لماذا لا يدافع السعوديون عن قضايا الآخرين؟

ما يمكن قوله في هذه الظروف الحقوقية الصعبة التي يمر بها السعوديون ووسط تكميم الأفواه وانعدام حرية التعبير، هو أن كل من كتب رأياً يعارض صفقة القرن، عرّض نفسه لخطر الاعتقال أو تضييق الخناق عليه.

مذ بدأ التحالف العربي بقيادة السعودية عملياته العسكرية ضد الحوثيين في 25 آذار/ مارس 2015، ويشعر سعوديون في الخارج بغضب بعض اليمنيين المهاجرين تجاههم، بعد الدمار والخراب اللذين استهدفا بلادهم. وعلى رغم أن هناك سعوديين في الداخل والخارج يقفون إلى جانب بلدهم في حربها ضد الحوثيين، ويصفقون لكل ضربة على الأراضي اليمنية، فإن هذا الموقف غالباً ما ينمو نتيجة تأجيج داخلي قاده محللون سياسيون مستحدثون، بدأت تظهر أسماؤهم على الشاشات العربية بتحليلات ركيكة خلال الخمسة أعوام الأخيرة، تمكنوا من إقناع كثيرين بفكرة الحرب وأهميتها. غير أن هذا لا يمثل مواقف السعوديين كلهم تجاه الأزمة اليمنية، فهناك من ابتعد من التفكير في هذا الملف الذي قد يخوّن بسببه في حال شجبه، وربما يفضي إلى سجنه، فيكتفي هؤلاء بـ”الدعاء لأخوتنا اليمنيين” وحسب. وهناك فئة ترفض هذه العمليات التي أكلت الأخضر واليابس ولهذا التحالف برمته، وهم غالباً من المعارضين أو الحقوقيين في الخارج، المغضوب عليهم، لكن الأمر يلتبس كثيراً على اليمنيين فلا يميزون بين مواقف السعوديين، ويعتبرونهم شخصاً واحداً يؤيد الحرب ويرحّب بها.

وفي الملف السوري، لاحظنا خلال العامين الأخيرين خفوت حماسة السلطات السعودية حيال المأساة في ذلك البلد، وسط أحاديث تدور هذه الأيام عن مساعٍ لتطبيع العلاقات السعودية – السورية، من دون أن يعني ذلك موقفاً سعودياً معلناً يؤيد بشار الأسد. هذا في وقت كان كثيرون من مناصري الثورة السورية من السوريين يدعمون التوجهات السعودية الجديدة، غاضين البصر عن تقلبات الملف السعودي الحقوقي وخيباته، وكأنهم لم يسمعوا عن صحافي سعودي قتل داخل قنصلية بلده في اسطنبول. تابعنا أيضاً أسماء سورية تغرد وتكتب وتقول إنها عملية تركية قطرية لئيمة، وتربع بعض الصحافيين السوريين الثوار على الشاشات العربية دفاعاً عن مواقف سعودية، ونفي أخبار تتلقفها الصحافة العالمية لتكشف حقائق لا يستطيع السعوديون قولها، بينما يحاول متضررون سوريون من نظامهم القمعي إخفاءها.

وهذه حال أبواق لبنانية يائسة من “حزب الله” اللبناني والتدخلات الإيرانية في لبنان والتي تعتقد أن الحضن السعودي هو الحل. فظهرت أخيراً أصوات على “تويتر” لم تكتف بالدفاع عن السعودية فحسب، بل وقامت بأدوار فاقت الأدوار التي أدتها أبواق سعودية قريبة من النظام، فباتت تهاجم حقوقيين سعوديين وتطاردهم في الخارج من خلال “تويتر”. ويعلم معظمنا أن نقدهم ينطوي على مفارقات كثيرة، بعضها مؤلم ويتمثل في فقدانهم العلاقة مع بلدهم، وغياب النصاب الحقوقي الذي يمكنهم من حماية أنفسهم به، فاختاروا الولاء الكامل لدولة “قد” تنقذهم وتنقذ بلدهم وقد تخطفه كما اختطفت رئيس وزرائه، ثم تتجاهله وتتجاهل محنته وكأنها لم تفعل شيئاً.

الآراء المعارضة “صفقة القرن” لن ينساها كل من يؤيد الصفقة في الداخل السعودي وقد تلاحقه مستقبلاً.

وما أن أعلن دونالد ترامب “صفقة القرن” حتى بدأ تلاسن عربي داخل أزقة “تويتر” حول المواقف العربية السياسية والشعبية، وعلى رغم أن كتّاباً ومثقفين سعوديين غرّدوا تعبيراً عن استهجانهم هذه الصفقة حتى قبل معرفة الموقف السعودي الرسمي، إلا أن البعض لا يزال يخلط بين الأصوات الصادقة والأصوات الخائبة التي تنتظر الضوء الأخضر. 

ما يمكن قوله في هذه الظروف الحقوقية الصعبة التي يمر بها السعوديون ووسط تكميم الأفواه وانعدام حرية التعبير، هو أن كل من كتب رأياً يعارض صفقة القرن، عرّض نفسه لخطر الاعتقال أو تضييق الخناق عليه. فموقف الملك سلمان لا يعني أنه بالضرورة موقف ولي عهده “صديق ولي عهد دولة الإمارات التي حضر سفيرها إعلان الصفقة في واشنطن”. وهذه الآراء المعارضة “صفقة القرن” لن ينساها كل من يؤيد الصفقة في الداخل السعودي وقد تلاحقه مستقبلاً، تماماً كما لاحقت كتابات معتقلي الرأي الذين يقبعون في السجون السعودية اليوم أصحابها، وآخرهم مجموعة نيسان/ أبريل 2019، وهم معروفون بكتاباتهم العروبية ويتردد وسط عدم محاكمتهم أن كتاباتهم لمصلحة القضية الفلسطينية هي السبب الرئيسي لاعتقالهم، وأن ظروفهم الصحية والنفسية باتت تشبه ظروف معتقلي السجون الإسرائيلية! فهل يعي أشقاؤنا العرب حجم مغامرة الشعوب المقموعة في الوقوف إلى جانب قضاياهم ويفكرون للحظة واحدة فقط في أسباب تأييدهم ودفاعهم المستميت عن حكومات لم يكونوا ليرتضوها لأنفسهم!

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

عباس بيضون – كاتب وشاعر لبناني
في تأبين محسن ابراهيم يسعنا ان نؤبن مرحلة كاملة. بهذا المعنى كان محسن شخصية تاريخية، بل كان قادرا على ان يكون كذلك، لا في لحظات نشاطه الصارخ فحسب، بل ايضاً في صمته الأخير وانقلاب الأمور عليه.
محمد أبو رمان – باحث وكاتب ووزير أردني سابق
لا تختلف حالة الأردنيين عما تعيشه معظم دول العالم، إذ وقع عليهم فايروس “كورونا” كالصاعقة، ووجدوا أنفسهم للمرة الأولى منذ عقود طويلة أمام قوانين وأنظمة وسلوك غير تقليدي أو معتاد…
باسكال صوما – صحافية لبنانية
جريمة مقتل فلويد وما تبعها من تظاهرات في مدن أميركية عدة ومحاولات قمعها، أسلحة ستستثمرها إيران وسواها من الآن وصاعداً، فكلّما قال لها أحدهم: “بأي حق قتلتِ فلان أو فلانة؟”، سترد: “بالحق الذي قتل به جورج فلويد”.
إيلي عبدو – صحافي سوري
في تحوّل استذكار الكاتب اللبناني الراحل سمير قصير، رثاء وحسرة ومديحاً، تقليداً لدى عدد كبير من السوريين، انفصال حاد مع أحوال سابقة، معطوف على بلوغ أحوال جديدة غير مدركة بما يترتب على الإدراك، من أفكار وقناعات وتصورات.
باز علي بكاري – صحافي وكاتب كردي سوري
ليست الولايات المتحدة الاستثناء في المعاناة من مرض العنصرية. ولعله فعل مصادفة أو وحدة حال بين الفاشيين في العالم، أن يصلنا خبر قيام مجموعة من الشبان الأتراك بقتل شاب كردي لأنه كان يستمع لأغنية كردية.
مالك ونوس – كاتب ومترجم سوري
ليست الممارسات التي ينتهجها النظام المصري، سوى علامات على تحوُّلِ سلطته إلى قوة عدوان حلَّت محل “الدولة الوطنية”، التي حلم أبناء الدول العربية ببنائها بعد استقلالهم عن الدولة العثمانية، ومن بعدها عن الاستعمار الغربي.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني