fbpx

فلسطين: عزيز مرقة وفرصة نقاش حملات المقاطعة

حتى لا تتحول حملة مقاطعة اسرائيل إلى صناعة للوهم، وحتى لا تصبح دعوة كيدية، ولا تأخذ إطاراً دعائياً، أبطاله ممثلون فاشلون...

في سنتي الدراسية الأولى في فرنسا، وأثناء التحضير لامتحان الدخول إلى كليّة الطب وفروعها المختلفة، درسنا فصلاً كاملاً عن النظام الصحي في أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً. ذات محاضرة عن العلاقة السببية بين الحروب والأمراض الوبائية، استعاد الدكتور تجربة الغيتو البولوني أثناء الحرب العالمية الثانية، ومن بين المصادر التي زوّدنا بها، كان اسم دانيال بلاتمان يتكرّر بين أسماء كثيرة، والحقيقة أنني لم أكن سمعت ببلاتمان ولا بمؤلفاته حتى تاريخ ذلك اليوم.

شرعت في البحث عن مؤلفات بلاتمان، المؤرخ الإسرائيلي الذي درس في الجامعة العبرية في القدس، وناقش أطروحته تحت إدارة كبير مؤرخي “ياد فاشيم” إسرائيل غوتمان، وقرأت مؤلفه الأول الذي يتناول الحركة العمالية اليهودية “Bund” بين عامي 1939 و1949، التي قاومت النازية ورفضت الصهيونية ودعت اليهود إلى عدم الهجرة من أوروبا، ومؤلفه الثاني الذي ينقل الصورة من قلب الغيتو بلسان الصحافة اليهودية المتخفّية في وارسو إبان الحرب.

تشاء المصادفات أن تختار جامعة “سيانس بو” في باريس، دانيال بلاتمان “محاضراً ضيفاً” للعام الدراسي 2013- 2014، ليصار بعدها إلى عقد ثلاث ندوات خلال زيارته، تناولت إحداها موضوع “مقاطعة إسرائيل”. حضرت الندوة وحملت معي أسئلة عدة، ضاعت معظمها في متاهة الجواب عن الحديث الإيديولوجي/ السياسي في ردّ بلاتمان. لكنّ بلاتمان نفسه عرّف المقاطعة بصفة الراغب بإنصاف الضحية، لكل ضحية “أن تقاطع يعني أن تحتج، يعني أن تسمع صوتك لأنّ هنالك شيئاً ليس على ما يرام، يعني أن تنصف ضحية (فلسطينية) وتنقذ أخرى (يهودية)”.

ليس كاتب تلك السطور في معرض اتخاذ منبر دفاعي عن مرقة بقدر ما يهمّه فتح نقاش حول تلك الأسباب التي تجعل جمهوراً عريضاً يرى في حركة مرقة، بإقامته حفلاً على أرض فلسطينية وأمام جمهور فلسطيني، بحت تطبيع.

إذاً، المقاطعة فعل نبيل في المبدأ والمضمون: أولاً لأنه يسمح لكل فرد في أي نقطة في هذا العالم أن يتدخل في شكل النزاع القائم بصفة الحكم، لا سيّما أنّ الحكم الدولي (الولايات المتحدة الأميركية) منحاز إلى أحد طرفي النزاع، يدعمه بالسلاح والموقف السياسي. وثانياً، لأنه يرتكز على مبدأ العقاب الذي غيّبه المجتمع الدولي ولطّخه بعار الالغائية والانتقائية مؤسساً ليأس كبير في إمكان التوصل إلى “السلام العادل والشامل” في الشرق الأوسط. ثالثاً لأنّ المقاطعة أعادت تعريف الشعب الفلسطيني إلى مكوّناته الثلاث وارتباطها بحقوق لا لبس بها: حق المساواة لفلسطينيي إسرائيل، حق تقرير المصير لفلسطينيي الأراضي المحتلة منذ 1967، وحق العودة لفلسطينيي الخارج أي اللاجئين. وأخيراً، لأنّ حملات المقاطعة سلّطت الضوء مجدداً على الاحتلال، الأرض وأصحاب الأرض، واستطاعت في بعض الدول الضغط على شركات ومؤسسات لمقاطعة المستوطنات وجذبت فنانين وأدباء وأصحاب رأي لمعسكر فلسطين.

على أنّ مأسسة الخطاب الداعي إلى مقاطعة التطبيع وربطه بأجندات فكرية – ليست في أحسن الأحوال سوى تطبيع مع قتلة آخرين يرفعون علم فلسطين لستر عوراتهم- تتقاطع في أماكن وتتضارب في أماكن أخرى، واستفحال الكيدية في التعاطي مع ملف التطبيع من منطلق عدم المقاطعة لكل ما يقاطعه “آخرون”، يزيد من هذا التشظي الذي أصاب شارعاً محبطاً يتّجه يوما بعد يوم نحو انقسام عامودي بين مؤيد ورافض للتطبيع. فلا تستوي الإنسانية في تقديم معركة على حساب أخرى لأنّ أيّ انتصار لفلسطين على وحش الاحتلال هو انتصار للمقهورين في أي بلد عربي على غول الاستبداد.

عزيز مرقة

مناسبة الحديث عن حملات المقاطعة، عودة السجال حول المعايير التي ترتكز عليها تلك الحملات في توجهها للرأي العالم وفي قدرتها على صوغ مادة تقنع وتؤثّر، من دون أن تخوّن وترهب لا سيّما في تعاطيها مع فنانين وأدباء عرب، اختاروا التوجّه إلى فلسطينيي الداخل عبر إقامة حفلات أو ندوات. وتبدو حلقة الفنان الأردني عزيز مرقة واحدة من الحلقات الطويلة في مسلسل الأخذ والردّ بين المعسكر الذي يتّهمه بالتطبيع والمعسكر الذي يدافع عنه نافياً عنه صفة التطبيع.

ولأنّ الاستثناء موجود، فإنّه يحتّم على حملة المقاطعة مراجعة المعايير التي ترتكز عليها في تصريفها التطبيع ومفاعيله. وحتى لا تتحول المقاطعة إلى صناعة للوهم، وحتى لا تصبح دعوة كيدية، ولا تأخذ إطاراً دعائياً، أبطاله ممثلون فاشلون

وليس كاتب تلك السطور في معرض اتخاذ منبر دفاعي عن مرقة بقدر ما يهمّه فتح نقاش حول تلك الأسباب التي تجعل جمهوراً عريضاً يرى في حركة مرقة، بإقامته حفلاً على أرض فلسطينية وأمام جمهور فلسطيني، بحت تطبيع. ولا يهمّ اليوم، بعد الفيديو الذي خرج فيه مرقة ليردّ على منتقديه، أن نستعيد منشأ السجال لأنّ انتفاء الحجة التي ساقها منتقدوه لم يعد محلّ تشكيك. فباستثناء مقابلته مع صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية – يحاول مرقة في المقطع المصوّر أنّ يبرّر فعلته باتهام الصحيفة بتحوير كلامه وانتظارها شهراً كاملاً، لتنشر “المقابلة” التي لم تكن مقابلة في الأساس على حدّ قوله – التي تمكن مواجهته فيها بمعايير الحملة كخطوة تطبيعية لا لبس فيها، تبدو كلّ التهم التي كالها مناصرو الحملة في فلسطين 1948، مجرّد كلام منثور في الهواء من دخوله بجواز سفر إلى رعاية حفلته من جهات إسرائيلية إلى حضور إسرائيليين للحفل…

وليس كاتب هذه السطور من المقتنعين بالعدو الذي يتأنسن ويتآلف في كتاب أو حفلة فنية مساء، ثمّ يحزم حقائبه ليتأهبّ إلى اقتحام مخيم للاجئين صباح اليوم التالي، لكنّه ليس من المؤيدين حتماً لتصوير كل علاقة بما هو “إسرائيلي” على أنّه تطبيع لتسليمٍ مسبق باستواء إسرائيليته كهوية أو يهوديته كديانة بتأييده للحركة الصهيونية، وليس من المستعدّين للانسياق إلى موجة التخوين التي تشمل كل نشاط في الضفة الغربية أو أراضي الـ1948، بحجة حضور السلطة الأمنية الإسرائيلية الطبيعي الناتج عن احتلال تلك الأراضي منذ عشرات السنوات.

ولأنّ الاستثناء موجود، فإنّه يحتّم على حملة المقاطعة مراجعة المعايير التي ترتكز عليها في تصريفها التطبيع ومفاعيله. وحتى لا تتحول المقاطعة إلى صناعة للوهم، وحتى لا تصبح دعوة كيدية، ولا تأخذ إطاراً دعائياً، أبطاله ممثلون فاشلون، عليها أن تنظر بمنظور الداعمين لمبدأ مقاطعة نظام الأبارتهايد والرافضين في آن لفكرة توزيع شهادات وطنية يميناً ويساراً.

في المقاطعة ما يحتمل النقد ونقد النقد، وما يسمح بفتح نقاش أوسع وأعمق حول شخصيات يهودية/ إسرائيلية مثل دانيال بارنبويم، شلومو ساند، غادي الغازي، جدعون ليفي ومئات أمثالهم من فنانين غربيين لا ينظرون بالمنظار الذي تنظر منه الحملة. وفي الإقدام على خطوة كتلك، تحدٍّ جريء وصحّي لكلّ من يعنيه الحق الفلسطيني في الحرية والحياة ولكلّ من يريد أن يكون للفلسطيني صوتٌ يسمع في كل أرضٍ ومحفل.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
مصطفى إبراهيم – حقوقي فلسطيني
ما يحصل هو سياق تاريخي من التدمير الذاتي وإدراك تخلي الأنظمة العربية عن القضية الفلسطينية، متمثلاً بالتراخي وعدم القدرة على التواصل مع العمق العربي.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني