fbpx

“لن نغادر الساحات”: متظاهرو العراق في مسيرات مفتوحة ضد القمع

بعد انسحاب التيار الصدري من ساحات التظاهر في كافة المحافظات العراقية، تصاعدت عمليات تصفية وقمع المتظاهرين، إلا أن كثر رفضوا الاستسلام وترك الساحات...

يجلسُ عباس تحت بقايا الخيمة التي أحرقتها قوات مُكافحة الشغب، غيرُ مُبالٍ بأن الخيمة أصبحت مُتهالكة، وغير قادرة على تجنيبه برد الشتاء. 

كان عباس يجلس هو ومتظاهرين آخرين تحت هذه الخيمة للتنسيق والنقاش بشأن التظاهرات إلى حد أنه سكن فيها، إلى أن عمدت قوات الأمن إلى حرقها في سياق التصعيد الأمني الأخير ضد المتظاهرين. يقول عباس لـ”درج”، “ليس لدي خيمة غير هذه، في الواقع من الصعب استئجار أو شراء خيمة أخرى لأن إمكانياتي المادية شبه معدومة. خرجت إلى ساحة التحرير وأقمت خيمتي هنا لأني لا أملك منزلاً لأُسكن عائلتي به، ولا أملك وظيفة رغم إني خريج كلية إدارة واقتصاد… إلا أني ومنذ تخرجي قبل ثمان سنوات وحتى الآن عاطل ودون وظيفة.”

تمتلئ ساحات التظاهر بحالات مشابهة لعباس، فهناك كثر ممكن رفضوا الاستسلام والانكفاء بعد حرق خيم التظاهر. الحاجان عبد الله وفاضل، يجوبان ساحة التظاهر متشابكي الأيدي في مشهدية يريدان من خلالها إعلان عدم تراجعهما عن التواجد في الساحة. يقول الحاج فاضل “أنا ابن مدينة الكاظمية، والحاج عبد الرحمن صديق لي ابن مدينة الاعظمية، ونحن نتعمد أن نسير في ساحة التحرير، متشابكي الأيدي لنقول إن هذا الشعب واحد بلا توجهات أو تحزبات وبلا نزاعات فهذه التظاهرة لن تقود إلى حربٍ أهلية كما يظن البعض.”

يقول الحاج عبد الرحمن، “خروجنا اليوم ليس من أجلنا، فلم يتبقَ من عمرنا شيء، نحن نخرج اليوم من أجل أبنائنا، من أجل هؤلاء الشباب الصغار الذين يقدمون أعمارهم في سبيل هذا الوطن، من أجل العيش بكرامة.”

قاسم، والحاجين عبد الرحمن وفاضل، وغيرهما من المتظاهرين فضلاً عن أكثر من ثلاث آلاف طالب جامعي لم يغادروا الشوارع، رداً على من يحاول دفعهم نحو الانسحاب.

مليونية شعبية

بعد انسحاب التيار الصدري من ساحات التظاهر في كافة المحافظات العراقية، تصاعدت عمليات تصفية وقمع المتظاهرين، فتكرر حرق الخيم في ساحة الوثبة والخلاني وصولاً إلى القتل العشوائي باستخدام الرصاص الحي، وقنابل الغاز المسيل للدموع الذي كان يستهدف رؤوس المتظاهرين تماماً كما حدث منذ 1 اكتوبر 2019…

الإعلام الموالي للسلطة في العراق استعمل تبريرات من نوع، “القوات الأمنية تعمل على فتح الشوارع تلبيةً لشكاوى المواطنين”، إلا أن الواقع يشير أن لا شوار فُتحت، سوى طريق محمد القاسم الذي تم فتحه بعد قيام القوات الأمنية بعمليات اعتقال لأعداد كبيرة من المتظاهرين الذين تسببوا بقطع هذا الطريق. الأخطر هو عمليات القتل العنيف التي تعرض لها متظاهرون إذ سجل رمي عدد من المعتقلين من فوق جسر محمد القاسم من قبل قوات مكافحة الشغب والشرطة الاتحادية.

“خروجنا اليوم ليس من أجلنا، فلم يتبقَ من عمرنا شيء، نحن نخرج اليوم من أجل أبنائنا، من أجل هؤلاء الشباب الصغار الذين يقدمون أعمارهم في سبيل هذا الوطن، من أجل العيش بكرامة”.

لم تُثن عمليات التصعيد التي شهدها العراق في الأيام الأخيرة، ولا انسحاب التيار الصدري من ساحات التظاهر، المتظاهرين عن الاستمرار بتحركهم بل تم تصعيد التظاهرات، والتي شارك فيها طلاب من مختلف الأعمار. يؤكد أسامة البالغ من العمر 15 سنة أنه بادر للتنسيق مع مجموعة من طلاب آخرين في مدارس مختلفة للتوجه نحو الساحات. “لقد توجهنا كحشود طلابية باتجاه ساحة التحرير…قمنا نحن وزملائنا في المدارس بالتنسيق من أجل الخروج إلى الساحة والوقوف سوية جنباً إلى جنب مع أخوتنا”.

أما محمد، وهو طالب مدرسة في الزعفرانية ويشارك في تظاهرات ساحة الخلاني، “خرجت مع بداية تظاهرات أكتوبر، وها أنا أكرر خروجي، لسببٍ واحد في مدرستي يتواجد في الصف الواحد أكثر من 80 طالب، بعضنا يجلس على الأرض، وآخرون يجلسون على مقاعد محطمة… لا توجد تدفئة في غرفة الصف خلال فصل الشتاء، ولا توجد أجهزة تبريد خلال فصل الصيف، كيف بإمكاني أن أركز على المادة الدراسية وأنا أدرس بهذه الظروف، فضلاً عن عملي كعامل بناء لأعيل عائلتي؟ أليست هذه أسباب كافية لأكون هنا.”

ورغم سقوط عدد كبير من الضحايا من المتظاهرين وتعرض الساحات لهجمات أمنية عنيفة، إلا أن توافد المتظاهرين لم يتوقف. ويؤكد جمال وهو أحد المتظاهرين “يتوافد العشرات من المتظاهرين إلى ساحة التحرير، حتى أن بعض الخيم نُصبت حديثاً في الساحة، فضلاً عن الدعم اللوجستي من الطعام والشراب، هنالك عربات تقوم بنقل الطعام إلى ساحة الوثبة والخلاني وجسر السنك في سبيل أن لا يتراجع شبابنا”.

المتظاهرون في ساحة التحرير يرفضون التراجع وأعلنوا استمرار حراكهم رغم انسحاب اتباع التيار الصدري، الذين كانوا يشكلون حزاماً أمنياً لساحة التظاهر، فهو الجهة الوحيدة التي ردعت الحكومة العراقية ومنعتها من مدّ هجماتها ضد المتظاهرين لقمعهم. من هنا بدا انسحاب زعيم التيار الصدري من الساحات بمثابة الضوء الأخضر للحكومة كي تقمع التظاهرات.

ترتيب الأوراق 

تختلف مقاربات المحللين حيال خطوة انسحاب الصدر من الساحات، ففي حين يراها البعض بمثابة ضوء أخضر للسلطة لقمع المحتجين، يرى آخرون أنها محاولة لكسب الوقت. يقول المحلل السياسي أحمد هاتف أن انسحاب الصدر هو “خطوة من أجل تفكيك الوضع المعقد، ومنح فرصة للطبقة السياسية بوضع النقاط على الحروف والإسراع بتقديم أسماء يرتضيها الشارع ليتم اختيار شخص من بينهم اسم رئيس وزراء”.

بدوره يقول المحلل السياسي عبدالله الكناني أن اختيار الصدر للانسحاب بهذا الوقت هو خطوة للضغط على الحكومة العراقية، كما أنه عمد للانسحاب بهذه اللحظة “منعاً لخلط الاوراق، ورغبةً منه بأن هذه التظاهرات شعبية بامتياز”.

انسحاب التيار الصدري قابله موقف مغاير للمرجعية الدينية في النجف التي أصدرت بياناً دعمت فيه بقاء المحتجين في الساحات. هذا الموقف للمرجعية أوحى بأن انسحاب الصدر وميليشيات تابعة لطهران هو أحد مظاهر الخلاف بين الصدر والمرجعية…

وحتى داخل التيار الصدري نفسه تبرز مواقف متباينة، فقد نشر مصدر مقرب من زعيم التيار الصدري وتحت اسم صالح محمد العراقي منشوراً عبر الفيسبوك أكد من خلاله أن “الصدر لن ينسحب من ساحات التظاهرات وإنه سيحاسب الفاسدين الذين سارعوا للتصريح بابتعاده عن الثورة والذين صرحوا لصالح الثورة بعد إشاعة انسحابه مباشرة.” 

تخبط المواقف لم يقتصر على الصدر ومقربين عنه، فقد شهدت الساحات خروج جماعات تابعة للتيار الصدري لتهتف دفاعاً عن المتظاهرين في ساحة التحرير “هذي جنود ابن السيد” مع التأكيد على أنهم لن ينسحبوا من الساحات.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني