رصد الانتهاكات التي يتعرض لها أقباط مصر من تهجير وقتل وتضييق وحرق كنائس. يرصد ما يحدث يوماً بيوم، لكن حديث القبطي عن أوجاع القبطي في مصر غير مستساغ، وتتذرع السلطة لوقفه بمخاوف من توسع الشقاق بين الأخوة وتأجيج الفتن الطائفية الكامنة أو المكشوفة والتي يحاول الإعلام والنظام طوال الوقت إنكارها.

الباحث باتريك جورج

سافر باتريك في العام الماضي إلى إيطاليا لدراسة النوع الاجتماعي استكمالاً لمشروعه البحثي المتصل بعمله كباحث في “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، وقرر في 7 شباط/ فبراير من هذا العام زيارة أهله في المنصورة، لكن ما أن وطئت قدماه أرض بلاده حتى استقبلته قوات الأمن بأمر الاعتقال الفوري، واقتيد في الرابعة والنصف فجراً في مطار القاهرة، إلى جهة غير معلومة في البداية، حتى ظهر في نيابة جنوب المنصورة. كانت جهة الاتهام تحضر لباتريك بحثاً أمنياً من 10 أوراق، اتهامات جاهزة تطيح بمستقبل باحث واعد، وهي إشاعة أخبار وبيانات كاذبة، والتحريض على التظاهر من دون الحصول على تصريح، والتحريض على قلب نظام الحكم، وإدارة واستخدام حساب على الشبكة المعلوماتية بغرض الإخلال بالنظام العام والإضرار بالأمن القومي.

أمضى باتريك ليلته الأولى بعد الاعتقال تحت التعذيب بحسب ما قال محاميه صامويل ثروت في تصريحات لـ”درج”، “باتريك تعرض للتعذيب الذي تخطى الضرب والصعق بالكهرباء على مدار 24 ساعة، لكنه طلب مني عدم ذكر تفاصيل حتى لا تتأثر أسرته بما مر به خلال استجوابه”.

وأشار ثروت إلى أن “باتريك فوجئ أثناء التحقيق معه بعشر صفحات عبارة عن “سكرين شوت” من تدوينات على “فايسبوك” ينسبها الأمن إليه، لكن باتريك أنكر أن يكون هذا الحساب الفايسبوكي له وأنكر الاتهامات الموجهة له، وعلى رغم ذلك تم البت في حبسه احتياطياً 15 يوماً حتى يعرض على جهاز الأمن الوطني”.

رغم محاولات إسكاته، لم يتخلَّ باتريك عن رصد الانتهاكات التي يتعرض لها أقباط مصر من تهجير وقتل وتضييق وحرق كنائس.

وتابع: “لا يمكننا الآن الاستئناف في مسألة حبسه احتياطياً، لكننا في انتظار عرضه على الأمن الوطني لنطلع على الادعاءات الموجهة لباتريك وحجم التهم التي تنتظره”.

وروى ثروت تفاصيل المكالمات الأخيرة لباتريك مع والده بعد هبوطه إلى مطار القاهرة: “اضطررنا إلى سماع تسجيل المكالمة بين باتريك ووالده حتى نعلم متى تم إلقاء القبض عليه، فقد هاتف باتريك والده فور هبوطه في مطار القاهرة ليعلمه بوصوله، لكنه بعد دقائق أخبر والده أن هناك مجموعة من الأفراد داخل المطار تحاول استجوابه ثم اقتياده بالقوة حتى أُغلق هاتف باتريك نهائياً”.

“المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” أصدرت بياناً بشأن الاعتقال، طالبت فيه “بالإفراج الفوري عن باتريك جورج زكي ووضع حد للمضايقات والاعتقالات العشوائية التي تستهدف العاملين بحقوق الإنسان والمجتمع المدني والصحافيين المستمرة منذ أيلول/ سبتمبر 2019. وقد تعرض 6 من العاملين في المبادرة المصرية منذ ذلك الشهر للتوقيف والاحتجاز – والذي طال لمدة 48 ساعة في واحدة من الحالات- في سياق حملة التوقيف والتفتيش القسري والعشوائي التي تستهدف بشكل خاص أي شخص نشط في الشأن العام بغض النظر عن طبيعة نشاطه”.

وأضاف البيان: “تعرض للتوقيف والتحقيق من قبل جهاز الأمن الوطني في مطار القاهرة.

وبعد التحقيق معه في المطار تم نقل باتريك إلى أحد مقرات الأمن الوطني بالقاهرة ثم لاحقاً إلى مقر آخر للأمن الوطني في مدينة المنصورة، محل ميلاده وسكنه الأصلي. تعرض باتريك في فترة اختفائه للتهديد والتعذيب والصعق بالكهرباء أثناء سؤاله عن عمله ونشاطه، طبقاً لمحاميه، قبل أن يظهر لأول مرة صباح السبت 8 شباط في إحدى نيابات المنصورة حيث بدأ التحقيق معه في ساعة متأخرة من النهار، ثم قررت النيابة حبسه 15 يوماً على ذمة التحقيق.

ما أن وطئت قدماه أرض بلاده حتى استقبلته قوات الأمن بأمر الاعتقال الفوري، واقتيد في الرابعة والنصف فجراً في مطار القاهرة، إلى جهة غير معلومة.

واطلع محامو باتريك على محضر ضبط محرر بتاريخ 8 شباط 2020 يدعي أن باتريك تم توقيفه والقبض عليه في أحد الكمائن في المنصورة بناء على أمر ضبط وإحضار صادر في 2019، وهو ادعاء غير صحيح إذ إن باتريك تم توقيفه في مطار القاهرة واقتياده إلى مقرات مختلفة لجهاز الأمن الوطني قبل ظهوره في النيابة. وقد واجهت النيابة العامة باتريك باتهامات عدة من ضمنها: إشاعة أخبار وبيانات كاذبة من شأنها تكدير السلم الاجتماعي وبث حالة من الفوضى، التحريض على التظاهر من دون الحصول على إذن من السلطات بهدف الإضعاف والانتقاص من هيبة الدولة وتكدير السلم والأمن العام، التحريض على قلب نظام الحكم وترويج مبادئ وأفكار ترمي إلى تغيير مبادئ الدستور الأساسية، إدارة واستخدام حساب على شبكة معلوماتية فايسبوك بغرض الإخلال بالنظام العام وتعريض سلامة المجتمع للخطر والإضرار بالأمن القومي، الترويج لارتكاب جريمة إرهابية والترويج لاستخدام العنف”.

وقفة تضامنية مع باتريك في إيطاليا

وبعدما تم تداول المعلومة الخاطئة بأن باتريك يحمل الجنسية الإيطالية ونفي وزارة الداخلية هذا في بيان رسمي، علق الحقوقي جمال عيد في تغريدة له قائلاً “الداخلية المصرية: باتريك جورج مصري فقط ولا يحمل الجنسية الإيطالية، الترجمة: المصريون حلال فيهم القمع والتنكيل، طالما لا يحملون جنسية أجنبية!”.

ونظم أصدقاء باتريك في جامعة بولونيا وقفة احتجاجية يعلنون فيها تضامنهم مع باتريك جورج ويطالبون بالإفراج عنه.

تعرض باتريك في فترة اختفائه للتهديد والتعذيب والصعق بالكهرباء أثناء سؤاله عن عمله ونشاطه، طبقاً لمحاميه.

تقول الأساطير إن الفضل يرجع للقديس باتريك في تكدير أفاعي أيرلندا، وبسبب نبتته الخضراء ذات الوريقات الثلاث فإن الشعب الأيرلندي ما زال يحتفل سنوياً بيوم القديس باتريك بارتداء الملابس الخضر والشارات الخضر في أجواء احتفالية، ولأن باتريك جورج لا تناسبه بدلة الاعتقال الزرقاء، فإن اعتقاله استمرار لقلب الموازين وهدم الشباب وتبديد الرغبة في التغيير الديموقراطي، باتريك جورج لا يناسبه الأزرق ويناسبنا أن نرتدي الأخضر الاحتفالي بعد إطلاق سراحه.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني