نحن أولاد الأطراف!

نحن أولاد الأطراف نجيء إلى المدينة لأن مناطقنا فارغة تماماً. نأتي لنعمل أو نتعلّم أو نشعر بشيء من الحياة وأحياناً نأتي إليها لنعتصم ونتظاهر ونطالب بأن نصبح مرئيين.

نحن أولاد الأطراف المتهمين بارتكاب الجرائم والتجاوزات والمتاهات. نحن أولاد الأطراف اللبنانية المبعدة المنفية، نأتي بالباصات من الشمال والبقاع والجنوب، ونُحشر فيها ونتحمّل سائقيها وجنونهم. نأتي إلى العاصمة بالباصات غير المكيفة وأحياناً نبقى واقفين لأنّ المقاعد لا تكفي. نجيء إلى المدينة لأن مناطقنا فارغة تماماً. نأتي لنعمل أو نتعلّم أو نشعر بشيء من الحياة وأحياناً نأتي إليها لنعتصم ونتظاهر ونطالب بأن نصبح مرئيين، لا أكثر. نحن أولاد الأطراف الذين يربون في الأرض والسهول والجرود وعلى الشواطئ الفقيرة مع الأسماك التي تشبههم في بساطتها، وفي الأحياء الضيقة التي لا تتسع لأحلامهم. نحن الذين لا يملكون ترف العيش في مناطقهم وقراهم ومع ناسهم، لأنها مصنوعة بمنطق التهشيل والتهجير. ننسلخ بسذاجة ومن دون اعتراض، حتى صار انسلاخنا من أنفسنا وبيئاتنا عادياً ولا يستحق أن يوضع قيد النقاش.

نحن الذين يسهل اتهامهم بالخطايا، يسهل القول إنهم إرهابيون وهمجيون وقتلة وسارقون ومرتزقة. يسهل رفع الأصابع في وجوههم، يسهل تدوين أسمائهم في لوائح الجهل والجريمة، وحين يسأل أحدهم عمّن “اعتدى” على القوى الأمنية وعلى الأرزاق الخاصة والممتلكات العامة، يقال من دون أي تفكير أو تحقيق أو إحساس: “اولاد طرابلس وعكار، أولاد البقاع، أولاد الجنوب”. نحن الذين يأتون من قرى وبلدات غير مهمة، يستصعب كثيرون لفظ أسمائها، وتُنسى دائماً في خطط الإنماء والتطوير. 

نحن المتهمين طوال الأيام، لأننا لا نملك شيئاً، لأننا نولد بلا شيء، وغالباً ما نكون غير مرئيين. نحن الذين يشترون ثيابهم من الأسواق الشعبية ومن الدكاكين الصغيرة وأحياناً بالدين، ويتعبون كثيراً ليحصلوا على القليل. 

نحن المتهمين في هذه الانتفاضة وفي أي تحرّك شعبي بأنّ أحدهم يدفع لنا حتى نثير الفوضى، نحن الرعاع الذين يقبضون ثمن نزولهم إلى الشارع ليسمع أحد صراخهم. نحن الباصات التي تُمنع من الوصول إلى ساحة الاعتصام. نحن الذين يثيرون الخوف والرعب حيثما حلّوا. نحن الذين يقال عنا قطاع الطرق والملثمين الفقراء، الذين لا عمل لهم ولا أمل، وعاديّ جداً أن يقال أننا نُشترى مقابل منقوشة صعتر أو بخشيش. نحن الذين لا يعرف أحد أسماءهم، إلا في الانتخابات والشكوك الجرمية.

نحن الذين يسهل اتهامهم بالخطايا، يسهل القول إنهم إرهابيون وهمجيون وقتلة وسارقون ومرتزقة.

نحن الرعب كله. فقرنا الرعب. الطبخات التي تحشرها أمهاتنا في حقائب صغيرة وأكياس نايلون حتى نأكل منها في نزوحنا الأسبوعي القسري إلى العاصمة، هي الرعب. تلك “التوبرويرات” البلاستيكية حيث المجدرة والبطاطا والحمص، التي نأخذها الإثنين صباحاً ونعيدها الجمعة مساءً، هي الرعب. 

نحن الذين تذهلهم بيروت بوسعها، بتنوّعها، ويصارعون حتى يصبحوا جزءاً محبوباً أو مقبولاً منها، لكنهم يُشيطَنون في كل مناسبة، وأحياناً من دون مناسبة، ويبقون طوال السنوات نازحين غرباء نافرين، يبقون الآتين من الأطراف الجهنمية البعيدة، حيث كل شيء صعب، العلم صعب والعمل صعب، الطفولة، الشباب، الكهولة، التنقّل، المفاهيم، الأحلام، الرغبات، الحب، الفراق، الكلام، الصمت، النساء، الرجال، كل شيء صعب. 

نحن المتهمين في هذه الانتفاضة وفي أي تحرّك شعبي بأنّ أحدهم يدفع لنا حتى نثير الفوضى، نحن الرعاع الذين يقبضون ثمن نزولهم إلى الشارع ليسمع أحد صراخهم.

وحين تُسأل الأحجار عمّن رماها في أي تظاهرة، صارت الأحجار تردد كما الجميع: “أولاد الأطراف”.

نعم نحن أولاد الأطراف المساكين المجانين الغاضبين المهسترين، وأنتم أولاد التمدّن والفساد وسرقة أموال الناس والصفقات والنهب، العقلاء الملاعين. نحن موسيقى هذه البلاد التي أرادها حكامها بلا صوت. لكننا موسيقى صاخبة، تسبب صداعاً أليماً في رؤوس “الأتقياء”.

كُتب هذا النص بمناسبة وصولي إلى أحد تلك الأطراف المنفية المبعدة…  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
سمير سكيني – كاتب لبناني
في هذه الظروف، يعيد السكّان اكتشاف منازلهم، مجرين عليها التعديلات المناسبة. أما الظاهرة الأهم هنا، فهي “إعادة إنتاج البلكون”، أو الشرفة.
رامي الأمين – صحافي لبناني
معظم من هاجم خريش ركن إلى غوغل للبحث عن هالا وردي فظهرت النتائج التي تجلد الكاتبة على تجرؤها على الخوض في مسألة حساسة، وأخبار من هنا وهناك عن منع كتابها في بعض الدول الإسلامية بسبب اعتباره مسيئاً للسيرة النبوية.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني