fbpx

“حرملة” في بيروت…

لا أعرف وجع الرجل الذي دفعه لحمل أعز ما يملك وضمّه إلى صدره أمام قسوة القوى الأمنية التي استمرّت في رمي الرجل بالماء رغم رفع يديه وحمل طفله عاليًا طلبًا للرحمة.

ضجّت صفحاتُ التواصل الاجتماعي في لبنان بمقطع فيديو لرجلٍ يحمل طفله الذي يكاد لا يبلغ العاشرة من عمره، مواجهًا خراطيم المياه المسممّة التي تواجه بها القوى الأمنية المتظاهرين أمام مبنى السرايا الحكومي في ساحة رياض الصلح وسط بيروت.

اختلفت الآراء حول فعلة الرجل، وأخذ النقاش طابعًا حادًا حتّى بين الثوّار أنفسهم حيث اعتبر البعض أنّ الأب قد اقترف جريمة كبرى بحق طفله حين خاطر وأتى به إلى الساحة تلك الليلة، وهو على دراية سلفًا بالتوتّر الموجود والنتيجة المحتملة لجلبه، بينما اعتبر البعض الآخر أنّ الرجل يمارس حقّه الطبيعي بالتظاهر هو وأولاده في الساحة التي يريدها، ولا يحقّ لأحد بالتنظير عليه بما يجب أن يفعله أو لا.

إن استثنينا رأي مؤيدي أحزاب السلطة بالموضوع (لأن رأيهم بليد لا قيمة له، ينبع دائمًا من الحقد ومحاولات الاستثمار الرخيص ولنا في استشهاد علاء أبو فخر عبرة) سنجد أن طرفي النقاش يحملان بعض الحقّ في طرحهما النابع من حرص على سلامة الثورة والثوّار. ولو كانت اللقطة تظهر الأب نفسه يحمل ابنه على ظهره مبتسمًا وسط الساحة نفسها لفرحنا بها جميعًا، وشاركناها بفخر على صفحاتنا. لكنّنا في خضّم كلّ هذا ننسى رجلًا آخر غير الأب ونجرّده من مسؤوليته المباشرة: عنصر القوى الأمنية الذي فتح خرطوم ضغط مياه همجيّ على عظام الطفل الطريّة وقد كان بإمكانه تحطيم جمجمته لو أصابها. هنا بيت القصيد، هنا العبرة.

الصورة لربيع ياسين


تقول الرواية أنّ الإمام الحسين بن عليّ حين جاء في واقعة الطفّ إلى المخيّم لتوديع عياله وتوصية أهل بيته بالصبر على ما سيحلّ بهم من البلاء بعد “استشهاده” الحتميّ، استقبلته اخته السيدة زينب بابنه عبد الله الرضيع قائلةً: “أخي حسين هذا عبد الله قد دلع لسَانَه مِن شِدَّة العطش، وكان بأبي ونفسي له ثلاثة أيّام لم يذق قطرة من الماء فهل تأخذه لهؤلاء القوم كي يسقونه شربة من الماء فإنّ أمّه قد جفّ صدرها” حمل الحسين ابنه الرضيع بين يديه وواجه الأعداء مناديًا بهم “إن كانت الحرب بيني وبينكم فما ذنب هذا الطفل الرضيع ان تمنعوه الماء؟” اختلف العسكر بين بعض بين رافض وموافق حتّى دبّت الفوضى فيما بينهم وكادوا يتقاتلون ما دفع بعمر ابن سعد أن يصرخ “حرملة! اقطع نزاع القوم” موجّهًا أمره لحرملة بن كاهل الأسدي فما كان من الأخير سوى أن يرمي عبد الله الرضيع بين يدي أبيه بسهم مثلّث مسموم ذي ثلاث شعب ذبحه من الوريد إلى الوريد. تمالك الحسين نفسه ووضع يده تحت نحر ابنه حتّى امتلأت دمًا، ورمى بها نحو السماء مناجيًا ربّه: هَوَّنَ علَيَّ مَا نزلَ بي أنّه بعَينِ الله. كان الحسين في هذه اللحظات يعرف في وجدانه أنّ لؤم الظالمين لن يرحم حتّى الأطفال البريئة، لكنّه كابر على أمله وقام بواجبه تجاه رضيعه الذي يموت عطشًا بين يديّ أمّه.

ربّما سيقول البعض شتّان بين المعركتين، شتّان بين الثورتين، شتّان بين ساحات الثورة الكربلائية وساحات الثورة في بيروت… لكنّني في تلك اللحظات وأنا أشاهد ذاك الفيديو سُكنتُ بالألم نفسه الذي سكنني حين سمعت لأوّل مرّة قصّة الرضيع المذبوح بين يدي أبيه الثائر.

في خضّم كلّ هذا ننسى رجلًا آخر غير الأب ونجرّده من مسؤوليته المباشرة: عنصر القوى الأمنية الذي فتح خرطوم ضغط مياه همجيّ على عظام الطفل الطريّة وقد كان بإمكانه تحطيم جمجمته لو أصابها. هنا بيت القصيد، هنا العبرة.

لا أعرف وجع الرجل الذي دفعه لحمل أعز ما يملك وضمّه إلى صدره أمام قسوة القوى الأمنية التي استمرّت في رمي الرجل بالماء رغم رفع يديه وحمل طفله عاليًا طلبًا للرحمة. كان الرجل في هذه اللحظات يفعل ما نعجز كلّنا عن فعله غارقين في امتيازاتنا التي نخاف عليها، كان يقول كما قال الحسين إن كانت الحرب بيني وبينكم فما ذنب هذا الطفل الرضيع أن تمنعوه الماء في بيته وتوجّهوها إلى صدره الناعم؟ ما ذنبه أن يكبر في مزرعة كهذه محرومًا من أدنى مقوّمات العيش الكريم كي يخرج علينا تافه من السلطة ويخبرنا أنّ أصدقائه قدّموا له طائرة خاصّة كهديّة؟ ما ذنبه أن يكبر بين خياري الذلّ في الهجرة أو العوَز في الوطن كي يطمئننا من يصادر رئاسة مجلس النوّاب منذ ثلاثين سنة فساد أنه متفائل؟ ما ذنبه أن يعيش في هذا العمر تجربة قاسية كهذه عوض أن يكون بين ألعابه ودفاتره في بيته الدافئ؟ لكنّ بيته بارد ومظلم للأسف، فلا كهرباء في بيوت هذي البلاد، ولا علم في مدارسها، ولا طبّ في مستشفياتها، ولا دين في دور عبادتها… بلاد كهذه لا تقدّم لناسها سوى الظلم والذلّ والهوان وقهر القلب، وإن ثار الناس تقدّم لهم الرصاص والهراوات وخراطيم المياه والسجون.

لم يكن الحسين يكره ابنه، لم يكن يرمي به إلى النار. كان يعرف حجم قضيته وحجم القهر الناجم عن رؤية ابنه يموت عطشًا بين يديه وهو عاجز عن تأمين جرعة ماء ترويه. لا يحقّ لمن لا يعرف ولم يختبر هذا القهر يومًا أن ينظّر ويحاسب الرجل الذي حمل قهره كلّه بين يديه أمام الدولة، ربّما لا يحقّ لنا تشبيهه بالحسين، لكنّه قدّم لنا بتضحيته الدليل الدامغ أن حرملة بن كاهل لم يمت، أنظروا إليه يلبس بدلة عسكريّة في بيروت.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
فاطمة بدري – صحافية تونسية
قد تكون هجرة الشباب بشكل فردي أمراً مألوفاً في تونس ودول المغرب العربي القريبة من السواحل الأوروبية، لكن ما طرأ في الآونة الأخيرة هو انخراط عائلات بأكملها ونساء من أعمار مختلفة في الهجرة غير الشرعية بعدما سئموا الحياة بموارد ضئيلة جداً.
عليا ابراهيم – صحافية وكاتبة لبنانية
مايا العمّار- صحافية لبنانية
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني