العراق: مقتدى الصدر يرتكب خطأ لبنانياً

يناير 26, 2020
انعطافة الصدر تولت تزخيم التظاهرات العراقية المناوئة لنفوذ طهران في العراق. هذا ما كشفته تظاهرات يومي السبت والأحد في مدن الشيعة العراقيين.

خيبت مدن الشيعة في العراق صبيحة يوم الأحد زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر. ردت هذه المدن على “مليونية” السيد، بـ”مليونيات” كثيرة. واحدة في بغداد وثانية في البصرة وثالثة في الناصرية، و”مليونيات” أصغر في العمارة والنجف وكربلاء. تدفق شيعة الانتفاضة العراقية على نحوٍ لم يفعلوا مثله عندما دعاهم السيد مقتدى يوم الجمعة الفائت. ولم يقتصر الأمر على ذلك، فقد ضجت السوشيل ميديا العراقية بعبارات لوم مقتدى على انعطافته نحو طهران، في حين عبرت المنابر الصدرية عن عتبها وألمها مما نال السيد من النشطاء، ودعا بعضها للاعتصام احتجاجاً على التعرض له. وفي هذا الوقت غرد “صالح محمد العراقي”، وهو الاسم الذي يغرد به الصدر على تويتر قائلاً: “اتفهم عواطفكم الجياشة إزاء الهجمة الأميركية على سماحته، إلا أنه ينهاكم عن التظاهر لأجل ذلك حتى لا ننجر وراء الفتنة”.

والحال أن الصدر في خطوته المتعثرة نحو طهران شطب وجهه بحقيقة أن القاعدة المذهبية والاجتماعية، التي لطالما شكلت حاضنة تياره، من الصعب أن تهضم انحيازاً واضحاً وحاسماً نحو طهران، لا سيما في لحظة احتقان الشارع الشيعي العراقي وانخراطه في حركات احتجاج واسعة ضد الحكومة العراقية وضد النفوذ الإيراني. والصدر اذ لم يلتقط هذه الحساسية، خسر ما كان المتظاهرون قد احتسبوه لتياره عبر مشاركة هذا الأخير بتظاهراتهم، لا بل حمايتها من خلال ما أطلق عليه مجموعات القبعات الزرق، التي لطالما تصدت لمهاجمي المتظاهرين.

الغريب أن الصدر لم يلتقط حساسية شيعية عراقية راحت تتعاظم في السنوات الأخيرة، وتتمثل في تصاعد مشاعر سلبية حيال النفوذ الإيراني، وتتركز هذه المشاعر بالدرجة الأولى في بيئة الصدريين وفي مدينتهم في بغداد، وفي مدن الجنوب البعيدة

انعطافة الصدر تولت تزخيم التظاهرات العراقية المناوئة لنفوذ طهران في العراق. هذا ما كشفته تظاهرات يومي السبت والأحد في مدن الشيعة العراقيين. وهي تظاهرات أعقبت تظاهرة الصدر التي لم تبلغ مليونيتها في بغداد يوم الجمعة الفائت. ومشاعر الخيبة الصدرية بدت واضحة في تغريدات السيد، وفي خطب ممثليه ودعواتهم للاحتجاج على النيل منه في ساحات التظاهر بعد انسحاب القبعات الزرق منها.

ما أصاب الصدر يشبه ما كان أصاب قرينه السيد حسن نصرالله في 14 آذار 2005 عندما رد اللبنانيون على مليونية نصرالله في وداع رستم غزالة في 8 آذار من عام2005 في بيروت، بمليونية أكبر في 14 آذار. لكن خسائر الصدر أكبر من خسائر ابن عمه نصرالله، ذاك أن نصرالله حصن نفسه بعصب مذهبي لم تتمكن “14 آذار” من اختراقه، فيما إصابة مقتدى جاءت في صلب المتن المذهبي الذي يحضنه. فالمتظاهرون العراقيون شيعة في معظمهم، لا بل أن غالبيتهم قادم من مناطق نفوذ التيار الصدري.

والغريب أن الصدر لم يلتقط حساسية شيعية عراقية راحت تتعاظم في السنوات الأخيرة، وتتمثل في تصاعد مشاعر سلبية حيال النفوذ الإيراني، وتتركز هذه المشاعر بالدرجة الأولى في بيئة الصدريين وفي مدينتهم في بغداد، وفي مدن الجنوب البعيدة، ناهيك عن مدن الفرات الأوسط حيث تستقر مقامات الأئمة الشيعة في النجف وكربلاء والكوفة. هذه الحقيقة تكشفها زيارة سريعة لأي من هذه المدن وجولة في سيارة تاكسي لن يتردد سائقها من اللحظة الأولى من تلاوة آيات اللعنة على نفوذ طهران.

ويبدو أن الصدر استجاب لعروض إيرانية في اعتماده كشخصية مركزية في العراق يستعاض فيه عن ممثلي طهران التقليديين كنوري المالكي وهادي العامري، لا بل أن الصدر جدد إقامته في قم وتولى منها إدارة تياره، لا سيما في الأسابيع الأخيرة وفي أعقاب إقدام الولايات المتحدة الأميركية على اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس بالقرب من مطار بغداد قبل نحو ثلاثة أسابيع. وإقامة الصدر في قم هذه المرة جاءت مختلفة، ذاك أنه استقبل في مكان إقامته هناك وفوداً عراقية وقادة في الحشد الشعبي، وأدار من هناك عملية الاستعداد لتظاهرة يوم الجمعة ضد الوجود الأميركي في العراق، التي لم تثمر ما كان متوقعاً منها. 

ولعل الإشارة إلى تشابه في مشاهد التظاهرات بين بيروت وبغداد، يردنا أيضاً إلى ما تسرب من بغداد عن دور لأمين عام حزب الله اللبناني حسن نصرالله في اقناع طهران باعتماد الصدر ممثلاً أولاً لنفوذها في العراق، وهذا الأمر اذا صح، يمكن عندها أن نفسر عبره الخطأ الذي ارتكبه الصدر، والمتمثل في مغادرته ساحة التحرير (حيث التظاهرات المناوئة لطهران في بغداد) ولجوئه إلى الجادرية (حيث التظاهرة الداعمة لها)، بأنه خطأ لبناني، ذاك أن حزب الله اللبناني وخلال تجاربه في إدارة الشارع كشف في أكثر من محطة عن ضعف في توقعاته لأنواع استجابات هذا الشارع، بدءاً من 8 و14 آذار ووصولاً إلى واقعة “اليوم المجيد” التي خسر في أعقابها انتخابات العام 2009.

فهل يمكن رد الخيبة الصدرية اليوم إلى حساسية غير عراقية تولت إدارة المشهد الأخير، ووضعت مقتدى الصدر في مواجهة قاعدته؟ 


لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
البيلا تشاو تصدح من شرفات المنازل ويغنيها كثيرون بصوت واحد في أحياءهم. ربما هي إشارة إلى فاشية من نوع جديد تصعد مؤخراً إلى جانب قوى واحزاب فاشية تستثمر في ما يحصل وتضخ خطابات الكراهية يومياً، إنها “فاشية الفايروس” او “الهولوكوست الكوروني” الذي تشهد له عملية إرساله جثث ضحاياه إلى المحارق
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني