إدلب… شعب يُباد تحت أشجار الزيتون

في شهر واحد، تم تسجيل مليون نازح عن بيته وأرضه إلى المجهول، في أكبر موجة نزوح بشري في القرن الواحد والعشرين.

تخونني كلماتي وأنا أكتب عن مدينتي إدلب، وأفقد القدرة على الكتابة بموضوعية وعقلانية فهل يلام المرء في حب أهله؟ في إدلب وبعد أكثر من شهر على انطلاق الحملة العسكرية الروسية – السورية ضد آخر مدينة محررة في سوريا، قارب عدد النازحين والفارين من المحرقة المليون إنسان.

في شهر واحد، تم تسجيل مليون نازح عن بيته وأرضه إلى المجهول، في أكبر موجة نزوح بشري في القرن الواحد والعشرين، اتبع فيها الحلف الروسي- الأسدي سياسة الأرض المحروقة، مدمراً الحجر والبشر والشجر. فرق الاستجابة الإنسانية في إدلب أصدرت بياناً فارغاً من الكلمات عن عدد النازحين والمهجرين، فالأرقام فقدت قيمتها، والإحصاءات لن تغير الواقع، بعدما صم العالم أذنيه وعينيه وأشاح بوجهه عن إدلب وأهلها.

لي هناك في إدلب أهل وأقارب، جدي وجدتي وهما في التسعين الآن، أختي وأطفالها الثلاثة، أشقاء أمي وأبي وأبناؤهم وقبر أبي، جميعهم هربوا تحت جنح الليل والشتاء إلى الحدود مع تركيا، إلا أن جدي وجدتي رفضا الرحيل واختارا البقاء والموت مع شجر الزيتون والكرز الذي زرعاه بأيديهما، “أيقلع الزيتون من جذوره؟ نحن زيتون هذه الأرض”، يقول جدي.

رحلوا مع مئات الآلاف من أهل إدلب وبقية محافظات سوريا من المدنيين الذين رفضوا البقاء في مناطق سيطرة حكومة الأسد، رحلوا إلى المجهول، طوابير طويلة من السيارات تحمل الناس وأمتعة قليلة مثل أغطية للنوم تقيهم البرد. هل هذا هو يوم القيامة تسألني شقيقتي؟ وتضيف، ماذا سيحصل وماذا نفعل؟ ليس لدي جواب لها ولا لمئات الآلاف معها، هل لديكم جميعاً أي جواب تساعدونني به لأجيب أختي؟

في إدلب تُرِك آلاف المدنيين لمصيرهم ليدبروا أمر إيجاد مكان ينامون فيه على الحدود. فمن سيؤمن أبسط متطلبات حياتهم الجديدة من غذاء ودواء وماء؟

تركهم العالم لمصيرهم ولم يتحرك، فلا نفط في إدلب يحرك الدول الكبرى لوقف هذه المحرقة البشرية وهذا الاجتياح، حتى المنظمات الإنسانية الدولية لم تتحرك لنجدتهم على الأقل بخيم للإقامة فيها. تحت شجر الزيتون يشهد العالم نهاية ثورة شعب ذنبه الوحيد أنه طالب بالحرية والكرامة، لتواجهه حكومته بالقتل والاعتقال والبراميل والدبابات والتهجير، وبنت المشاريع الجهادية المتطرفة أحلامها على جثثهم. أما المعارضة السياسية السورية، فهي بحالة سبات عميق تجاه مأساة من أجلسهم على طاولات الاجتماعات السياسية والشاشات التلفزيونية، وهم في سباق محموم لعقد مؤتمرات في عواصم عدة لحجز مقاعدهم في التسوية السياسية التي وعدوا بها حلفاءهم.

في إدلب تُرِك آلاف المدنيين لمصيرهم ليدبروا أمر إيجاد مكان ينامون فيه على الحدود، فمن سيؤمن أبسط متطلبات حياتهم الجديدة من غذاء ودواء وماء؟ حتى الآن لا أحد، والحدود التركية أمامهم مغلقة، معظمهم من البسطاء الفقراء ممن تشبث بأرضه، ولم يملك مالاً يمكنه من الوصول الى تركيا بالدفع للمهربين، أو يمكنه من الهجرة بعد تركيا راكباً البحر إلى أوروبا.

هؤلاء الآلاف لم يتمكنوا من النجاة كأقرانهم من السوريين، ذنبهم الوحيد أنهم التصقوا بأرضهم، وأنهم عامة الشعب وبسطاؤه، لم يبقَ أحد لم يتحدث باسمهم ويدعي تمثيلهم سياسياً وإعلامياً، ويدعي حمايتهم عسكرياً من دول وفصائل مسلحة ومعارضات سياسية، وعند المحرقة تركوهم وحدهم إما للموت تحت القصف أو التشرد والموت من البرد.

لا كلمات تعبر عن هذه المأساة ولا أفق لمعرفة كيفية حلها أو توقيفها على الأقل، في السماء وعلى الأرض قصف بكل صنوف الأسلحة لم يتوقف منذ أكثر من شهر و لو ليوم واحد. دمرت المستشفيات والمراكز الصحية والبيوت فوق ساكنيها، وقصف الطيران الحربي هؤلاء النازحين على الطرق أثناء انتقالهم وقصفت المخيمات التي نزحوا إليها، إنها محرقة بشرية، فيما العالم يدير ظهره تماماً.

ألسنا بشراً؟ ألسنا عرباً؟ يسأل أحد النازحين وهو يحمل جثمان طفله الذي قضى بصواريخ من طائرة حربية استهدفت سيارة تنقل العائلة على طريق النزوح.

في السماء وعلى الأرض قصف بكل صنوف الأسلحة لم يتوقف منذ أكثر من شهر و لو ليوم واحد.

في إدلب لا ميثاق للأمم المتحدة يطبق لحماية مدنيين، ولا جامعة دول عربية تعتبرهم عرباً أو بشراً فتتحرك لأجلهم، والدولة الجارة والضامنة لاتفاق خفض التصعيد تغلق في وجههم حدودها وتتخلى عن دور ضامن اختارت هي مساره منذ 5 سنوات.

والمعارضة السورية في تركيا منشغلة بالتكريم والتقاط الصور مع محمود، الشاب السوري الذي أنقذ سيدة تركية في انهيار منزلها جراء الزلزال الذي ضرب تركيا منذ أسابيع ولا ترى ولا تسمع أنين الناس في إدلب. أما منصات المعارضة في الرياض والقاهرة وموسكو، فالأمر لا يعنيها ولا يدخل في جدول أعمالها ولم تستحق هذه المأساة منها بيان استنكار حتى، وما تبقى من قوى معارضة سورية في أوروبا، معظمها مشغول بالتحضير لمؤتمرات جديدة في باريس وبرلين وغيرهما من العواصم.

والفصائل العسكرية للمعارضة السورية وبخاصة ما يسمى الجيش الوطني الذي يقارب عدد مقاتليه 60 ألفاً، مشغول عن إدلب بالقتال في ليبيا، وحماية الحدود مع تركية من شبح التمدد العسكري الكردي.

أما الفصائل الجهادية وهيئة تحرير الشام المصنفة إرهابية وحكومتها والتي كان لها الفضل الأكبر بوسم إدلب كمعقل للإرهاب، فهي منشغلة بمعركة في ريف حلب لا نعلم سببها وأهدافها؟

“هيئة تحرير الشام” المصنفة إرهابية التي حكمت إدلب والمدنيين فيها بالحديد والنار، وشردت كل من خالفها توجهها المتشدد، واعتقلت على مدار سنوات مئات نشطاء الثورة وأبنائها وقتلت واغتالت أبرزهم وطردت الجيش الحر من ادلب وصادرت سلاحه الثقيل، اختفت في يوم وليلة لتترك أبناء هذه القرى والمناطق يدافعون عن قراهم وبيوتهم بالسلاح الخفيف بمواجهة آلة الحرب الروسية وترسانتها.

كل الأطراف مشتركة في محرقة إدلب وحرب إبادة المدنيين فيها وتهجيرهم، وأقل صنوف هذا الاشتراك هو الصمت عما يحصل وكأن هؤلاء المدنيين قصة مكتوبة في كتاب تاريخ يقرأها الجميع ويستغرب حدوثها.

كل يوم مئات الرسائل تصل من إدلب من المدنيين ماذا نفعل؟ إلى أين نذهب؟ ما الذي سيحصل، الناس هناك متروكون للمجهول لا أحد يفكر أن يعمل جدياً لأجلهم، أو يخرج لهم بخطة يعملون عليها، أو يصارحهم بحقيقة ما يحصل ويوجههم لفعل ينقذهم أو حل ينهي آلامهم، لا دول ولا منظمات ولا معارضات، فالقصف والموت من ورائهم والحدود المغلقة أمامهم.

دمرت المستشفيات والمراكز الصحية والبيوت فوق ساكنيها، وقصف الطيران الحربي هؤلاء النازحين على الطرق أثناء انتقالهم وقصفت المخيمات التي نزحوا إليها.

إليكم يا أهلي وأبناء وطني في إدلب أتقدم باعتذاري وعجزي الذي لن يخفف من مأساتكم شيئاً، ولكن بعد اليوم لا تسمحوا لإنسان أياً كان أن يتحدث باسمكم أو أن يقرر عنكم مصيركم، أو أن يدعي تمثيلكم إن لم يكن تحت شجر الزيتون معكم، فحذاء طفل من أطفالكم يكسوه الطين له فائدة عشرات المرات أكثر من منابر ومعارضات وفصائل ودول ادعت يوماً نصرتكم والدفاع عنكم أو تمثيلكم.

لا أحد سيتحرك لأجلكم ولا أحد يعلم ما الذي تخبئه الأيام الآتية لكم، لذا تحركوا أنتم، وتصرفوا أنتم، ونظموا أنفسكم واختاروا من بينكم من يمثلكم ويضع خطة تنقذكم مما أنتم فيه، وكل ما يمكننا فعله كسوريين خارج سوريا في دول لجوئنا أن نخرج بتظاهرات توضح للعالم معاناة المدنيين في محرقة إدلب ومأساتهم، والعمل على جمع مساعدات إنسانية وإيصالها لهم في مناطق نزوحهم تضمن لهم البقاء على قيد الحياة وتؤمن لهم متطلبات حياتهم الأساسية.

وأنتما يا جدي وجدتي سامحونا تركناكما وحدكما تحرسان زيتوننا وقبر أبي وقبور شهداء ثورة الحرية والكرامة التي لم نستطع حمايتها ولا حمايتكم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني