نعشها حملته النساء : وداع “بنيّة تونسية” 

بالشعارات ذاتها التي كانت لينا بن مهني تحملها وتدافع عنها من ساحة إلى أخرى، حُمل نعش الشابة على أكتاف النسويات وهنّ يودّعن "بنيّة تونسية"...

حتى جنازتها كانت تحمل ملامح ثورة …

لأول مرة، تحمل نساء نعش امرأة وتكسرن تقليداً تاريخياً احتكره الرجال، فثبتنّ تمايزاً تونسياً مرة جديدة…

هكذا كانت جنازة الناشطة التونسية الشابة لينا بن مهني التي توفيت جراء مرض عضال فتحولت الى مسيرة حقوقية، تماماً كما كانت حياة الشابة التي رحلت باكراً.

الجنازة أثارت الكثير من الجدل بسبب إصرار رفيقات لينا على حمل نعشها والهتاف للحرية ولها وهو ما اعتبر سابقة وأثار حفيظة بعض الأوساط التقليدية في تونس…

صور الجنازة لمبروكة خضير

وداع نسوي

“نعم لن نموت ولكننا سنقتلع الظلم من أرضنا”، “شغل حرية كرامة وطنية”، ودّعت تونس الناشطة لينا بن مهني (1983- 2020) بالشعارات ذاتها التي كانت لينا تحملها وتدافع عنها من ساحة إلى أخرى، من تظاهرة إلى اعتصام أو وقفة احتجاجية. حُمل نعش الشابة الجميلة على أكتاف النسويات وهنّ يودّعن “بنيّة تونسية”، وهو اسم مدونة بن مهني التي بدأت تكتب فيها قبل عام ثورة 2011 التونسية، مسلطة الضوء على فساد الدولة وانتهاكات نظام زين العابدين بن علي. كانت حياة لينا تحريضاً للتونسيين على حياة أفضل، تصان فيها حقوقهم وتُضمن حرياتهم في نظام جديد، يشبههم، ويشبه أحلامهم.

لينا بن مهني

“كانت تزور الجرحى والمعتقلين وتدور على عائلاتهم. كانت لا تهدأ”، هكذا تقول فوزية، صديقة لينا بعيد جنازتها في العاصمة التونسية. ثم تضيف لـ”درج”: “حاربت المرض والفساد. حاربت القمع والجهل. حتّى أنها قبل مدة قصيرة جمعت 45 ألف كتاب ووزعتها على السجناء. كانت فتاة رائعة”.

الصحافي مهدي الجلاصي، يحاول إخفاء تأثره حين يُسأل عن لينا، رفيقة درب النضال، يقول: “لينا تميزت بعطاء غزير لا محدود، تنهي حصص علاجها من مرض القصور الكلوي في المستشفى ثم تخرج مباشرة نحو التظاهرات المناهضة للتعذيب أو من أجل حقوق جرحى الثورة أو من أجل رفيق معتقل. لم يمنعها جسدها النحيل من أن تكون طاقة نضالية لا تنضب. قبل الثورة كان الأمن يلاحقنا في شوارع العاصمة حين كنا نتظاهر ضد الرقابة على الإنترنت، وعلى رغم ظروف لينا الصحية الصعبة لم تعد إلى منزلها إلا بعد اطمئنانها علينا جميعاً والتأكد من أننا بخير”.

لا أحد لا يعرف لينا، شوارع تونس تعرفها، وتحفظ ملامحها وصوتها وهتافاتها في الساحات وفي التظاهرات.

لينا بن مهني التي أرادت أن تجمع التونسيين حول حقوقهم يوم كان جسدها ما زال بيننا، جمعت التونسيين أيضاً يوم رحيلها، كأنها أرادت أن ترى رفاق النضال والوطن جميعاً، وأن تسلّم عليهم مرة أخيرة، وتلوّح بيدها وتنام بسلام.

لينا أستاذة جامعية ومناضلة حقوقية، استطاعت أن تصبح رمزاً للثورة التونسية والحرية، فيوم كان التونسيون يُضربون ويُقمعون في ساحات التظاهر في ظلّ تعتيم رسمي وإعلامي، كانت لينا توثّق بالفيديوات والصور ما يحصل في التظاهرات وتكتب مشاهداتها وترصد الأحداث الأليمة، حتى يعرف العالم أن في تونس شعباً يثور ويُعنَّف. 

لينا مع الناشطة امينة

لا أحد لا يعرف لينا، شوارع تونس تعرفها، وتحفظ ملامحها وصوتها وهتافاتها في الساحات وفي التظاهرات. ورحيلها بعد معاناة مع القصور الكلوي، أحزن كل زاوية من زوايا البلاد التي أعلنت حداداً شعبياً واسعاً، واحتشد كثيرون أمام مقبرتها البيضاء، يبكون، يزغردون، يعدون لينا بأنهم سيواصلون النضال وأن روحها باقية معهم.

رشحت لينا لنيل جائزة نوبل للسلام عام 2011، وحصلت على جوائز عدة، وكانت من بين أقوى 100 امرأة عربية عامي 2012 و2013. كما حصدت جائزة ”شون ماك برايد” من المكتب الدولي للسلام، عام 2012 بالتشارك مع نوال السعداوي، وعلى جائزة ”مينيرفا” في 2012 واختيرت كأفضل مدونة في مسابقة “البوبز” عام 2011 من قبل ”دويتشه فيله”.

وكانت ضمن قائمة “أشجع مدوني العالم” وفق موقع ”ذي دايلي بيست” التي تضم 17 مدوناً، 14 شباط/ فبراير 2011 وحصلت على جائزة الصحافة العالمية من جريدة ”الموندو” الإسبانية.

الناشط بوراوي فالحي يعلّق على رحيل صديقته لينا: “ماتت لينا صديقة الجميع، صديقة الذين لا تعرفهم ولا يعرفونها، أكثر من رفاقها وعائلتها….

ماتت لينا بعدما حاربت نظام بن علي والتشدد الديني تماماً كما حاربت القصور الكلوي….

ماتت لتلد بموتها فكرة عظيمة، فكرة خالدة لا تموت، فكرة اسمها لينا بن مهني. 

يبدو أن العالم سينام اليوم أكثر حزناً، نقصت منه مناضلة، سقطت منه “بنية تونسية”… سنفتقدها، وستفتقدها كل ساحة نضال وستبقى حاضرة في عيون الثوار في تونس والجزائر ولبنان والعراق وسوريا… وفي كل مكان. ستكون هناك دائماً لينا بن مهني ما، تحرّضنا على الصراخ في وجه الأنظمة والظلم والاستسلام.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
إسلام عزازي
لا يتوقف الضرر الواقع من إزالة العوامات على السكان فقط، فلعائمات النيل السكنية أهمية في تشكيل التاريخ الاجتماعي والفني الحديث. 
Play Video
باستخدام أدوات تكنولوجية مختلفة، كالقصص التفاعلية وتقارير 360 درجة ومقاطع فيديو ورسوم متحركة، استطاعت منصة Tiny Hand تغطية المعاناة والأثر الذي تتركه الحرب على الأطفال وايصالهما الى العالم.

4:41

Play Video
الكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية والناشطة اللبنانية غوى أبي حيدر والناشط السياسي الكويري ضومط قزي الدريبي ضيفا هذه الحلقة من بودكاست “نون” للحديث عن المثلية الجنسية وتصاعد الحملات المعادية لها في الآونة الاخيرة. المحزن ان ملاحقة العلم او الراية بات يشبه حملات مطاردة الساحرات في منطقتنا. تكثر الاخبار من حولنا عن سحب رواية، منع فيلم، مطاردة شعار، ومصادرة ألعاب أطفال لأنها تحمل ألوان قوس قزح، فضلا عن خطابات التحريض والكراهية والملاحقات القانونية والوصم الاجتماعي، وهو ما تكرر في أكثر من دولة بذرائع أخلاقية ودينية. غوى أبي حيدر وهي ناشطة وكاتبة في قضايا الجندر والجنسانية. كتبت سلسلة مقالات عن انتحار الناشطة المصرية سارة حجازي قبل عامين بعد ان سجنت بسبب رفعها علم قوس قزح/ شعار مجتمع الميم وتم اضطهادها ونفيها بسببه الى ان انتحرت. اما الناشط السياسي ضومط قزي الدريبي، فقد شارك في كثير من نشاطات الحراك الاعتراضي السياسي في لبنان في السنوات الاخيرة، لكنه واجه حملات ضده مستغلين هويته الجنسية.

51:48

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني