سر اكتساب عادات أفضل

يناير 28, 2020
الإقلاع عن شيء ما، من شأنه أن يرتقي بفضيلة الشخص ويجعله إنساناً أفضل.

نظراً لنشأتي الكنسية، يبدو يوم رأس السنة الجديدة شبيهاً ببداية الصوم الكبير بالنسبة إلي. فمتى اقترب أي منهما، بدأ الحديث عن اعتزام الإقلاع عن شيء ما حتى تبدأ الأشياء بالتداخل: الشوكولاتة، الكحول، الوجبات الخفيفة بعد العشاء، المشروبات الغازية، تمضية وقت طويل أمام الشاشات. يُعد المؤمنون الصوم الكبير امتثالاً لفعل المسيح الذي صام في البرية قبل بدء بعثته العلنية. وبالمثل، تطور الاحتفال بالسنة الجديدة ليتحول إلى طقس للتكفير عن آثام السنة الماضية. ففي حين يسعى المسيحيون إلى التكفير عن الأخطاء الروحانية، يسعى متخذو القرارات في رأس السنة إلى إصلاح ما ارتكبوه في السنة المنصرمة.

والفكرة واحدة وهي أن الإقلاع عن شيء ما، من شأنه أن يرتقي بفضيلة الشخص ويجعله إنساناً أفضل.

قد يكون ذلك صحيحاً من الناحية الروحانية، فمن يدري؟ لكن الأساس العلمي للسلوكيات التقييدية والعادات وفاعلية الحرمان بوصفه أداة للتغيير طويل الأمد، أكثر تعقيداً من ذلك.

ماذا يقول العلم عن ضبط النفس؟

تشير أبحاث علم النفس إلى أن ضبط النفس – وهو “القدرة على تغيير أو التغلب على ميول الاستجابة السائدة وتنظيم السلوك والأفكار والانفعالات”، وفقاً للتعريف الذي نشرته مجلة Personality and Social Psychology Review عام 2017 – ليس بالضرورة فطرياً. تشير دراسات عدة إلى أن ضبط النفس سلوك يمكن تعلمه واكتسابه، كأي مهارة أخرى تُكتسب وتتطور بالممارسة.

لكن العلماء اكتشفوا أن قوة الإرادة مورد محدود مثل الطاقة المادية، أي أنها قصيرة الأجل وتنفد مع كثرة الاستخدام.

ما علاقة ذلك بالسلوك التقييدي؟

من السهل أن تتخذ قرارات عامة وفضفاضة مبنية على الحرمان مثل “أنا أتناول الكثير من الحلويات. لذا، سأقلع تماماً عن السكر حتى الفاكهة، على مدار الأشهر الستة المقبلة، ومن ثم سأروض الوحش النهم للسكر بداخلي، أو لقد أصبحت مدمناً وسائل التواصل الاجتماعي، سأبتعد تماماً من هذه الشبكات”.

إنه لوهم مريح، أن تفكر في أنه بإمكانك التحول من النقيض إلى النقيض بين ليلة وضحاها، وهناك برامج وخطط حميات غذائية عدة تلعب على وتر هذه التطلعات. 

لكن الزمن، وكذلك العلم، لهما رأي آخر مفاده أن التقييد قد يؤدي إلى سلوك دوري متكرر. بالنسبة إلى تقييد السعرات الحرارية على سبيل المثال، يشير البعض إلى هذا السلوك الدوري بهذه الكلمات “أكل، ندم، تكرار”. ثمة دراسة شهيرة أجرى فيها باحثون مقابلات مع رافضي الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الثانية، الذين وافقوا على أن يكونوا في حالة جوع شبه دائمة لمدة ستة أشهر. وفي تلك الفترة، أصبح الطعام يسيطر على تفكيرهم بشكل كبير وقالوا إنهم كانوا يمضون معظم وقت فراغهم في التخطيط لما سيأكلونه بعد انتهاء هذه الأشهر الستة، وفي مطالعة كتب الطهو، والحديث عن تفكيرهم في العمل في صناعة الغذاء في المستقبل.

ينطبق هذا المثال على أنواع أخرى أيضاً من التقييد مثل الامتناع عن الكحول أو قضاء وقت أمام الشاشات. في حين تساعد برامج مثل برنامج الامتناع عن الكحول في كانون الثاني/ يناير وبرنامج الابتعاد من وسائل التواصل الاجتماعي في تقييم علاقة الفرد أو مدى اعتماده على سلوك خاطئ معين، إلا أنها قد تؤدي إلى سيطرة هذا السلوك على تفكيره (وفي نهاية الأمر إلى النهم) عندما تنتهي فترة الحرمان.

قلِّلْ التفكير في الخطيئة

إذا كان سر اكتساب عادات حميدة لا يكمن في التقييد فماذا علينا أن نفعل؟ يشير العلماء إلى أنه ينبغي تقليل التفكير في الإقلاع عن الخطيئة أو السلوك الخاطئ والإكثار من التفكير في القيام بأنشطة أفضل.

هناك دراسة نشرت في مجلةBritish Journal of Health Psychology، عام 2006 تدعم هذه النظرية. كُلف المشاركون في هذه الدراسة بالقيام بعدد من التمارين المتسقة والمحدد وقتها لمدة شهرين. وبعد انتهاء المدة، قال المشاركون إنهم قللوا من التدخين وشرب الكحول وتشجعوا على تناول طعام صحي وازداد لديهم الشعور بالمسؤولية المالية وتحسنت عاداتهم الدراسية.

اكتشف العلماء أن قوة الإرادة مورد محدود مثل الطاقة المادية، أي أنها قصيرة الأجل وتنفد مع كثرة الاستخدام.

نُقل المشاركون بعد ذلك إلى المختبر لإجراء قياس لمستوى ضبط النفس، وكان أداؤهم أفضل من المجموعة الضابطة المقارنة التي لم تُكلف بنظام تمارين رياضية.

فكر في جدولة الأنشطة التي ستدعم أهدافك السنوية. إذا كنت ترغب في تقليل الوقت الذي تمضيه في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي، فعليك التفكير في هواية جديدة لشغل ذهنك ويديك مثل صناعة الفخار أو التطريز. وإذا كنت ترغب في تقليل شرب الكحول فلا تمتنع تماماً عن مشروبات الكوكتيل الكحولية، بل اقتنِ كتاب وصفات لمشروبات الكوكتيل غير الكحولية وأحضر بعض المكونات وليكن هذا العام هو العام الذي توازن فيه بين الخطيئة والفضيلة. 

هذا المقال مترجم عن salon.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

باتريك رزق الله – تربوي وصحافي
لقد حمل إلينا “كورونا” الرسالة. لكنّنا لم نفهمها. أن نعود إلى هدوئنا. أن ندرك ماهيّته ورسالته قبل أن نهمّ بأداء رسالتنا التّعليميّة. لكن للأسف، نحن المعلّمين، في كثير من الأحيان، لا نفهم الدّرس.
“درج”
إليكم لائحة بالأمور المجانية، التي يمكنكم فعلها للاستفادة بوقتكم والاستمتاع أثناء فترة الحجر المنزلي…
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
أجد نفسي وحيدًا في خضمّ حفلة الجنون هذه، لا شيء واضح سوى الخوف. حتّى أنّ القطط في الشوارع تبدو مرعوبة من الهدوء الذي هبط عليها فجأة. ليست المشكلة في اعترافنا بخوفنا، بل إنّه حاجة أساسيّة للعبور. المشكلة تكمن في تطبيعنا معه بهذه السهولة
ترجمة – New Yorker
تكلفة العزلة حقيقية وباهظة. فقد تبين أن الوحدة تشكل عاملاً كبيراً في زيادة أرواح البشر المهدورة.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
في ما يلي مقابلة أجراها “درج” مع مدربة مهارات الحياة ومتخصصة في شؤون الأسرة، وفيها نصائح لتعامل مثالي مع الأطفال حول فايروس “كورونا”.
جاد شحرور – صحافي لبناني
في ساعات الحجر فكر بمن حجر نفسه لسنوات ولم يتفوه بكلمة واحدة. الحجر بأنواعه الصحية كالمرض، والسياسية كالقمع، والاجتماعية كنظرة مجتمع، والاقتصادية كالفقر والعوز، والنفسية، نتيجة كل ما ورد
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني