مليونية مقتدى الصدر.. هل ستكون تظاهرة “الخيار الثالث”؟

ثورة الصدر التي يريدها "عراقية لا شرقية ولا غربية" لم تحظ باهتمام المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، بقدر ما تثير مخاوفهم من استغلالها من قبل مليشيات السلطة لزيادة القمع وعمليات القتل والاختطاف


بالتزامن مع التصعيد الذي تشهده التظاهرات العراقية، والذي بدأ مع انتهاء مهلة الأسبوع التي منحها المحتجون للحكومة العراقية من أجل الاستجابة لمطالبهم، يحشّد رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر أنصاره لتظاهرات مليونية موازية من أجل أخراج “القوات الأمريكية” من العراق، لكن هذه الدعوة التي وجد فيها أتباع المحور الإيراني فرصة لإنهاء التظاهرات القائمة منذ أربعة أشهر، لم تلقى صدى مرحباً من أهم المراجع الدينية عند الشيعة في العراق والعالم، لا بل أن صمت المرجعية ترافق مع أخبار عن عدم رغبتها في نجاح المليونية.

صراع المرجعيات

لطالما كان مقتدى الصدر نداً وخصماً صريحاً للمليشيات العراقية التي تدين بالولاء لإيران وتقلد المرشد الإيراني علي خامنئي، وهي المليشيات ذاتها التي انشقت عن جيش المهدي مليشيا التيار الصدري، فعصائب أهل الحق مثلاً أسسها ويقودها قيس الخزعلي أحد أتباع مقتدى الصدر والذي كان قيادياً في جيش المهدي وانشق عنه لاحقاً.

الخصومة هذه امتداد للخصومة بين مرجعيتي النجف وقم، والتي تتجلى في أوضح أشكالها في التظاهرات العراقية، حيث كلما حاولت إيران (مرجعية قم) قمع التظاهرات العراقية من خلال أتباعها في العراق، تأتي مرجعية النجف لتصعد الموقف في خطب الجمعة، ولعل الزيارة التي قام بها ممثلون عن شباب التظاهرات مؤخراً للمرجع علي السيستاني والحديث الذي دار بين نجله محمد رضا السيستاني وممثلي التظاهرات، تظهران عمق الصراع بين النجف وقم، فمحمد رضا يخبر المتظاهرين أن والده السيستاني يسميهم “الأحبة” ويطالبهم بالاستمرار في تظاهراتهم ضد الفاسدين، والفاسدون هم الأحزاب الإسلامية الشيعية الموالية لإيران والتي يمتلك كل حزب منها مليشيا مسلحة، يمولها ويدعمها بالتدريب والسلاح حرس الثورة الإيرانية.

متظاهرون قرب ساحة التحرير – بغداد

بالنسبة للصدر الموجود حالياً في إيران من أجل الدراسة الحوزوية، يرى أن التظاهرات المليونية التي دعا إليها لإخراج القوات الأميركية لا تتعارض مع تلك القائمة الآن والمطالبة بالإصلاح، فكلاهما تسيران في طريق السيادة، هكذا يقول في تغريداته الكثيرة، لكنَّ المتظاهرين وتنسيقياتهم يرون عكس ذلك، فهي -مليونية الصدر- بوالقدر الذي تعد فرصة للسلطة من أجل التقاط أنفاسها فهي تظاهرات تمثل المحور الإيراني، خاصة وأنَّ جميع المليشيات المسلحة الموالية لطهران حشدت أتباعها للمشاركة فيها، وكذلك الأحزاب المشاركة في السلطة، دعت عبر نوافذها الإعلامية أيضاً إلى المشاركة فيها.

“شلون تريد نتبعك وانت تغرد من إيران”

ما يثير الريبة في نفوس المتظاهرين هي أنَّ دعوات الصدر انطلقت من إيران، وجاءت بعد مقتل الجنرال في الحرس الثوري وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب قائد مليشيا الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في غارة أميركية قرب مطار بغداد الدولي مطلع هذا الشهر، وحديث الصدر بالنسبة لهم (المتظاهرين) عن السيادة حديث منقوص، وإلا ماذا كان يفعل قاسم سليماني في بغداد؟

الصحافي العراقي مهند المشهداني، يعتقد أنَّ دعوة الصدر لتظاهرات مليونية في هذا الوقت بالتحديد، هي نتيجة ضغوط إيرانية، ومحاولة منه لإمساك العصا من المنتصف، فهو بدعوته هذه يرضي مضيفته طهران، وبمطالبته بأن تكون التظاهرات المليونية امتداداً للتظاهرات الحالية يحاول الإبقاء على خيط الود مع المحتجين في الساحات والشوارع منذ أكتوبر 2019. 

“يحاول مقتدى الصدر اللعب على حبال المصطلحات السياسية المستهلكة في العراق، فالسيادة، والوطنية، والاستقلال، ومحاربة الفساد، ومقاومة المحتل، وغيرها من هذه المصطلحات، بات الشارع العراقي يدرك مغزى استخداماتها من قبل السياسيين في خطاباتهم خاصة عندما يتعلق الأمر بحدث على صلة بالجمهور، والصدر هو رجل دين سياسي، له اتباعه الذين نزلوا إلى الشارع منذ أكتوبر، ولو أجرينا جرداً بالضحايا الذين قتلتهم سلطة الطرف الثالث لوجدنا أنَّ غالبيتهم هم من فقراء مدينة الصدر، حيث الملايين المسحوقة التي تقلد الصدر”

متظاهرون يرفعون صورة المرجع الشيعي علي السيستاني – الناصرية

أمرٌ آخر يرى المشهداني أنه قد لا يكون مستبعداً، وهو أنَّ الصدر مجبرٌ لا بطل، ويستذكر المشهداني التسريبات التي تحدثت عن الاجتماع الذي ضم مقتدى الصدر وهادي العامري وقاسم سليماني في طهران بداية انطلاق التظاهرات العراقية، ومطالبة سليماني للصدر بإنهائها مقابل الحفاظ على حياته.

“وهذا يُفسر عودة الصدر في المرة الأولى من قم إلى النجف ومشاركته في التظاهرات حينها، ودخوله في مرحلة صامتة فسرها أتباعه حينها أنها دعوة للعودة إلى البيت فعاد جزء مهم منهم، على الرغم من أنَّ سرايا السلام ظلت تمسك بزمام التظاهرات في بغداد على الأقل، فهي المتحكمة بمن يدخل ويخرج من ساحة التحرير وبناية المطعم التركي”.

مواجهة بين قوات مكافحة الشغب ومتظاهرين قرب ساحة التحرير – بغداد

وصايا الصدر

بعد اعتزاله لمواقع التواصل الاجتماعي، صار مقتدى الصدر يوصل رسائله إلى جمهوره من خلال أحد المقربين منه، وهو محمد صالح العراقي، ومن خلال العراقي أجمل الصدر تسع نقاط على أنصاره الالتزام بها في تظاهراتهم المليونية يوم الجمعة 24-1-2020 أهمها:

أولا: “سنتظاهر من أجل التنديد بالاحتلال وانتهاكاته لسيادة العراق، لنعيش في عراقنا آمنين، ومع جيراننا وأصدقائنا سالمين”.

ثانياً: “رفع العلم العراقي فقط لا غير، فعندما يُرفَع العلم العراقي تُنَكَّس باقي الأعلام، وتذوب فيه وتخشع له”.

ثالثاً: “لا بأس بلبس الأكفان، للدلالة على حب الوطن والفداء في سبيله”.

رابعاً: “منع كل الهتافات على الإطلاق، والتي تسيء لغير المحتل، أو التي تتغنّى بحب الوطن، فمظاهراتنا لا شرقية ولا غربية ثورة ثورة عراقية”.

خامساً: “نتظاهر في سوح الإصلاح، الذي بذلنا من أجله الغالي والنفيس، ومَنْ يتظاهر في سوح الإصلاح إخوتنا، هدفنا هدفهم، ومطلبنا مطلبهم، والعكس صحيح، فالمحتل سيد الفاسدين”.

سادساً: “على كل متظاهر الالتزام بهويته العراقية فقط لا غير، ويُمنَع الكشف بأي صورة من الصور عن انتمائه الديني والعقائدي والعرقي والحزبي أو العسكري أو الجهادي، أو أي مُسمى من المُسميات الأخرى”.

بالإضافة إلى “نصائح” تتعلق بالإضراب العام، وأماكن التظاهر، ولم يمنعه اعتزال مواقع التواصل الاجتماعي من صياغة “نفثات” بين الحين والآخر يخاطب بها اتباعه بلغة أدبية ركيكة، عن ضرورات السيادة والحرية والإصلاح.

ثورة الصدر التي يريدها “عراقية لا شرقية ولا غربية” لم تحظ باهتمام المتظاهرين في بغداد ومدن الجنوب، بقدر ما تثير مخاوفهم من استغلالها من قبل مليشيات السلطة لزيادة القمع وعمليات القتل والاختطاف، وعن هذا يقول سجاد الموسوي لـ”درج”: “هذه التظاهرات إيرانية، ليست عراقية ولا شرقية ولا غربية ولا بطيخ، إنه يجلس في قم ويدعو أنصاره الذين لا يفوت مناسبة أو خطبة أو خطاباً إلا واستهان بهم، لكي يتظاهروا ضد القوات الأميركية، لماذا فقط ضد القوات الأميركية؟ لماذا لا تكون التظاهرات ضد التدخل الأجنبي كله؟ إنه يدرك ذلك جيداً، يعرف أنَّ إيران دخلت طولاً وعرضاً بالبلاد، لكنه يخاف أو ربما هو أسير هناك”.

ماذا ستفعلون عندما ينزل أتباع الصدر في مليونيتهم؟ يرد سجاد: “الصدر نفسه يعلم أن أتباعه البسطاء نزلوا معنا منذ اليوم الأول من التظاهرات، لدي خمسة إخوة، يقلدون الصدر، وهم الآن في ساحة التحرير لم يغادروها، وثلاثة منهم أصيبوا بالرصاص الحي والدخانيات، هؤلاء لن يذهبوا ليتظاهروا مع المليشيات التي قتلتنا في ساحة الطيران والخلاني والسنك وعلى طريق محمد القاسم والناصرية والبصرة وكربلاء والنجف والديوانية، لقد اتخذوا قرارهم بالبقاء معنا لأنهم يعرفون تماماً أن مليونية الصدر المزعومة هي مليونية للسلطة ومليشياتها وستنتهي وتفشل لأنها ليست من أجل العراق”.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خالد سليمان – صحافي وكاتب كردي عراقي
الأمراض الناشئة هي نتيجة طبيعية للتغيرات البيئية الناتجة عن النشاط البشري، وما فايروس “كورونا” سوى وجه من وجوه هذه التغيرات التي لا تتوقف ما لم يتوقف البشر عن إجهاد الأرض.
مصطفى إبراهيم – صحافي فلسطيني
أزمة حكومة حماس في غزة أنها لا تملك الإمكانات المطلوبة لمواجهة الكوارث والأزمات، إضافة إلى المبالغة والحرص على إثبات أن غزة خالية من “كورونا”، وما يهمهما إظهار أن غزة المدينة الفاضلة.
محمد خلف – صحافي عراقي
لا أحد ممن يمتلك قدراً ولو محدوداً من التفكير السليم في روسيا سيصدق تأكيدات الرئيس فلاديمير بوتين عن أن جائحة “كورونا” تحت السيطرة في البلاد.
عبدالله أمين الحلاق – صحافي سوري مقيم في إيطاليا
ما يميز شارع بادوفا أو “شارع العرب” كما تحلو للإيطاليين تَسْميتُه، هو أنه شارع يضم خليطاً من مهاجرين ولاجئين من جنسيات وبلدان مختلفة، من مصر والعراق والمغرب وتونس ومن دول آسيا الوسطى…
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
لا يمكن أن نتحدث عن رقم حقيقي لأعداد المصابين بكورونا في إيران ولا لأعداد الوفيات أيضاً، وكل ما يخرج إلى الإعلام، إذا كان صادراً عن جهة رسمية فهو “كاذب”، أما إذا كان صادراً عن جهة غير رسمية فهو “غير دقيق”.
أحمد عيساوي – كاتب لبناني
دخلت شركة سانوفي الفرنسية ومعهد باستور في سباق مع ألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل للتوصّل إلى لقاح ضدّ الكورونا. المسألة لن تكون سهلة
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني