fbpx

أزمة الإنترنت في اليمن… حياة مشلولة وخسائر اقتصادية

اليمن وفق التقارير الدولية هو الأضعف في مجال الإنترنت على مستوى العالم!

لساعات ظلت رسالتي عالقة، وأنا أروح وأجيء بانتظار أن تصل مادتي المرسلة عبر “الإيميل” إلى “درج”. حالي كحال كل اليمنيين الذين يعانون يومياً من ضعف الانترنت، “الناتج عن انقطاع الكابل البحري الرئيسي الذي يغذي الخدمة في البلاد بنحو 80 في المئة”، حد قول الجهة المختصة.

تسبب الضعف المستمر في خدمة الإنترنت في اليمن، بخسائر مالية في القطاعات التي تعتمد على الخدمات كالمصارف وشركات الصرافة وشركات الاتصالات والشركات التجارية، تزيد عن 100 مليار ريال يمني (الدولار يساوي 570 ريالاً في صنعاء و640 ريالاً في عدن) بحسب خبراء اقتصاديين يمنيين.

توقفت المصارف لأيام عن إرسال واستقبال الحوالات المالية الخارجية وحتى الداخلية، نتيجة توقف الارتباط بشركات الصرافة الدولية والقطاع المصرفي الدولي، ما أدى إلى تعليق الحوالات المالية.

هذا الانقطاع ساهم في إعاقة المراسلات التجارية بين الشركات المحلية والخارجية، إلى جانب توقف الكثير من محلات الاتصالات عن العمل، في ما يتعلق بخدمات سداد فواتير الهاتف وشحن الرصيد، كونها تحتاج إلى إنترنت، وعجز أصحاب الريال الإلكتروني (عملة إلكترونية جديدة في صنعاء)، عن التصرّف بأموالهم.

إلى ذلك، لاقى العاملون في المجال الصحافي ومراسلو القنوات الفضائية ومستخدمو “يوتيوب”، صعوبة بالغة في رفع الفيديوات وإرسال الصور والتقارير الإخبارية إلى القنوات والصحف والمواقع التي يعملون فيها، علماً أن عملهم يحتاج إلى السرعة لمواكبة الأحداث، بخاصة في بلد يعاني من الحرب والصراعات.

بنية تحتية هشّة

يرجع الصحافي والناشط اليمني عبد الحميد شروان، سبب انقطاع الخدمة إلى ضعف البنية التحتية لقطاع الإنترنت في اليمن منذ عقود، إلى جانب الإهمال الكبير الذي عانى منه هذا القطاع منذ عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح”.

ويفتقر اليمن إلى البنية التحتية للاتصالات عموماً، إذ ما زالت “المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية”، تستخدم الأسلاك النحاسية عبر خدمة ADSL، وهي قديمة جداً، أنشئت من أجل الاتصالات الهاتفية ثم أضيفت خدمة الإنترنت ADSL في السنترالات عبر هذه الأسلاك، فيما تحتاج البلاد إلى الخدمة بالألياف الضوئية، بحسب المهندس المتخصص في مجال الاتصالات، أحمد عسلان. ويرى عسلان أن “الألياف الضوئية يمكن أن ترفع سرعة الإنترنت إلى 1000 ميغابايت، ومثلها خدمة 4G اللاسلكية التي تصل سرعتها إلى 100 ميغابايت في بعض البلدان”.

يقول عسلان لـ”درج”، إن “سرعة الإنترنت في اليمن وصلت أخيراً في بعض المدن الرئيسية إلى نحو 8 ميغابايت فقط، بينما في الدول المجاورة ومنها الصومال والسودان وجيبوتي، تحسنت الخدمة لتصل إلى 20 ميغابايت، وهو عائق يضاف إلى محدودية نقاط تزويد الخدمة التي لا تلبي الطلب المتزايد من المستخدمين”.

الأضعف عالمياً!

“اليمن وفق التقارير الدولية هو الأضعف في مجال الإنترنت على مستوى العالم” كما يقول شروان. ويضيف لـ”درج”: “إن الاحتكار الذي تفرضه شركة يمن نت (المزود الوحيد للخدمة) على قطاع الإنترنت وعدم دخول أي شركات منافسة لها في السوق، له دور كبير في مشكلة الإنترنت”، إذ “تستغل الشركة هذا الأمر في فرض شروطها، كيفما كانت، ويضطر المواطن إلى تقبل الخدمة بكل رداءتها مجبراً”.

الشركة اليمنية للاتصالات الدولية (تيليمن)، قالت في بيان أصدرته في مؤتمر صحافي، إن “أكثر من 80 في المئة من السعات الدولية الخاصة بخدمات الإنترنت، خرجت عن الخدمة نتيجة تعرض الكابل البحري الدولي “فالكون” للانقطاع في البحر الأحمر – خليج السويس بالقرب من ميناء السويس، بسبب مرساة سفينة كبيرة، بحسب إفادة الشركة المالكة للكابل البحري فالكون (GCX)”. 

وأكدت تيليمن أن عملية الإصلاح يتابعها مختصون في الشركة، وأنها “تبذل جهوداً كبيرة لتوفير سعات إسعافية موقتة لضمان استمرارية خدمة الإنترنت إلى حين استكمال عملية الإصلاح وعودة الخدمة بصورة كاملة”.

وأشارت تيليمن إلى أن “الانقطاع حصل في عدد من دول المنطقة مثل السودان والكويت والسعودية، غير أن التأثير في اليمن هو الأشد وطأة، لاعتماد الشركة على الكابل البحري فالكون كمصدر رئيسي لتوفير السعات الدولية، لأن الظروف الحالية أعاقتها عن استخدام البدائل الأخرى المملوكة لها بما يكفل استمرارية خدمة الانترنت دون انقطاع”.

هذا الانقطاع ساهم في إعاقة المراسلات التجارية بين الشركات المحلية والخارجية، إلى جانب توقف الكثير من محلات الاتصالات عن العمل.

في السياق، يرى عسلان، أن “اعتماد الشركة على كابل واحد رئيسي يشكل خطراً على الأمن القومي للبلاد، إذ يسهل لأي عدو إمكان قطع الخدمة بسهولة، ما يسبب خسائر اقتصادية بمليارات الريالات، وكذا تعطيل معظم الخدمات التجارية والمالية مثل الريال الإلكتروني والحوالات المالية الخارجية”.

وفيما ترجع الشركة سبب التوقف إلى انقطاع الكابل، تداولت وسائل إعلام يمنية أخباراً عن سبب آخر هو “تأخر تيليمن، التي تديرها حكومة الإنقاذ في صنعاء، في سداد الرسوم السنوية لعام 2019 التي تبلغ 120 مليون دولار”.

هذه الأخبار لم تُنسب إلى جهة رسمية في صنعاء أو عدن، بل استندت إلى حديث خبير لم تُكشف هويته، غير أن عسلان يرى أنها “قد تكون صحيحة، لأن خبر انقطاع الكابل لم تتبنه غير تيليمن، وهو ما يثير الشكوك حوله، خاصة بعد عودة خدمات جوجل للعمل في اليمن”.

وقال المهندس علي البدوي، أمين عام النقابة الوطنية للشبكات، إن المشكلة الرئيسية تتمثل في انقطاع الكابل الذي يحتاج إلى الإصلاح في أسرع وقت وتحييد الإنترنت عن الصراعات السياسية، مضيفاً في منشور على صفحته في موقع التواصل الاجتماعي “فايسبوك”: “هناك من يحاول استغلالنا وتوجيهنا بحسب رغباته”.

حرب وإشاعات 

أدى الانقطاع شبه التام للإنترنت في اليمن إلى انتشار شائعة انعدام المشتقات النفطية، ما دفع بالمواطنين إلى التزاحم على محطات الوقود لتفادي الأزمة، قبل أن تحذّر شركة النفط اليمنية من “خطر الإشاعات التي يروج لها تجّار السوق السوداء مستغلين انقطاع الإنترنت”.

وساهمت الحرب في تردي وضع الاتصالات في اليمن بشكل كبير، إذ تعرضت النبية التحتية لـ1548 غارة جوية شنتها طائرات التحالف واستهدفت بشكل مباشر مواقع ومنشآت تتبع الاتصالات، بحسب تصريحات الوزير في حكومة الحوثيين، عبد الله النمير، الذي قال إن “60 مدينة ومنطقة وقرية تم عزلها عن العالم بسبب تدمير شبكات أبراج الاتصالات والإنترنت بشكل كامل ومنع تأهيلها وإعادة تشغيلها”.

يحمّل شروان وزارة الاتصالات بكل وزرائها المتعاقبين على تولي إدارتها منذ عهد صالح إلى اليوم، كل هذا الخراب الذي يحدث، إلى جانب “دول تحالف العدوان السعودي، لعرقلتها وصول الكثير من الأجهزة التي من شأنها تطوير جانب من قطاع الإنترنت في البلد”، ويقول لـ”درج”: “سيستمر تكرار الخراب إن لم يتم تطوير هذا القطاع لمواكبة دول المنطقة في ما وصلت إليه من خدمات”.

حلول معلّقة

“تمتلك شركة تيليمن كابلاً تبلغ سرعته 500 غيغا وبتكلفة 40 مليون دولار، تم إيصاله إلى عدن منذ سنتين ولم يُستخدم حتى اللحظة” بحسب عسلان.

يقول رئيس نقابة الشبكات الوطنية، أحمد العليمي، إن الكابل فالكون المستخدم منذ عام 2006، من أقدم الكابلات وفي نهاية عمره، ومع انقطاعه اعتمدت الشركة على الكابل فلاج (1997) الذي يغذي الخدمة بنسبة 20 في المئة، بعدما انتهى عمره الافتراضي”. ويضيف في منشور على “فايسبوك”: “الكابل الذي يكون في نهاية عمره الافتراضي تكون عملية إصلاحه بطيئة، ولذا لا بد من بدائل طارئة”، ويرى أن “الكابل SMW5، الذي تم إيقاف إدخاله للخدمة من قبل حكومة عدن (يرأسها معين عبد الملك وتقيم في الرياض) هو أقرب الحلول لو تم تشغيله”.

يفتقر اليمن إلى البنية التحتية للاتصالات عموماً، إذ ما زالت “المؤسسة العامة للاتصالات السلكية واللاسلكية”، تستخدم الأسلاك النحاسية عبر خدمة ADSL.

وتقول الشركة، إن “الكابل البحري SMW5 تم الاستثمار فيه وتملك الشركة سعات دولية كبيرة تصل كلفتها إلى ما يقارب 30 مليون دولار، ودخل حيز الخدمة في حزيران/ يونيو 2017، إلا أن تيليمن لم تتمكن من الاستفادة من تلك السعات لتعذر استكمال عملية إنشاء الكابل البحري ومحطة إنزاله في الحديدة نتيجة الحظر والحصار”.

وبحسب الشركة فإن “الكابل البحري 1-AAE والذي تم الاستثمار فيه وتملّك سعات دولية كبيرة تصل كلفتها إلى 40 مليون دولار، أصبح جاهزاً للاستخدام منذ أيلول/ سبتمبر 2017، ولكن لم تتمكن الشركة من استخدام السعات المملوكة فيه نتيجة للحظر المفروض على قطاع الاتصالات من قبل التحالف”.

ويرى شروان أن الحل يتمثل في فتح المجال للشركات الخاصة والمستثمرين للاستثمار في قطاع الإنترنت، وكسر الاحتكار الذي تفرضه “يمن نت” (خدمة الإنترنت من تيليمن)، لأن المنافسة ستقدم الخدمة للمواطن بشكل أفضل.

2 من أصل 8

يشترك اليمن في كابلين بحريين من أصل 8 تمر من البحر الأحمر، وتحتاج خدمة الإنترنت في البلاد إلى التطوير، من خلال استخدام تقنيات الـ4G والـ5G كما هي الحال في دول كثيرة، إلى جانب زيادة سعات الروابط الدولية والانتقال إلى الإصدار السادس من عناوين الإنترنت IPv6، إذ إن عودة الكابل “فالكون” إلى الخدمة سيعيد الإنترنت، فيما ستبقى الخدمة بطيئة، وإن تحسّنت بعض الشيء، لأن عدد المشتركين حالياً يفوق عدد عناوين الإنترنت IPv4 المتوفرة لدى “يمن نت”.

على رغم ذلك، يظل المواطن اليمني يتجرع مرارة العيش في دولة تعاقبت أنظمتها على قطاعات ومؤسسات مشلولة، في ظل بنية تحتية هشّة، واحتكار خدمي وتجاري فاقم المعاناة.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
انفجار بيروت الذي انقض على أفراحها الصغيرة وتلك الكبيرة أيضاً، لم يسلم منه أحد، لم يسلم منه شيء، حتى اللوحات الهانئة والتحف الفنية… فيما الدولة غائبة، تتصرّف وكأنّ لا شيء حدث، تشتري المزيد من الوقت على حساب خسائرنا، وحسب.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني