سوريا: تاريخ تغييب الرقة ودير الزور من التمثيل السياسي والإنماء

المنطقة التي عانت من موجة جفاف وهجرة، دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها خلال الحرب. ولا يزال أهلها اليوم يعانون في طرح مطالبهم، ذاك أن صراع النافذين لا يلتفت لمدنيين فقراء وعزل، ولا يأخذهم في الحسبان.

لا يبدو أن زوال خلافة “داعش” التي وحدت العراق والشام واخترقت حدود الدولة الوطنية الهشة، يساعد أهل الجزيرة السورية على إسماع أصواتهم للأطراف النافذة في الملف السوري، فالمنطقة التي عانت من موجة جفاف وهجرة في العقد الأول من هذا القرن، دفعت ثمناً باهظاً من دماء أبنائها خلال الحرب. ولا يزال أهلها اليوم يعانون في طرح مطالبهم، ذاك أن صراع النافذين لا يلتفت لمدنيين فقراء وعزل، ولا يأخذهم في الحسبان، وغياب التمثيل المنصف هو المأخذ الأساسي لأهالي المنطقة على اللجنة الدستورية التي تعقد اجتماعاتها في جنيف.

“اللجنة الدستورية نسمع عنها فقط، ولا نعرف أحداً يشارك فيها، ولا أحد يمثلنا، فلم يستشرنا أحد ولم يأخذ أحد رأينا بها”. هكذا يصف محمد الحسن (معلم مدرسة) تمثيل أبناء محافظتي دير الزور والرقة في اللجنة الدستورية السورية التي تشكلت بناء على قرار مجلس الأمن 2254، وضمت 150 عضواً وعقدت اجتماعاتها إلى الآن مرتين في جنيف، كان آخرها في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلا أن موعداً ثالثاً ضرب لالتئام اللجنة في كانون الثاني/ يناير الجاري يبدو أنه تأجل نتيجة عدم اتفاق الدول الفاعلة في الملف السوري. 

خلال الأشهر الماضية، نشطت مجموعة من منظمات المجتمع المدني في محافظتي الرقة (شمال شرقي) ودير الزور (شرق) في عقد جلسات حوار، ضمت عدداً من الوجهاء والنشطاء والمهتمين بالشأن العام، لمناقشة العملية السياسية في سوريا واجتماعات اللجنة الدستورية وتمثيل أبناء المنطقة فيها. وهدفت هذه الجلسات بشكل أساسي إلى توضيح سير أعمال اللجنة الدستورية لأبناء المنطقة ومن ثم رفع مطالبهم وأفكارهم إليها. وذلك من خلال استضافة عدد من أعضاء اللجنة المحسوبين على المعارضة أو على قائمة المجتمع المدني، ضمن لقاءات عبر برنامج “سكايب” لعدم قدرتهم الدخول إلى سوريا. 

الناشط أحمد الشيخ أحد مُيسّري الجلسات في “منظمة حماية البيئة والتنمية المستدامة” العاملة في دير الزور وريفها يقول: “هذه الجلسات عبارة عن آراء ترفع إلى اللجنة الدستورية، لكن الناس في شمال شرقي سوريا يعتبرون أنفسهم غير ممَثلين في هذه اللجنة، علماً أن هذه المنطقة تشكل ثقلاً سكانياً ومركزاً للثروات”. 

عن اللجنة وتشكيلها

تشكلت اللجنة الدستورية بناء على قرار مجلس الأمن رقم 2254 والصادر عام 2015 وينص على: “دعم مجلس الأمن للمسار السياسي لحل الأزمة السورية تحت إشراف الأمم المتحدة” كما يؤكد القرار “دعم مجلس الأمن إجراء انتخابات حرة ونزيهة وفق دستور جديد تحت إشراف الأمم المتحدة في مدة أقصاها 18 شهراً من اتخاذ القرار”.

التأخير الحاصل في تشكيل اللجنة وانطلاق أعمالها كان بسبب عدم توافق الدول الفاعلة في الملف السوري على بداية عملها وأسماء أعضائها. وفي هذا الإطار، افتقدت اللجنة إلى معايير واضحة في عملية تشكيلها، وهو ما يؤكده عضو اللجنة الدستورية عن قائمة المجتمع المدني مازن غريبة قائلاً: “في ما يتعلّق بآلية تشكيل اللجنة الدستورية، كان هناك غياب واضح في الشفافية ومعايير اختيار أعضائها، تحديداً أعضاء وفد المجتمع المدني. اعتَمدت آلية الاختيار على توافقات سياسية دولية بين الدول ذات التأثير المباشر على الشأن السوري، مثل تركيا وروسيا والولايات المتحدة، إضافة إلى هيئة المفاوضات السورية والنظام السوري. اختلفت معايير الاختيار، من الانتماء السياسي والأيديولوجي، وحتى المناطقي، إلى الخبرة التقنية والقانونية والخلفية العلمية، لكن التوافقات السياسية كانت هي المحرّك الأهم في اختيار الأعضاء”. 

بلغ عدد سكان الرقة بحسب إحصاء عام 2010 حوالى 910 آلاف نسمة، أي 4.4 في المئة من سكان سوريا موزعين على مساحة المحافظة البالغة 19 ألف كلم مربع.

يبدو أن التوافقات السياسية المذكورة آنفاً لم تكن في مصلحة أبناء محافظتي الرقة ودير الزور، ذاك أن المدينتين الخارجتين من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، تقعان حالياً تحت سيطرة “قوات سوريا الديموقراطية”، والتي تشكل قوات حماية الشعب الكردية عصبها الرئيس وغالبية مقاتليها، وهذا واحد من الأسباب التي أدت إلى غياب تمثيل منصف للمنطقة، إذ لا توافق حتى الآن بين الدول الفاعلة في الملف السوري على شكل التمثيل في المنطقة التي تسيطر عليها القوات الكردية. 

هكذا يبدو أن أعضاء اللجنة الدستورية نفسها ينقدون عملية تشكلها، إذ يتفق مع غريبة القاضي خالد الحلو رئيس مجلس القضاء السوري، ويقول في إحدى مداخلاته في جلسة حوار في مدينة هجين في ريف دير الزور: “لا أحد اطلع على عملية تشكيل اللجنة الدستورية وليست لديه ملاحظات عليها، من الناحية العملية هناك خلل في تركيب اللجنة الدستورية”.

دساتير سابقة وتمثيل ضعيف

كتب السوريون أول دساتيرهم عام 1920 بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية وانسحاب جيوشها من المنطقة، وكان اسمه “القانون الأساسي” على منوال الدستور العثماني، وخلال النصف الأول من القرن العشرين أعيدت كتابة الدستور وتعديله أكثر من مرة، إلا أن الحياة السياسية كانت خاضعة لسيطرة النخب المدينية المنحدرة بشكل أساسي من دمشق وحلب، فيما اقتصر تمثيل أبناء الجزيرة السورية التي تشمل ثلاث محافظات هي الرقة ودير الزور والحسكة على الوجهاء المحليين وأبنائهم، الذين بدأ بعضهم يلتحق في التعليم ويحصل على شهادات تخوله دعم حضوره الاجتماعي والسياسي. هكذا نقرأ أسماء مثل الوجيه ذي الميول القومية والتقدمية ثابت العزاوي ومحمد توفيق الفنوش وهو أول محامٍ في دير الزور وعضو لجنة صياغة الدستور عام 1943، وإبراهيم حاج حسين أول نائب عن دير الزور، ورمضان شلاش الضابط خريج الكلية الحربية في اسطنبول والمنتفض الدائم ضد الانتداب الفرنسي. كذلك عبد الله الويس العجيلي مؤسس الكتلة الوطنية السورية في الرقة ورئيسها في ثلاثينات القرن العشرين، والشيخ فيصل الهويدي والشيخ أنور الراكان، وهذان الأخيران انسحبا من الحياة السياسية منذ مطلع السبعينات، احتجاجاً على نتائج انتخابات خسراها في اللحظات الأخيرة، إضافة إلى عبد السلام العجيلي الطبيب المنحدر من إحدى العائلات الكبرى في الرقة والذي تقلد مناصب نيابية ووزارية وكان من رواد القصة القصيرة.

A member of the Syrian Democratic Forces, backed by U.S. special forces, talks on the radio near Raqqa’s stadium as they clear the last positions on the front line on Oct. 16, 2017. The city was an important Islamic State group stronghold.

في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى رغم ازدياد عدد السكان وتوسع التعليم، وزيادة ارتباط المدن السورية الطرفية بالمركز في دمشق، إضافة إلى شعارات الاشتراكية المساندة للفلاحين، إلا أن الحضور السياسي لأبناء المنطقة الشرقية بقي محصوراً بالهامش الذي سمحت به الحياة السياسية السورية في ظل نظام يسيطر عليه “حزب البعث” وأجهزة المخابرات ويفتقد آليات تمثيل ديموقراطية. 

هكذا اختصر تمثيل المحافظتين في الحياة السياسية على الأسماء المرتبطة بالنظام و”حزب البعث” الذي بات “حزباً قائداً للدولة والمجتمع”، بحسب المادة الثامنة من الدستور السوري الصادر عام 1973، وهو أطول الدساتير السورية تطبيقاً، إذ استمر العمل به 39 عاماً حتى تم تعديله عام 2012 بعد اندلاع الانتفاضة الشعبية. 

وقائع الاقتصاد والديموغرافية

بلغ عدد سكان الرقة بحسب إحصاء عام 2010 حوالى 910 آلاف نسمة، أي 4.4 في المئة من سكان سوريا موزعين على مساحة المحافظة البالغة 19 ألف كلم مربع، فيما وصل عدد سكان دير الزور في الإحصاء ذاته الصادر عن المكتب الوطني للإحصاء ما يقارب مليون و200 ألف نسمة، يتوزعون على مساحة المحافظة البالغة 33 ألف كلم مربع.

انتعش الاستقرار في المحافظتين في النصف الأول من القرن العشرين، مع دخول المحاصيل الزراعية الاستراتيجية كالقمح والقطن والشعير والشمندر السكري في حيز الاستثمار. هكذا أطلق على الجزيرة السورية اسم “كاليفورنيا الشرق” في إشارة واضحة إلى دور غلتها الزراعية في دعم الاقتصاد ولخصوبة أرضها المروية من نهري الفرات والخابور وفروعهما، وكان لمحصول القمح الدور الأساسي في الانتعاش الديموغرافي والزيادة السكانية التي شهدتها المنطقة، يليه في الأهمية القطن الذي رعته وأدخلته إلى المنطقة فرنسا في مرحلة الانتداب (1920- 1946). 

يضاف إلى الزراعة الكشوفات النفطية التي عرفتها المنطقة عام 1962 وبدأ إنتاجها عام 1968 في مدينة دير الزور التي تحوي أهم الحقول النفطية السورية، إلا أن هذه المكانة الاقتصادية لم تنعكس على أبناء المنطقة تنموياً وسياسياً، فبقيت منطقة منسية في إطار مشاريع الدولة وخططها الاقتصادية والاستثمارية، حتى باتت أكثر مناطق سوريا فقراً إذ كانت تحوي عام 2010 ما يقارب 58 في المئة من فقراء سوريا. هذا الواقع الاقتصادي تزامن مع موجة هجرة كثيفة، شهدتها أرياف الرقة ودير الزور في الفترة الممتدة ما بين 2006 وحتى 2009 باتجاه دمشق وحمص ودرعا، وذلك بعد موجة الجفاف التي ضربت المنطقة والتي تزامنت مع سياسات اقتصادية رفعت الدعم عن الوقود المستخدم في تشغيل مضخات مياه الري. أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف الزراعة المروية. وخلال تلك المرحلة كان تركيز الاقتصاد السوري على التجارة بوصفها قاطرة الاقتصاد، ما أدى إلى انهيار الزراعة والصناعة في المرحلة السابقة للانتفاضة الشعبية، ومن يراجع أسماء المدن والبلدات المنتفضة في بداية الثورة، سيجد أنها كانت من أشد المناطق تأثراً بخطط النظام الاقتصادية. 

هكذا اجتمعت سياسات الإفقار وضعف التنمية وسوء توزيع الثروات لتستكمل معاناة الجزيرة السورية وأبنائها الذين لا يزالون على هامش الأجندات الوطنية، على رغم سنوات الحرب والدمار التي دفعوا ضريبتها من أعمارهم وأرزاقهم، إثر انتقال السيطرة على مناطقهم بين فصائل وتنظيمات مختلفة منذ خروج قوات النظام السوري منها. 

خاتمة للمستقبل

لا تبدو مسألة التمثيل السياسي لمحافظتي الرقة ودير الزور في اللجنة الدستورية والعملية السياسية سوى حلقة في سلسلة حلقات من التغييب والإقصاء في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا. وإذا كانت المنطقة سابقاً أقصيت لأسباب تتعلق بمراكز القوى النافذة داخل منظومات الحكم المتعاقبة منذ تأسيس الدولة الوطنية، فهي اليوم تقصى بسبب الصراعات السياسية ما بين مراكز القوى الإقليمية والدولية الفاعلة في الملف السوري من طهران وأنقرة وموسكو، وصولاً إلى واشنطن. 

لا تبدو مسألة التمثيل السياسي لمحافظتي الرقة ودير الزور في اللجنة الدستورية والعملية السياسية سوى حلقة في سلسلة حلقات من التغييب والإقصاء في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا.

على رغم ذلك، يؤكد المستشار القانوني في مجلس دير الزور المدني حذيفة الأحمد: “نحن لا نتنصل من سوريا، نحن أبناء سوريا واحدة، نسعى لأن تكون سوريا واحدة وعادلة اجتماعياً وفيها تمثيل حقيقي يناسب الثوار والمجتمع”. ومثله يقول الناشط المدني سلطان الحسين: “نحن نطمح لدولة مدنية تعددية ديموقراطية حرة تمثل تطلعاتنا وتطلعات الشعب السوري عموماً”. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
علاء الطير – صحافي سوري
يكشف هذا التحقيق عن تواطؤ نظام الأسد مع الحكومة الروسية في تجنيد مئات المقاتلين السوريين للقتال في صفوف حفتر وتسهيل عبور مئات آخرين من المقاتلين المصريين عبر مطار دمشق بالتنسيق والتعاون مع الإمارات والقاهرة.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني