وداع سوزي… امرأة من عالم آخر

العائلة التي ودّعت صبيّاً لم تتقبل استقباله وقد أصبح امرأة، فتبرأت منها كما تقول سوزي، وهي امرأة عابرة جنسياً.

“suis une femme, mais Je من عالم تاني” تقول محدّثتنا بالغة الأناقة. شعرٌ مصفّف، وجهٌ مزيّنٌ بمساحيق تجميلية تبرز جمالها وتخفي عمراً تحتها، تحت عينها دمّلتان بارزتان، على شفتيها حمرة ورديّة متناسقة مع مساحيق تجميلها وثيابها المختارة بذوقٍ جميل. في المركز اللبناني لحقوق الإنسان، كان لنا لقاءٌ مع سوزي منذ نحو السنتين. وسوزي، امرأة عابرة جنسياً، اشتهرت عبر مقاطع فيديو كانت تنتشر لها على “فايسبوك” و”يوتيوب”. رِجلٌ فوق الأخرى، كانت محدّثتنا تجلس كعارضات الأزياء لتغوص بعدها في الحديث عن سنوات عمرها. 

حديثٌ نسترجعه اليوم بعد انتقال سوزي إلى العالم الآخر الأسبوع الماضي.

بصوتها المرتفع بسبب مشكلات في السمع، راحت سوزي تروي لنا قصة طفولتها، قصة ألبرتو “الصبي” الذي أرسله أبوه في الثانية عشرة ليسكن في اليونان مع أمّه المنفصل عنها. كل ما كان يعرفه ألبرتو عن أمّه هو صورة يحملها. تصف سوزي لحظة اللقاء منذ سنوات بعيدة في المطار: “كان انطباع ألبرتو لدى رؤيته والدته بأنها فائقة الجمال، الأم أيضاً أحبته وأحبت أنوثته منذ لحظة لقائها به. سوزي التي ولدت في السنغال كما تقول، درست في مدرسة للراهبات في اليونان، حيث تعلمت اللغات الأجنبية وعاشت حياة جميلة لاحقاً في عرض الأزياء والسفر حول العالم. هناك، عاشت مع أختين لأمها من زواجٍ آخر، وتعلّمت من زوج أمّها الذي كان بيطريّاً مداواة الحيوانات. قصة اليونان الجميلة انتهت في سن الـ38 حين لم تعد تستطيع امتهان عرض الأزياء، وتوفّيت والدتها. فاضطرت سوزي إلى العودة إلى لبنان خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

 راحت سوزي تروي لنا قصة طفولتها، قصة ألبرتو “الصبي” الذي أرسله أبوه في الثانية عشرة ليسكن في اليونان مع أمّه المنفصل عنها.

العائلة التي ودّعت صبيّاً لم تتقبل استقباله وقد أصبح امرأة، فتبرأت منها كما تقول. اضطرت سوزي حينها للعمل في “كاباريه”، ثم تركته ومارست العمل الجنسي الذي تمقته لتعيش، بخاصة أنّها لم تجد من يقبل توظيفها. “بلبنان لي متلي ما بيشغلوهن بهالبلد لو ماتوا من الجوع، بفرنسا بيحترموهن وبيعطوهن شغل” قالت سوزي، متمنيةً بحرقة أن يتغيّر لبنان والمجتمع.

حدّثتنا سوزي يومها عن نومها السيئ وعقلها الذي يفكّر كثيراً ويمنعها من الاسترخاء. أحلام سوزي كانت بسيطة. إضافة إلى حلمها بأن يتقبّلها المجتمع، كانت تحلم كلّ مساءٍ ببيت تملكه، أو بمزرعة تهتمّ فيها بالحيوانات: أحصنة، عصافير، كلاب، وحتى قردة وضفادع. حلم الصبا لم يفارقها، هي التي كانت تتمنى العودة إلى شبابها. ولمّا قلنا لها “بعدك صبيّة”، ضحكت قائلةً إنّ الأعوام الخمسة والأربعين قد “ختيرتها”، متذمّرةً من تهدّل أسفل عينيها.

كانت سوزي تمضي بعض وقتها في صناعة العقود لتبيعها على “فايسبوك” بمساعدة المركز اللبناني لحقوق الإنسان. هذا الأمر كان يمنحها فسحةً من الراحة تنسى فيه مشكلاتها وهمومها، هي التي كانت تحبّ صناعة العقود وخياطة الفساتين. كانت للتدخين حصّته من انشغالاتها. تدخّن علبتين يوميّاً، “بس دخاني خفيف” أوضحت قبل أن يقاطع السعال كلامها. أعربت لنا عن حبّها للذهاب إلى “الديسكو”، ورغبتها في أن يصحبها أحدهم للرقص. فالرقص كان سعادتها الفائقة، وبه تخرج كل ما في داخلها من أحزان.

اضطرت سوزي حينها للعمل في “كاباريه”، ثم تركته ومارست العمل الجنسي الذي تمقته لتعيش، بخاصة أنّها لم تجد من يقبل توظيفها.

يشبّهونها بصوفيا لورين وبريجيت باردو، مضيفةً “إيه، كان إلي عز حلو كتير أنا”، وشبّهت قصة حياتها بقصّة تلك الأخيرة. حين طلبنا منها أن تغنّي، أطلقت حنجرتها لتغنّي Non je ne regrette rien. تذكّرت حبيبها السابق روبيرتو وغنّت له أغنية أخرى كان يحبها، كانت تتوق لتعيش من جديد قصة حبٍّ مع رجل “جينتلمن”، وختمت حينها بأغنية Mal de toi.

ودّعنا صديقتنا الأنيقة منذ سنتين وهي تغنّي، على رغم كلّ القمع والتنمر التي كانت تعانيهما من المجتمع الذي يحاول باستمرار ممنهج كمّ أفواه المختلفين. ثم التقينا بها مصادفة منذ بضعة أشهر مرة أخيرة، مرّ ذلك سريعاً واتشح بمزيج من الحزن والفرح الذي كان داخلها. عاشت آخر سنتين باستقرار نسبيّ بفضل مساعدات جهات عدة. الآن، توقّف قلب سوزي الطيب عن الخفقان بعدما آلمها بما يكفي، ماتت داخل منزلها محاطةً بأصدقائها. بلا ندم، رحلت سوزي نحو عالمها الآخر بسلام وصوتها لا يزال يصدح في آذاننا.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

درج
تتفاوت الوسائل التي ستتأثر بها المرأة من بلد إلى آخر لكن هنا خوف حقيقي من أن استقلالية النساء ستصبح ضحية خفية للوباء، في جميع أنحاء العالم”.
عبير شبارو – خبيرة في الشؤون الجنسانية
بينما تمنحك كروموزومات XX جهازاً مناعياً أقوى وتوقعاً لعمرٍ أطول بحسب ما ذكرته إحصاءات، فإن كونك أنثى يعرضك للتمييز ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً، ويؤدي إلى تهميشك وتهميش صحتك، وذلك في سياق استجابة دول عدة لوباء “كوفيد 19”.
خولة بو كريم – صحافية تونسية
ُمنذ إعلان الإصابة الأولى في تونس بدأت تطبيق الإجراءات الوقائية من الفايروس، على رأسها غسل اليدين، والامتناع عن التقبيل. وكنت أحسب أن الأمر هين، وأن دائرتي المجتمعية ستتفهم الأمر، لكن الحكاية لم تسِر على ما يرام
وردة بوضاهر – أخصائية نفسية لبنانية
في زمن الوباء، كيف تحاول مواقع جنسية مضاعفة أرباحها تحت ذريعة العمل الخيري؟
لينا أبو حبيب – باحثة وحقوقية نسوية لبنانية
هناك الكثير من المبررين للنظام الحاكم. لقد ضُللنا كثيراً ونُصحنا بأن نقبل القيمة الظاهرية لنيات السلطة، وأن نمنح السلطة فرصة أخرى لكن الواقع الفعلي لأحوال المرأة وتعرضها للظلم والإقصاء والتمييز لم يتغير، بل ازداد سوءاً.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
في حين تُمنع النساء في عدد من البلدان الإسلامية من الذهاب إلى المسجد، تعمد نساء مسلمات في دول غربية إلى نشر فكرة انخراط المرأة في الصفوف الدينية الأمامية، باعتباره ذلك جزءاً من حركة تحرر المرأة المسلمة للتعبير عن نفسها.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني