fbpx

حين تتغيّر الأنظمة والإيديولوجيّات وتبقى المأساة

تجارب كثيرة، ربّما كانت الكونغو أهمّها على هذا الصعيد، تقترح علينا مراجعة الثنائيّات التي لا توقف الموت: نظام يساريّ ونظام يمينيّ. نظام مناهض للإمبرياليّة ونظام موالٍ لها... التجارب تلك تقترح علينا، في المقابل، ثنائيّة ربما كانت أدقّ وأسلم: نظام ديموقراطيّ ونظام طغيانيّ...

تجارب كثيرة، ربّما كانت الكونغو أهمّها على هذا الصعيد، تقترح علينا مراجعة الثنائيّات التي لا توقف الموت: نظام يساريّ ونظام يمينيّ. نظام مناهض للإمبرياليّة ونظام موالٍ لها… التجارب تلك تقترح علينا، في المقابل، ثنائيّة ربما كانت أدقّ وأسلم: نظام ديموقراطيّ ونظام طغيانيّ.

الاسم الرسميّ للبلد: “جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة”. يُستحسن، قبل كلّ شيء، أن ننسى وصف “ديمقراطيّة” كي نفهم.

الكونغو بالغ الثراء بالموادّ الطبيعيّة، لكنّه أيضاً ثريّ بتاريخ من الحرب الأهليّة التي لا تتوقّف والمشوبة دوماً بتعاظم نهب الثروة الوطنيّة والفساد في إدارة ما تبقّى منها. مساحته الضخمة تقع في قلب ما بات يسمّيه البعض “الحروب العالميّة في أفريقيا”.

أربعة عناصر أملَتْ هذه الوجهة المأساويّة: الميراث والتدخّل الاستعماريّان، التكسّر الإثنيّ، صعود الجيش كفاعل سياسيّ، وأخيراً الحرب الباردة ومن بعدها الحروب الإقليميّة في الجوار.

النتيجة أنّ الكونغو بات مسرحاً لـ “أكثر الصراعات تسبّباً بالموت منذ الحرب العالميّة الثانية”.

فقط بين عامي 1998 و2017 بلغ عدد القتلى 5،4 مليون إنسان، وقارب عدد المهجّرين الـ 3 ملايين نسمة. نجمت هذه الأرقام الفلكيّة إمّا عن القتال نفسه أو عن الأمراض وسوء التغذية ممّا تسبّب به القتال. الثروات الطبيعيّة، لا سيّما الماس والذهب، أجّجت النزاع دوماً. في نهاية المطاف: معدّل العمر المتوقّع لرجال الكونغو اليوم 58 عاماً وللنساء 61.

السكّان 80 مليوناً. المساحة 2،3 مليون كيلومتر مربّع. العاصمة كينشاسا. التاريخ السياسيّ للبلد هو تاريخ التعاقب، “اليمينيّ” كما “اليساريّ”، و”الغربيّ” الهوى كما “الشرقيّ”، على قتل السكّان وتهجيرهم وإذلالهم.

في 1960 استقلّ الكونغو عن بلجيكا، البلد الذي مارس أحد أسوأ الاستعمارات وأكثرها تحجّراً وطمعاً بثروات البلد من دون أيّ مقابل يُذكَر، خدميّاً أو تعليميّاً، للسكّان. تلت الاستقلال حرب أهليّة وتجزئة موقّتة للبلد تكاملتا مع الحرب الباردة التي كانت تبحث عن طريقها إلى القارّة السوداء. مويس تشومبي، من قبائل لوندا، انفصل واستقلّ بمقاطعة كاتانغا، الأغنى بالثروات الطبيعيّة، مدعوماً من بلجيكا. معارك إخضاع كاتانغا تحوّلت إلى نزاع مع إثنيّة لوبا (أو بالوبا) المتحالفة مع لوندا، والتي أنزل الجيش بها عدداً من المذابح. جوزيف موبوتو، من إثنيّة نغْباندي، قاتلَ، كرئيس لأركان الجيش، مع البلجيكيّين والأميركيّين ضدّ باتريس لومومبا، رمز الاستقلال وحليف السوفيات. لقد كان لومومبا، من إثنيّة تيتيلا، أوّل رئيس حكومة لما بعد الاستقلال، انتُخب شعبيّاً، ومثّل واحداً من رموز “حركة التحرّر الوطنيّ” في أفريقيا و”العالم الثالث”. توجّهه إلى موسكو طلباً لدعمها في مواجهة خصومه المدعومين من بلجيكا والغرب، خسّره تحالفه مع الزعيم الاستقلاليّ المعتدل ورئيس الجمهوريّة جوزيف كازافوبو. في 1961 أطاحه موبوتو انقلابيّاً، ثمّ أعدمه تشومبي وضبّاط بلجيكيّون ليغدو أحد أيقونات مناهضة الاستعمار الغربيّ والتحالف مع السوفيات في “العالم الثالث”.

في 1965، وعبر انقلاب عسكريّ ثانٍ أطاح موبوتو رئيسَه كازافوبو، فيما انهار انفصال كاتانغا. كان أوّل ما فعله الضابط الانقلابيّ حلّ جميع الأحزاب بذريعة تجنّب الفوضى. في 1971، جعل اسمه موبوتو سيسي سيكو كما غيّر اسم الكونغو لتصير زائير. هذا كان جزءاً من برنامجه الذي عُرف بـ “الأصالة القوميّة”. لكنّ التغييرات التي أحدثها تجاوزت الاسم: أقام نظام حزب واحد وباتت عبادة شخصيّته جزءاً من الإيديولوجيا القوميّة الحاكمة. سلطته كانت خلطة من استبداد وفساد وقوميّة متطرّفة وكراهية للأجانب ولتأثيراتهم الثقافيّة، فضلاً عن عداء للشيوعيّة درّ عليه تأييد الغرب في زمن الحرب الباردة. الصين أيضاً، وعلى رغم شيوعيّتها، أيّدته ودعمته نكاية بالسوفيات.

عهد موبوتو المديد كان، بين أمور أخرى، عهد الانهيارات الاقتصاديّة: تضخّم فلكيّ وديون باهظة وتخفيضات كثيرة وكبيرة لقيمة العملة. لأكثر من ثلاثة عقود، ظلّت أوضاع حقوق الإنسان بين الأسوأ في العالم.

في 1997 أطيح موبوتو على يد المتمرّدين وصار لوران كابيلا رئيساً. في هذه الغضون حلّت مجزرة رواندا في 1994 فأضافت سبباً آخر للعنف الكونغوليّ. ذاك أنّ موبوتو دعم ميليشيات الهوتو التي أنزلت المجزرة الشهيرة بالتوتسي، ومع هزيمتها لجأت تلك الميليشيات إلى الكونغو وباتت، من وراء الحدود، تشنّ الهجمات المتقطّعة على رواندا. الراونديّون ومعهم الأوغنديّون غزوا الكونغو مرّتين في 1996 فيما كانوا يطاردون ميليشيات الهوتو. وبالتعاون مع كابيلا، الذي تضخّمت قوّاته بالتوتسي، أمكن إسقاط موبوتو. هذه كانت “حرب الكونغو الأولى” (هي بالأحرى الثانية إذا اعتبرنا أنّ الأولى حصلت في الستينات). تلك الحرب علّمت، بين ما علّمته، درساً مهمّاً ما لبث أن توسّع العمل به في “حرب الكونغو الثانية”: إنّ من يرقّق الحدود الوطنيّة كي يسهّل تدخّله في البلدان المجاورة إنّما يرقّقها في الاتّجاهين، بحيث يسهّل تدخّل البلدان المجاورة في بلده. في تلك الحرب تدخّلت زيمبابوي وناميبيا وأنغولا وتشاد والسودان.

كابيلا، الذي حلّ محلّ موبوتو، من قبائل اللوبا في إقليم كاتانغا. كان من أتباع لومومبا، وقاتل ضدّ انفصاليّة مويس تشومبي، ثمّ ضدّ موبوتو. تشي غيفارا قدّم مساعدات لكابيلا في 1965، كما ظهر في الكونغو مع قرابة مئة مقاتل أرادوا إحداث ثورة على غرار النموذج الكوبيّ. لم تنشأ بين الاثنين أيّ كيمياء. غيفارا اعتبر أنّه يفتقر إلى “الجدّيّة الثوريّة”.

في قتاله ضدّ موبوتو على رأس “تحالف القوى الديمقراطيّة لتحرير الكونغو – زائير”، استخدم كابيلا الأطفال في الحرب وقُدّر أنّ حوالي عشرة آلاف طفل قاتلوا في ظلّ قيادته. بعد فشل التمرّد بدأ حملة لتهريب الذهب حول بحيرة تنجانيقا، كما أدار باراً وبيت دعارة. في 1967 أنشأ “حزب الشعب الثوريّ” بمعونة الصين، لكنْ حين انتصر، عطّل الدستور وسمّى البلد “جمهوريّة الكونغو الديمقراطيّة”.

بين 1997، تاريخ ابتداء عهده، و2003، نشبت “الحرب الثانية” التي تدخّلت فيها بلدان مجاورة عدّة حتّى سمّيت “الحرب العالميّة الأولى في أفريقيا”. الأسباب المباشرة للحرب الثانية تكمن في الحرب الأولى نفسها: فحكومة رواندا التوتسيّة سلّحت توتسيّي الكونغو الشرقيّ أي بني أموِلِنج. أكثريّة مقاتلي كابيلا باتوا من التوتسي، لكنّ جيشه إبّان تقدّمه قتل 60 ألف مدنيّ من إثنيّات عدّة. بعد الانتصار، رفضت القوّات الروانديّة التي قاتلت مع كابيلا أن تعود إلى بلدها، فبدا كأنّه “صنيعة الأجانب”. في النهاية أخرج كابيلا الروانديّين (والأوغانديّين)، لكنّ توتسيّي الكونغو خافوا واعتبروا أنّ الوضع الجديد يستهدفهم ويهدّدهم.

جوزيف كابيلا أصبح رئيساً حين اغتيل أبوه لوران في 2001 على أيدي حرّاسه. تكرّست رئاسته في انتخابات أجريت في 2006. كانت تلك أوّل انتخابات حرّة في أربعة عقود. جُدّد له في 2011 في انتخابات مطعون فيها. ولايته انتهت في ديسمبر/ كانون الأوّل 2016 لكنْ لم تعد تُجرى انتخابات بعد ذاك. المعارضة جدّدت اتّهامها المزمن له بمناوأة الدستور للبقاء في السلطة.

في غضون ذلك كانت الحرب الثانية قد انتهت رسميّاً في صيف 2003، بعد عامين على تسلّم جوزيف كابيلا السلطة وإقامته حكومة وحدة وطنيّة في ظلّ توافق إقليميّ على دعم الوضع الجديد. سهّل ذلك أنّ الروانديّين كانوا قد انسحبوا من المناطق التي كانوا لا يزالون يحتلّونها في الشرق. هذه المرحلة الانتقاليّة انتهت في 2006 مع انتخاب كابيلا الذي يبدو أنّه خاتم الانتخابات.

إلى الإغلاق السياسيّ المتجدّد، بقي الشرق، الغنيّ بالثروات كما بالإثنيّات، أرضاً مفتوحة للصراعات بنوعيها، الداخليّ والعابر للحدود. فـ “انتفاضة” “جيش الربّ المقاوم” (وتعود بداياتها إلى 1987) شمل نشاطها الدينيّ الوحشيّ كلاًّ من أوغندا وجنوب السودان وجمهوريّة أفريقيا الوسطى، فضلاً عن الكونغو. أعمالها تدامجت مع التناقضات الأهليّة في تلك البلدان. كذلك اتّسعت رقعة النزاع المسلّح بين إثنيّتي كيفو وإيتوري، وكلٌّ منهما موصولة بامتدادات أهليّة خارجيّة وبمصالح تعود إلى شركات أجنبيّة.

هكذا بات العنف ينمو بذاته مستقلّاً حتّى عن أسبابه. الموت يتزايد. القضايا القاتلة ومشاريع “التحرير” والمصالح الداخليّة والخارجيّة الملوّثة تتزايد أيضاً. وحدها السياسة تقلّ.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
Play Video
سكت أو صمت… شعر أو أحسّ… ما الفرق؟ تابعوا كلمة وأصلها مع باسكال

1:00

Play Video
يواجه لبنان محاولات تضييق مستمرة على حرية التعبير وحرية الاعلام وآخر مظاهر هذا التضييق رفض لبنان التوقيع على بيان يلتزم بحرية التعبير وحقوق مجتمع الميم. هنا فيديو لـ”تحالف الدفاع عن حرية التعبير في لبنان” والذي يضم 15 مؤسسة وجمعية حقوقية واعلامية رداً على حملات التضييق المتكررة.

2:53

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني