الانتفاضة اللبنانية : رأيتُ اعتداءً ولم أوثّقه…

تلك الليلة، كنتُ أقومُ بتصوير ما يحدث وتوثيق انتهاكات قوى الأمن بحقنا، لكن حين بدأ الاعتداء على العامل السوري من قبل بعض الثوار، لم أسجل ما حدث.

طوال الأشهر الثلاثة التي مرّت، كان الشارع بالنسبة إلي مصدر الطاقة والسعادة. لا يصيبني الإحباط إلا حين أخرجُ منه. 

ثلاثة أشهر من الاندفاع والأمل والثورة، لم أشعر خلالها بالخوف، كما شعرتُ مساء الأربعاء.

تلك الليلة كانت مرعبة. وعلى عكس كل المرات، عدتُ إلى البيت باكية.. 

“بدنا ننيك بيروت، وبدنا نلعن اختها لبيروت”. عبارتان ترددتا كثيراً تلك الليلة. شعورٌ أكبر من الكره. بيروت سوليدير، التي تحتكر كل شيء على حساب المدن الأخرى، بيروت جحيمنا اليومي، بيروت التي تجعلنا ندفع ثمن الأشياء مضاعفة، بيروت التي تطبق على أنفاسنا، وترهق أعصابنا. بيروت التي لا تكترث لناسها، لكنها تقدّس الحجارة والأبنية الفارغة، لم يكن خوفي عليها، فلتذهب إلى الجحيم. فلتسقط تحت أقدام الفقراء.  

مساء الأربعاء، بدأت المعركة باكراً، وصلتُ متأخرة. وكان الثوار قد تراجعوا أمام تقدم القوى الأمنية تجاههم. ثم بدأنا نتراجع رويداً رويداً، حتى وصلنا إلى نهاية جسر شارل الحلو. 

هناك شيء في داخلي لم يكن يريد نقل أي حدث يمكنه أن يشوّه ثورتنا. كأن الثورة لا تكون إلا نقية، لا أخطاء فيها.

أثناء مرور شاحنة لتعبئة المياه، قررّ بعض الشبان إقفال الطريق، ومنع السائق من إكمال طريقه. بعدها، حصل كل شيء بسرعة. بعض الشبان بدأوا بإفراغ مخزون المياه لدى السائق. أحدهم نزع لوحة الشاحنة، وآخر حاول تنفيس الدواليب. لم أستوعب ما كان يجري. المشهد كان محبطاً ومخيفاً، لكن الرعب الحقيقي بدأ حين صرخ أحد الشبان بأن السائق سوري. في هذه اللحظة، هجمت مجموعة وبدأت بتحطيم الشاحنة، في حين كان رجل أربعيني يصرخ بالسائق ويأمره بالخروج من شاحنته، ثم لا يلبث أن يبدأ محاولاته لكسر النافذة.  

اكتشاف أن السائق سوري، جعلهم ينسون قنابل الغاز التي تنهمر علينا. وبدأ الصراخ، من طرفين. مجموعة تحاول انقاذ العامل، وأخرى تريد الانتقام منه، باعتباره سبب بطالتها. وفي المكان نفسه، كان شاب آخر يشتم ويصرخ بأنه يريد إحراقه وإحراق كل السوريين في لبنان. 

هؤلاء المعتدون يعيشون، في الغالب، تحت خط الفقر، وهم غاضبون. وسيدمرون أي شيء يعتبرونه سبب حرمانهم. لا أريد حتى أن أتخيل ما كان سيحصل لو أن السائق أذعن وخرج من الشاحنة.

استغرق الأمر حوالي نصف ساعة، وفي كل مرة كان يقال له أن يذهب، يُصرخ به أن يتوقف ويبدأون من جديد. آخر مشهد للعامل، في ذاكرتي، قبل أن يخلى سبيله، كان يلطم على وجهه ويبكي. 

من قام بالاعتداء على الشاحنة، وأغلبهم في العشرينات من العمر، عاطلون عن العمل. وعلى الرغم من أنني مثلهم بلا عمل، إلا أنني أملك كثيراً من الامتيازات. هل كان يحق لي أن أناقشهم؟ شعرتُ، حينها، أن لا جدوى. أي نقاش عن أن “العامل السوري مش عدوك” وأن النظام هو المستغل، كان ليبدو أقرب إلى محاضرة أو أضحوكة.

أعلم أنه لا يمكننا تبرير الجرم حتى للضحايا. لكن هذا النظام وإن رحل، سيتركنا مع جميع موروثاته العنصرية والطائفية والذكورية، والتخلص منها يحتاج إلى كثير من الوقت.

جميعنا غاضبون، وهم أكثرنا. أعي جيداً أنه لا يحق لأحد أن يملي على غيره كيف يعبّر عن غضبه. ولكن هل هو فعل تنظيري إن سعينا إلى توجيه الغضب إلى مكانه الصحيح؟ 

هل تُبرر العنصرية بالفقر؟ هل الاعتداء على الناس فعل ثوري؟ 

هل نسكت على هذه الممارسات ونتغاضى عنها، كي لا “نشوه” الثورة؟

تلك الليلة، كنت أقومُ بتصوير ما يحدث وتوثيق انتهاكات قوى الأمن بحقنا، لكن حين بدأ الاعتداء على العامل السوري من قبل بعض الثوار، لم أسجل ما حدث. هناك شيء في داخلي لم يكن يريد نقل أي حدث يمكنه أن يشوّه ثورتنا. كأن الثورة لا تكون إلا نقية، لا أخطاء فيها. 

الشبان الذين اعتدوا على العامل ليسوا أبرياء، إلا أنهم ليسوا مذنبين تماماً أيضاً. على مدى أعوام طويلة، كان هناك من يغذي الأحقاد ويحرّض على العمال الأجانب. يقومون باستغلالنا وسرقتنا ومراكمة الأرباح، ويشيرون إلى العمال واللاجئين، ويقولون “سرقوا وظائفكم”. 

أعلم أنه لا يمكننا تبرير الجرم حتى للضحايا. لكن هذا النظام وإن رحل، سيتركنا مع جميع موروثاته العنصرية والطائفية والذكورية، والتخلص منها يحتاج إلى كثير من الوقت. 

بعد انتهاء الحادثة، خرجت من الشارع مباشرة، وكانت أفكار كثيرة تتصارع في رأسي. شعرتُ أنني لا أريد أن أعيش تجربة أخرى كهذه. وفكرتُ بأن العمال الأجانب واللاجئين سيتعرضون لـ”شرّنا”، إن ثرنا على الظلم أو سكتنا عليه.

بعد مضي أيام على هذه الحادثة، أعتقد الآن، أكثر من أي يوم مضى، أن علينا أن لا نترك الشوارع.

ليس كل ما يحصل في الشارع يعجبنا أو نوافق عليه، لكن خوفنا من أي تطرف و انسحابنا سيفسح أمامه مجالاً للتمدد. إن كنا نريد إسقاط النظام بكل بشاعته، وإن كنا نريد حقاً العدالة للجميع، علينا أن نبقى في الساحات وأن نمنع بأنفسنا تكرار هذه الحوادث.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني