الانتفاضة اللبنانية: الوعي السياسي في الطفولة من موقع جسر الرينغ

الرينغ محور توتر طائفي بين مسيحيي الأشرفية وشيعة الخندق الغميق وسنة سليم سلام. ومحور توتر طبقي بين الخندق الغميق ووسط البلد بعد الإعمار. وهذا التوتر كان ينفجر في أوقات كثيرة بين أولاد الحي في أوقات اللعب واللهو.

عندما أخبرت حازم الأمين بأن الرينغ منطقة خبرتها منذ الطفولة وكبرت فيها، طلب مني الكتابة عنها. ترددت بداية، إذ قلما رغبت في الكتابة عن الأمكنة. الكثير من هذه الكتابات ينزلق بسهولة إلى تنميط فيتيشي عن المكان. ومنطقة الرينغ / التباريس مرشحة أكثر من سواها لهذا الانزلاق، بخاصة بعدما أصبحت موقعاً محورياً، له رمزيته في انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر، لا سيما طيلة الفترة السابقة بعد ليلة المصارف في الحمراء، والتي تمكن المجازفة بالقول إنها أذنت لمرحلة جديدة تصعيدية في الانتفاضة. لأسابيع طويلة، ظلت منطقة الرينغ في بيروت أشبه بميزان حرارة الشارع البيروتي، وأداة ضغط بأيدي الثوار حين يلجأون إلى قطع الطرق. توصيف الأماكن التي ينتجها الحدث السياسي ونشارك في إنتاجه في الوقت نفسه، يجب أن يحاذر من أن يؤدي إلى صورة جامدة ونمطية عن المكان، على عكس الشارع وطاقته، وبخلاف حركة الناس التي تنتج الأماكن والساحات. وتذكرت كتاب جورج بيريك “محاولة لإرهاق مكان باريسي” والمثابرة في وصفه الحركات “غير المهمة” في ساحة سان سوبليس والتكرار في الوصف بحسب مراقبته، حتی تصبح اللغة أقرب إلى عين بيريك وصيغه، وأقرب أيضاً للأرجل العابرة في الساحة.

وطبعاً منطقة الرينغ/ التباريس لا مفر فيها من الحديث عن السياسي الكبير فهل تمكن الكتابة عن تبدلاتها؟ وسرعان ما تسارعت صور في ذهني تستعيد إقفال هذا المكان، أو شل الحركة منه وإليه، لأسباب مختلفة. بعد انتفاضة 17 تشرين، أصبح تقاطع الرينغ محورياً كما نعرف، وبخاصة في الفترة الأولى من الانتفاضة. هو تقاطع يوصل مدخل بيروت باتجاهيها الشرقي والغربي، وكذلك الاتجاه الجنوبي من ناحية سليم سلام وطريق المطار. كان يصل على الدوام كما كان يفصل بين البيروتين الشرقية والغربية. هو فعلاً صلة وصل وفصل في آن، وقد أدى هذا الدور في ظروف مختلفة ومتبدلة.

الشمس داخل المبنی، ذاكرة عن الضوء والصوت

الصورة الأولى التي وردت إلى ذهني بعدما باشرت التفكير بالرينغ، كانت من أوائل صور الطفولة لدي. في حينها عدت إلى منطقة التباريس وكان الرينغ مفتوحاً. هي صورة مشوشة مثل معظم الذكريات الأولى. لكنها مملوءة بأصوات المنطقة وضجيجها. كان النهار مشمساً وسألت أمي أخي الذي يكبرني إذا كان يتذكر المبنى، وسلمتني له، وقالت، “اسبقوني  عالدرج هلق بلحقكن”. وربما علق الضجيج في ذهني على تقاطع التباريس وشارع لبنان لأنه لن يتكرر. فبعدها معظم ذكرياتي عن هذه المنطقة كانت لا أثر فيها لأصوات الناس، ومخترقة بأصوات قصف وقت المعارك، وأصوات بنادق القناصة، وأحياناً بعواء الكلاب. وعلي ألا أنسى صوت هلع أهل البناية والحي، وبعد فترة أضيفت أصوات المولدات الكهربائية.

خلت المنطقة بسبب تسكير الأسواق التجارية تماماً. فجأة صار الجو متوتراً جداً وأصبح للبيت تقسيمات جديدة، وامتنعنا عن الدخول إلى المطبخ والخروج إلى الشرفة. لكن كنّا نتسلل بحشرية أحياناً إلى الشرفة، واكتشفنا أن الرينغ على تقاطع شارع لبنان والتباريس، مقفل بكونتينرات أتوا بها من المرفأ، كما وضعوا تلالاً من الرمل. قطعوا البيروتين وصرنا نقول “عايشين على خط التماس” عندما نُسأل.

أذكر أنني قمت بمحاولات فاشلة لاسترجاع الوظيفة الطبيعية للبيت. في أحد الأيام اخترعت حفلة عيد ميلاد ودعيت إليها أصحابي في المدرسة. ربما بطريقة لا واعية أردت ان أستعيد جواً شبيهاً لما في ذاكرتي عن البيت. أردت جواً خالياً من التوتر في بيت مفتوح، لا طريق مقفلة في جواره، وسط مدينة بضجيج عادي. أردت أن أخلق ضجيجاً أتغلب فيه على الصمت على خطوط التماس.

أذكر أنه عندما اكتشفت أمي أنني قمت بتنظيم حفلة من دون علمها “يا الله عليكي وعالأولاد” قالت لي، اتصلت بأهل أصدقائي وقالت لهم: “نحنا عايشين عخطوط التماس ما فينا نستقبل ولاد”. وهكذا فشلت محاولتي بإحياء المنطقة بحفلة. 
المشهد من شرفة المطبخ كان ديستوبيا (أدب المدينة الفاسدة) بكل معنى الكلمة، لا سيما بعيني طفلة. لكنه لم يكن درامياً، لأنه كان ساحة لعب في خيال طفلة أيضاً. طريق مهجورة وكلاب تركض وتطلق العنان لنباحها في بعض الأوقات. كان تقاطع شارع لبنان والتباريس هو نهاية المسموح. لم يكن يحق لنا العبور إلى الناحية الثانية المعروفة بـ”زاروب الحرامية”، لأننا، وبكل وعي كنّا نقول، هناك قناص في برج المر. المحافظة على النفس وعلى الأصدقاء كانت أولوية في أوقات اللعب في باحة المبنى. كانت الحدود واضحة بين مساحة الحرب ومساحة اللعب. حافلة المدرسة كانت تصل إلى جانب كنيسة مار نقولا وكان علينا أن نلاقيه هناك، ما يستلزم 10 دقائق من المشي.

العالم الجديد

في بداية خريف 1989، وبينما كنا هاربين من حرب التحرير إلى قرية أبي في الشمال، سمعنا على الراديو عن هدم جدار برلين، وعن الحشود التي مرت من برلين الشرقية إلى برلين الغربية. فرحت ورحت أرقص وصار اخوتي يقولون: “إنت شو دخلك بألمانيا؟”، قلت لهم، “لا بد أن تفتح بيروت على بعضها كمان”.

وفتح الرينغ وعاد الضجيج. ضجيج إعادة الإعمار وغباره هذه المرة. سحبوا الكونتينرات وفتحوا الطريق ونزلنا إلى وسط البلد نتفرج. كان هناك تفاؤل من النوع النيوليبرالي في تلك الفترة. تفاؤل بإزالة الركام والنفايات والمباشرة في إعادة الإعمار. الحرب تخلي المساحات لماكينات إعادة الإعمار وتخلي الساحات للالتحاق بالعالم الجديد وباقتصاده. الأهم لنا وقتذاك كان أن الطريق فتحت وصار بإمكاننا الخروج إلى البلكون. اكتشفنا ما كان وراء هذه الطريق. قبلها حين كنا نذهب في زيارات إلى المنطقة الغربية كنا نمر من المتحف ثم كورنيش المزرعة إلى البحر. وبعد الحرب، لأول مرة اتجهنا مباشرة من الرينغ إلى الحمرا، ومن الحمرا نزولاً إلى البحر. ونزلنا إلى وسط المدينة مشياً واكتشفنا ذلك قبل إعادة الإعمار. وأذكر أول مرة تجولنا هناك. كان مزدحماً بالناس، وكان أبي وصديقه يسترسلان في الكلام، سامحين لنا بأن نستكشف الاماكن، ونتواجه مع مخلفات الحرب ومشاهد إعادة الإعمار. رحنا نسأل إذا كانت المباني ستهدم أم سترمم، وإن كانوا سيحتفظون بذكرى للحرب، وأظن أننا كنّا نسمع هذه الأحاديث ونرددها، وكان نقاش الذاكرة في ذروة وهجه.

لأسابيع طويلة، ظلت منطقة الرينغ في بيروت أشبه بميزان حرارة الشارع البيروتي، وأداة ضغط بأيدي الثوار حين يلجأون إلى قطع الطرق.

بعدما أنتجت الحرب الرينغ الذي أنتج خطوط التماس، أذكر أن الطريق عاد وأُقفل لوقت قصير جداً حين انتخب رينيه معوض رئيساً للجمهورية. مرت تظاهرة عونية في الحي وكان الهتاف: “ما بدنا رينيه معوض رئيس للجمهورية”. انضممنا لهم لأننا رأينا جيراناً لنا معهم نادونا للالتحاق بهم. معظم شباب الحي كانوا من المتفرجين وليس من المتظاهرين. وهذا ما أنتجه الحي أيضاً، الكثير من المتفرجين الذين يمضون نصف نهارهم في التفرج على حركة العابرين منتظرين حدوث شيء ما. ولأن عناصر “القوات اللبنانية” كانوا يرعبون الشباب، صار هناك مجتمع من المتفرجين لا يعبرون عن رأي معين ولا يعارضون ولا يتحركون بأي اتجاه. فها نحن في أول العقد الثاني من أعمارنا، نمشي ونهتف “ما بدنا رينيه معوض رئيس للجمهورية”. وسمعنا بعدها أن هؤلاء المتظاهرين أنفسهم أكملوا طريقهم إلى مقر البطريرك، وأجبروه على تقبيل صورة ميشال عون. فلم نخبر بعدها أحداً أننا شاركنا في التظاهرة “وضبضبناها”. لكنها كانت أول تظاهرة نشارك فيها ولو من دون أن نحمل هموماً سياسية. كانت تجربة عن “تسكير” الرينغ، ولو لوقت قصير في نهايات الحرب. وطبعاً لم نكن نستوعب ما يحصل، لكن كنّا نعرف المحاور السياسية  وتبدلاتها، وكانت لنا مواقف ضد الجميع أو مع الأميركيين أو ضد الروس او العكس.

أقفلت الرينغ اعتصامات غلاء المعيشة عام 1992. أُقفِل الطريق بالإطارات وكان المتظاهرون يمنعون مرور السيارات. كنّا أنا وأخي واقفين على الرصيف. أذكر أن سيارة كادت تدهس متظاهراً، والأخير تمكن من القفز عليها فيما هي لم تتوقف. كان منظراً مرعباً. اعتقدنا أن المتظاهر مات واغمضنا أعيننا كي لا نرى الدماء. ثم رأينا المتظاهر وقع من فوق السيارة ولم يمت فتنفسنا من جديد. إقفال الشارع لم يدم وقتاً طويلاً، عاد بعدها الرينغ إلى وظيفته. 

من الديستوبيا إلى اليوتوبيا

امتلاك المساحة العامة والمشاركة بالعصيان، وعي أولي تشكل انطلاقاً من هاتين الحادثتين على الرينغ قبل منتصف التسعينات. فالرينغ كان دائماً، وحتى بعد فتح بيروت على بعضها بعضاً، وبدء إعادة الإعمار، مكاناً توتراً. ومر من الديستوبيا أيام الحرب الى يوتوبيا المشروع النيوليبيرالي وإعادة الإعمار. ولاحقاً من “اليوتوبيا الرأسمالية” إلى ديستوبيا الزحمة والاختناق المدني وإلى يوتوبيا تسكير الطرق والسيطرة على الأماكن العامة والساحات من قبل الناس بعد 17 تشرين. من دون ان ننسى عام 2005 والتظاهرات بعد مقتل رفيق الحريري.

الرينغ محور توتر طائفي بين مسيحيي الأشرفية وشيعة الخندق الغميق وسنة سليم سلام. ومحور توتر طبقي بين الخندق الغميق ووسط البلد بعد الإعمار. وهذا التوتر الطائفي والطبقي كان ينفجر في أوقات كثيرة بين أولاد الحي في أوقات اللعب واللهو. مجموعات الأولاد كانت تنقسم بحسب الأعمار، لكن أيضاً بحسب محاور التوترات الأخرى وبحسب المراحل. وطبعاً لم يكن هذا محور الفصل الوحيد بين الصداقات ومجموعات اللعب واللهو لكنه كان مهماً، إذ كان الأولاد يشتمون الطوائف الأخرى ويعبرون عن فخرهم بهذا الحزب أو ذاك الزعيم، وكان البعض يتفاجأ عندما يعرف انه شتم طائفة أحد الأولاد الموجودين ويعتذر منه ويقول شيئاً مثل “ما كنت عارف” ويكمل اللعب. وكنا نحاول التأقلم بين مساحات اللعب في الشارع،  والبيت الذي كان المساحة الوحيدة الخالية من هذا التوتر.

الجسر هو مفاصل منطقة الرينغ وكذلك طريق بشارة الخوري التي تفصل شارع مونو عن منطقة الخندق الغميق، ويفصل أيضاً الخندق عن وسط المدينة. ومن المعروف أن خطة إعادة الإعمار تعمدت إبعاد الخندق، الذي أصبح مساحة مدنية  “مقاومة” عن مشروع إعادة الإعمار. قد يكون لأسباب حزبية ولتوتر ضمني بين الحريري وبري أو الحزب.

و”الجنتريفيكايشن” امتدت إلى الجميزة والتباريس حتى شارع مار مخايل ومونو سابقاً، لكن ليس إلى الخندق. لكن بعد شراء قطعة الأرض على مدخل الخندق من قبل الوليد بن طلال بهدف بناء مركز تجاري) بحسب ما قيل، لاحت محاولات لوصول “الإعمار” إلى الخندق، ولكن لم تحصل بعد، كذلك لاحت محاولات أخرى مع مبنى ديجيتال ديستريكت.

بعد ثورة 17 تشرين أول، أصبح إقفال الرينغ من أدوات الضغط الشعبي. ولكن أيضاً بعد ليلة الحمراء، بدا الرينغ وكأنه المكان اللاعنفي وملجأ من لا يريد ان يشارك بالعنف على رغم تكاثر الاعتداءات عليه. وطبعاً بدا سياسياً أقرب إلى فريق 14 آذار وبرجوازيته. أصبح المجلس النيابي والحمراء مكانَي الضغط الأخشن والأكثر جدوى. هذا التبدل في الوظائف من المفترض أن يدفعنا إلى ألا نرى هذه الأمكنة بصفتها مشاهد جامدة. فالثورة تبدل الوظائف والمواقع تبعاً ليومياتها. محورية الرينغ يمكن أن تتراجع أو تزيد، ويبقى أنه في ظل التوتر والصراعات الحالية سيكون الرينغ ووسط البلد منقسمين تارة مع الخندق وطوراً ضده.

بعد ثورة 17 تشرين أول، أصبح إقفال الرينغ من أدوات الضغط الشعبي.

يمكن القول إن هذا الجسر الشهابي بامتياز يمثل حقبة من عمر المدينة، ومحاولة لبناء دولة تحت قبضة المكتب الثاني والقبضة الأمنية. فعادة تبنى الجسور مع المكاتب الأمنية والشركات العقارية والخصخصة. ويمكن القول إنه بعد زوال هذه البنى التحتية، تبقى الخصخصة ومصارفها وانهيارها ومكتبها الأمني، عارية من وهم مشروع دولة أو إعادة إعمار وستجدنا نواجه من فوق الجسر، الانهيار مرة أخرى.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني