fbpx

فرنسا تحاكم إسلام علوش : العدالة ولو بعد حين

تتقاطع سيرة إسلام علوش مع سير عشرات القادة العسكريين الذين انضووا في تنظيمات محلية وجهادية في الحرب السورية، وقرروا في لحظة الهزيمة السياسية والعسكرية أن يشدوا الرحال إلى جامعات الغرب كلاجئين وطالبي شهادات عليا.

في خطوة هي الأولى من نوعها، أعلنت فرنسا عن توقيف أحد أبرز القادة السابقين لجيش الإسلام السوري في مدينة مرسيليا جنوبِ البلاد. الخطوة جاءت إثر دعوى مرفوعة منذ حزيران/يونيو ضد “مجدي مصطفى نعمة” المعروف باسلام علوش وقادة آخرين في صفوف “جيش الإسلام” وتنظيمات عسكرية سورية.

وفي التفاصيل التي نشرتها الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان (FIDH) عبر بيان رسمي, أنّ شعبة المباحث بالتنسيق مع القوات الخاصة في صفوف الدرك الوطني الفرنسي (GIGN) ألقت القبض على إسلام علوش في مدينة مرسيليا, استجابة لطلب وحدة مكافحة الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة وجرائم الحرب, بعد تلقيها دعوى في صيف العام الماضي تقدّمت بها منظمات حقوقية سورية وأفراد تربطهم صلة بضحايا التنظيم الذي شغل فيه إسلام علوش منصب المتحدث الإعلامي.

ونقلاً عن مصدر قضائي فرنسي، قالت وكالة الصحافة الفرنسية إنّ محكمة باريس طلبت إيقاف علوش بتهمة المشاركة في حلقات تعذيب وجرائم حرب واختفاء قسري في الغوطة الشرقية لدمشق.

وأشار المصدر نفسه إلى أنّ الدعوى المرفوعة ضد علوش تقدّمت بها مراكز حقوقية سورية وغربية، كالفدرالية الدولية ورابطة حقوق الإنسان (LDH) والمركز السوري للإعلام إضافة إلى 7 أفراد من عائلة الناشطة السورية المخفيّة قسراً في دوما منذ ديسمبر 2013 رزان زيتونة.

إسلام علوش

تتقاطع سيرة علوش، الهارب من جحيم التنظيمات العسكرية إلى الأكاديميات الأوروبية حيث يعرّف عن نفسه بالباحث العلمي على موقع LinkedIn، مع سير عشرات القادة العسكريين الذين انضووا في تنظيمات محلية وجهادية في الحرب السورية، وقرروا في لحظة الهزيمة السياسية والعسكرية أن يشدوا الرحال إلى جامعات الغرب كلاجئين وطالبي شهادات عليا. حال مجدي نعمة – الذي أوقفته القوات الخاصة الفرنسية إثر دخوله إلى البلاد بجواز شنغن تحصّل عليه بعد قبوله متابعة تعليمه عبر برنامج Erasmus الذي يموّله الإتحاد الأوروبي – من حال شبّان آخرين استفادوا من مفهوم الهزيمة العامة، وصرفوها انتصاراً على الصعيد الشخصي، لكنّ سرعان ما تبدّدت طموحاتهم وستتحوّل إلى هزائم في أروقة المحاكم وبنى العدالة.

تفتح الخطوة الفرنسية الباب أمام إمكانية العمل الحقوقي المشترك بين المحامين السوريين والأوروبيين وأهميته ومفاعيله الإيجابية، وهي إذ تقتصّ اليوم لرزان وسميرة وناظم ووائل ولآلاف السوريين، فإنّ الأمل يبقى بمحاكمة جميع مجرمي تلك الحرب القذرة من أسديين وغير أسديين.

والباحث عن بروفايل علوش، البالغ من العمر 34 عاماً، يمكنه بسهولة نسج الروابط بين المسعى الأولي، الذي سكن الشاب المتحدّر من عائلة ذات طابع إسلامي سلفي، بالانتصار في الحرب العسكرية في غوطة دمشق، وبالتالي الهروب إلى عالم الأمن والسلام والعلم والمعرفة في جامعات أوروبا.

ولا يبدو أنّ المنصب الذي شغله علوش كمتحدث إعلامي في لواء الإسلام، الذي تزعّم قيادته العسكرية زهران علوش، وتسلّم فيه ابن عمه محمد المكتب السياسي، جعله ينظر إلى معركة اللواء المدعوم سعودياً بالمال والذخيرة كمعركته هو. وربما تكون شهرة علوش مرتبطة بشكل أساسي باسم زهران الذي قضى عدة سنوات في سجن صيدنايا، قبل أن يطلق سراحه نظام الأسد في فورة المظاهرات الشعبية في حزيران/يونيو 2011 ليشكّل بعد ثلاثة أشهر كتيبة الإسلام ذات التوجه السلفي المحلي دون نزعة جهادية خارجية (على عكس تنظيم داعش), وليشارك في عمليات قتل وتعذيب وإخفاء قسري في الغوطة قبل أن يقتل بغارة جوية روسية سنة 2015.

لم يبقَ إسلام علوش مطوّلا في سوريا، فاستغلّ الإتهامات التي وجّهت للتنظيم بإخفاء رزان زيتونة وسمير الخليل ووائل وناظم حمادي ليخرج من الضوء إلى الظل، فغادر إلى تركيا حيث مكث عدة سنوات قبل أن يظهر في مرسيليا كطالب في بعثة ايراسموس الأوروبية وليتمّ إلقاء القبض عليه وبدء محاكمته رسمياً في باريس.

ياسين الحاج صالح

لن تكونوا بأمان

وفي تعليق له على اعتقال علوش، كتب الكاتب السوري ياسين الحاج صالح وهو زوج سميرة الخليل (من مفقودي دوما الأربعة) مقالاً، في موقع “الجمهورية” السوري، اعتبر فيه التوقيف بمثابة رسالة إلى الجناة بأنهم لن يكونوا بأمان: “قضية سميرة ورزان ووائل وناظم بصورة خاصة تحوز كثيراً من الطاقة الأخلاقية، بفعل التاريخ المشرف للمرأتين والرجلين في الصراع ضد المجرم الأسدي، وبفعل كون الأربعة لاجئين في دوما، وكذلك بفعل كونها مثالاً بين أمثلة كثيرة على جرائم كثيرة ارتكبتها المجموعات الدينية السياسية، وهذا فضلاً عن رمزية نسوية خاصة لامرأتين من جيلين: معتقلة سياسية سابقة، تعمل بدأب وتفان حيثما وجدت، وتتجسد فيها الصفة العابرة للطوائف لقضيتنا، وناشطة حقوقية وسياسية هي من الأبرز في جيلها ومن الأكثر غيرية وشجاعة. كل ذلك يشحن القضية بشحنة إخلاقية نادرة، لا يستطيع أي إسلاميين أو لا إسلاميين منازعتها أو ادعاء مثلها.  لا نعلم ما يمكن أن تتمخض عنه عملية قضائية لمحاكمة إسلام علوش في فرنسا، وليس مؤكداً بعد أنه ستكون ثمة عملية قضائية. هذا ليس بيدنا. ما بيدنا هو التجريم السياسي والأخلاقي لنعمة/ علوش وما يمثله، وأن نعمل على جعل اعتقاله منطلقاً للنقاش حول العدالة في بلدنا، العدالة القانونية والعدالة السياسية، ولمعنى العدالة الأخلاقي، وأن نُدخل هذه المعاني في تفكيرنا السياسي وفي حكمنا على الفاعلين العامين المختلفين، وفي سلوكنا الشخصي.  فإن أمكن لنا السير في هذا الاتجاه، فسيبقى علوش ما كانه على الدوام: تافهاً، رأى حوله تافهين يحكمون بلداً بالجريمة دون عواقب، وأراد أن يكون مثلهم.” ختم صالح في مقاله. 

إذاً، تفتح الخطوة الفرنسية، في استجابتها لنداء المنظمات الحقوقية السورية وفي مسعاها لتحقيق العدالة الغائبة عن المسرح السوري، الباب مجدّداً أمام إمكانية العمل الحقوقي المشترك بين المحامين السوريين والأوروبيين وأهميته ومفاعيله الإيجابية على المدى البعيد، وهي إذ تقتصّ اليوم لرزان وسميرة وناظم ووائل ولآلاف السوريين فإنّ الأمل يبقى بمحاكمة جميع مجرمي تلك الحرب القذرة من أسديين وغير أسديين.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
درج
هذه الوثائق، إضافة إلى أنها تكشف الأدوار الرهيبة لمصارف عالمية في تمويل الإرهاب والمخدرات والفساد والأنظمة الاستبدادية، تساعدنا أيضاً على فهم وظيفة المصرف في النظام المالي العالمي والمحلي أيضاً، وفهم مصادر الجشع الذي اختبرناه في لبنان…
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني