لقد كنت نباتياً لنصف حياتي وإليك كل ما تعلمته

يناير 20, 2020
كانت البداية شاقة. وبمرور أسبوعين، كنت معتدة بنفسي لأنني استطعت التغلب على هذه العراقيل، واستفز همتي كل من قال لي إنها "مجرد مرحلة".

كنت في الخامسة عشرة من عمري عندما غمرتني فجأة أزمة الهوية التي تنتاب المراهقين، ذات يوم أحد فيما كنت أتناول جلد أوراك الدجاج المقرمش اللذيذ. لقد كان ذلك عام 2004، وأتذكر هذا العام جيداً لأنني كنت تواقة لقص شعري المفرود الذي يصل إلى صدري، إلى طول يلائم شخصيتي على “ماي سبيس” (قبل عامين من انضمامي وأصدقائي إلى “فايسبوك”). 

وحينها، كان بن لادن مختبئاً بأمان، واعترف توبي بلير بالفعل بأن قواته ربما لن تجد أي أسلحة دمار شامل في العراق. كنت أنا ورفقيتي في المدرسة نعارض بشدة الحرب على العراق، وكانت تلك سنواتنا الأولى من النشاط السياسي. وتزامناً مع ذلك نما لدي اهتمام أوسع بكيفية مساهمتي في إحداث فرق ولو صغير، ومن ثم طورت اهتماماً خاصاً بحقوق الحيوان والتغير المناخي.

حينها فقدت لذة طعم الدجاج المنقوع. فلفظت اللقمة التي في فمي وأعلنتها لأفراد أسرتي قائلة، “أنا نباتية”. فانفجروا ضاحكين وأمطروني بوابل من التوبيخ السريع على سلوكي المعيب على الطاولة. 

وكانت البداية شاقة. وبمرور أسبوعين، كنت معتدة بنفسي لأنني استطعت التغلب على هذه العراقيل، واستفز همتي كل من قال لي إنها “مجرد مرحلة”، وعرفت حينها أن التارماسالاتا مصنوعة من بطارخ سمك السلمون. وتلك كانت حقيقة محبطة بالنسبة إلي. وكانت نظرة خاطفة على طبق الحمص البيغ، الموضوع أمامي، كفيلة بجعل حياتي أكثر كآبة إلى حد ما.

أمضيت نصف حياتي نباتية حتى الآن والحمص ليس سوى جزء طري من هذه الحياة النباتية. ولكن الأمر لا يقتصر على البقوليات المسحوقة وانتفاخ البطن فحسب. فلم يكن من السهل والمقبول اجتماعياً تجنب تناول اللحمة. وخلال الأعوام الخمسة عشر الماضية تعلمت دروساً تفاوتت بين المطبخ والمجتمع. وسأحصيها لكم هنا.

ستغير البقوليات حياتك

الشيء الأول الذي عليك إدراكه قبل التحول إلى الحياة النباتية هو مدى قدرتك على تناول العدس على مقياس يبدأ من واحد وينتهي بوجبة الدال. وقبل أن ترفض، عليك أن تعرف أن العدس من الأشياء الرائعة للغاية. وللعدس وصفات منها شوربة العدس، والعدس في الأرز “الروزيتا”، والعدس المسحوق لـ”البرغر”، والعدس المبعثر على السلطة وكلها وصفات رائعة. وفي أحد الأيام أعددت بولونيز العدس. وبعد عقد من نقص الحديد، يبدو طعم العدس كاللحمة تماماً.

كما أن التوفو مذهل. هل تعرف مدى تنوع التوفو؟ لن أقبل بكلمة واحدة تقال ضده. وكل من يقول إنه لا يحب التوفو هو لم يجرب ببساطة كل أنواعه، فالتوفو المقلي بشدة ذو مذاق مختلف تماماً عن المشوي أو التوفو المخبوز أو المطهو في طاجن وجميع أصنافه تمتص النكهات التي تستخدمها في طهيها لتحولها إلى شيء مختلف في كل مرة. لا يمكن أن يكره أحد التوفو. وهذا موقف سأدافع عنه طيلة عمري.

ومن المخيب لآمالي، أنني اكتشفت باكراً أنه من الصعب جداً أن تكون نباتياً كسولاً. فأنا أكافح للوصول إلى المنزل بعد يوم من العمل وإعداد طعام على الموقد. ماذا يمكنني أن أقول؟ فأنا لست مارثا ستيوارت. وبالتالي، إذا لم تكن تحب المعكرونة أو لم تكن بارعاً في تحضير وجبات جيمي التي تستغرق 15 دقيقة، فعليك أن تفكر في الحصول على موقد بطيء أو موقد أرز أو آلة تحضير الشوربة أو بعض الماكينات الأخرى للطهو البطيء (التي لدي معظمها) من أجل تلك الأيام التي تريد فيها الوصول إلى المنزل وتناول شيء يحتوي أي قدر من المواد المغذية ومن ثم ترقد أمام التلفاز.

تقبل بدائل اللحمة

هذا هو السبب في أنني أعيش على بدائل اللحم. فالكثر ممن يأكلون اللحمة يغضبون بطريقة غريبة من مجرد التفكير في بدائل اللحم (أعنيك بهذا يا بيرس مورغان)، غير قادرين، بطريقة ما، على تفهم الشخص الذي يستمتع بطعم اللحم لكنه اختار ألا يأكلها. فهي ببساطة محيرة لعقولهم الضعيفة. لكن بدائل اللحم هي السبيل المثالي للاستمرار في تناول وجباتك مع قليل من التنازلات والمقايضات.

الأمر لا يقتصر على البقوليات المسحوقة وانتفاخ البطن فحسب. فلم يكن من السهل والمقبول اجتماعياً تجنب تناول اللحمة.

منذ عقد مضى، لم يكن غريباً أن تطلب وجبات مثل فطيرة جبن ماعز متخثر أو سبانخ أو جبن ريكوتا في كل مرة كنت تدخل فيها مطعماً. لكن الآن، يوجد في كل سوبر ماركت متخصص قسم كامل للنباتيين، ومن الخيارات التي لا تزال متاحة لك في هذا القسم قطع الدجاج الصورية وكرات اللحم المفرومة الخالية من اللحمة بلا حدود، وكذلك التفضيلات ذات المغزى كالكاربونارا واللازانيا والبرغر. وسوف يجعلك ذلك تشعر كما لو أنك لم تتخل عن أي شيء، ويمكنك التظاهر بأنك لا تزال آكلاً للحوم، مرتاحاً في الوقت نفسه، في نعيم بصمتك الكربونية المنخفضة الجديدة. 

السفر يمكن أن يكون تحدياً

هذا تعميم يعتمد على تجربتي المحدودة، لكن وجدت أن الأكل أثناء العطلة يمكن أن يكون تحدياً. في إسبانيا مثلاً مهما أخبرتهم بأنك نباتي يقدمون لك الزيتون محشواً بسمك الأنشوجة. ويحضر حساء الخضار في فرنسا في العادة بلحم البقر ولا تحاول أن تطلب طبقاً خالياً من السمك في الدنمارك. النسخة النباتية للشطيرة الكلاسيكية المفتوحة أو ما يسمى بالسموغبغود، عبارة عن بطاطس. نعم هذا صحيح قطع بطاطس فوق قطعة خبز.

ستسير الأمور على ما يرام إلى حد كبير في الولايات المتحدة ما دمت موجوداً في المدن الكبرى العصرية، لكن بمجرد مغادرتها ستعيش طيلة الرحلة على الأطباق الجانبية التي تأتي مرافقة للبرغر. من الصعب معرفة ما الذي يربك الأميركيين أكثر، شاي الفطور الإنكليزي أو أن تكون نباتياً.

في الوقت نفسه، تمتلك القارة الآسيوية مطبخاً نباتياً جيداً. تضم الهند في الواقع أكبر عدد من النباتيين في العالم. على رغم أن البيض لا يعتبر مكوناً نباتيا في عرف البوذية، فكُن على علم قبل أن تربك الجميع. واحذر من صلصة السمك في جنوب شرقي آسيا لأنها تقدم في جميع الأطباق.

الجحيم هو الآخر

في بريطانيا، نبدو مصممين على إرباك الجميع، هناك الآن كلمات متنوعة لوصف تفضيلاتنا الغذائية المتنوعة. يسمي كثر من نباتيي الأسماك (الأشخاص الذين يأكلون الأسماك لكن لا يأكلون اللحم) وشبه النباتيين (الأشخاص الذين يأكلون اللحم مرة في الأسبوع مثلاً) أنفسهم نباتيين. هؤلاء الأشخاص مخطئون. لكن في الوقت نفسه لا يستطيع الكهول مثلاً التفريق بين فيغن وفيجيتاريان ويحاولون منعك من شرب الحليب في كل مرة تزورهم. سألني متعهد حفلات زفاف، هل أنا نباتي حقاً أم أنه مجرد أمر عابر وهل سأرغب في تذوق المحار في أي حال؟ 

وهناك أشخاص يحبون شرح النظام النباتي. سيقولون لك إنهم ليسوا بحاجة للكف عن أكل اللحم من أجل البيئة، الأمر متوقف كلياً على فحص مصادر طعامهم قبل تناوله، لأن المزارع المستدامة هي المشكلة هنا وليس تدمير الغابات الماطرة أو الكمية المتطرفة المستخدمة من الماء والميثان. ستقابل هؤلاء الأشخاص حتماً مطأطئين رؤسهم نحو “دوبل وابر” يوم الأحد على الساعة الرابعة صباحاً.

الشيء الأول الذي عليك إدراكه قبل التحول إلى الحياة النباتية هو مدى قدرتك على تناول العدس على مقياس يبدأ من واحد وينتهي بوجبة الدال.

في الجانب المشرق، ظهرت الحاجة لمفسري النظام النباتي نتيجة لكون سمعتنا كنباتيين لم تكن جيدة في أي وقت من الأوقات. أصبحت نباتياً قبل بروز حركة “تمرد ضد الانقراض”، وقبل ظهور غريتا، عندما لم يكن الاهتمام بالبيئة أو بحقوق الحيوان أمراً مثيراً، بل كان مشقة (ونعم كنت واحداً من الذين اشتروا الفيلم الوثائقي “حقيقة متعبة” في قرص DVD عام 2006). إن قلت لأي شخص في ذلك الوقت أنك نباتي عليك أن تتوقع إخراجك من لائحة أصدقائه المقربين. لكن الآن أصبحت عبارة “أنا نباتي” أشبه بعبارة تودد. لكن الجانب السلبي لهذا الأمر هو أنك ستحتاج إلى أخذ مرافقين لحفلات الشواء لأن الأشخاص الذين يتناولون اللحوم سيحاولون دائماً سرقة الخيارات النباتية التي يعتبرونها مقبلات لوجباتهم.

في كل الأحوال النظام النباتي سهل وما زلت تستطيع الاستمتاع بطعام لذيذ

بصرف النظر عن نظامك الغذائي، سيغير النظام النباتي نظرة الناس لك بشكل كلي، وهو شيء غريب لا يحدث مع الناس الذين لا يحبون الفطر أو يعيشون من أجل قطع الدجاج المتبلة.

كنباتي سيتوقع الجميع منك أن تعيش وتموت من أجل البيئة وحقوق الحيوانات. يفترض الناس أنك إن كنت نباتياً فإنك أقدس من أرسل ليجعلهم يشعرون بالذنب حيال خياراتهم الحياتية الخاصة. إذا لم تعذب نفسك أو ترتدي “بيركنستوك” تحترم معايير النظام النباتي، توقع أن تتعرض لاستنطاق يشبه استنطاق المخابرات السوفياتية من شخص واحد على الأقل في معظم حفلات الزفاف. “هل أخذت في الاعتبار التأثير البيئي للأفوكادو؟ هل تسافر على متن الطائرة؟ أو هل الحذاء الذي تنتعله مصنوع من الجلد؟ هي أسئلة بين أسئلة كثيرة يمكن أن يطرحها عليك آكلو اللحوم الشرسون في الوقت الذي لا تزال بقية من حياة تنبض في شرائح اللحم الموضوعة في صحونهم.

لم يعد تبنيك للنظام النباتي في الآونة الأخيرة يتطلب منك كل هذا الجهد. الآن، حتى لو لم تكن نباتياً بشكل كامل فأنت مصنف مع بقيتهم. لا أحد يهتم بأنك أمضيت سنوات تتناول الجزر المطهو في الوجبات العائلية أو مطاردة النادل الذي يحمل المقبلات النباتية حول أماكن العمل.

 لا يهم أي شيء من هذا إذا لم تصبح نباتياً لثلاثة أشهر وتخبر الجميع بهذا. يذهب الناس فجأة إلى النباتيين لاستشارتهم بخصوص تجنب أكل اللحم والنظر إليك كما لو كنت تحطّم قطعة من لحم العجل بالساطور.

في النهاية، لقد تغيرت صورة النظام النباتي في أذهان الناس كثيراً في العقد الماضي. لن تجد وقتاً أفضل لتبني النظام النباتي (أو الفيغن إذا كنت تشتهي الجبن أقل مني)، لذلك إذا كنت ميالاً لتبني النظام الغذائي النباتي، فقد حان الوقت المناسب للتوفو البارد. ولا تنس تخزين العدس.

هذا المقال مترجم عن الرابط التالي.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ترجمة – Foreign Policy
الأزمات الوجودية مهمة لتصفية الذهن والتفكير بوضوح؛ فهي غالباً ما تقنع السياسيين بالقيام بإصلاحات كبيرة ومؤلمة لكنها ضرورية، وذلك لأنها ترغمهم على قبول فكرة عدم وجود خيار آخر وأنهم إذا فشلوا في ذلك فلن تُهدم مسيرتهم المهنية فحسب بل بلادهم أيضا
ترجمة – The Guardian
يشعر خبراء بقلقٍ متزايد بخصوص أثر أقل وضوحاً لحالة الطوارئ المتفاقمة، وهو الضغط النفسي الذي تفرضه هذه الأزمة على صحة الأشخاص العقلية، بخاصة الشباب.
ترجمة – Foreign Policy
أضحى موقع “تويتر” أحد أهم مصادر نشر المعلومات المُضللة حول الفيروس.
ترجمة – Salon
“إذا كان بإمكانك الحصول على برغر نباتي له طعم البرغر العادي، لكن من دون أن يموت أحد من أجل صنعه، فلماذا لا تشتريه؟”.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
تتشابه أخبار انتشار فيروس “كورونا”، مع أحداث فيلم “كونتيجن” الذي يوثق انتشار مرض معدٍ ومميت يهدد البشرية.
ترجمة – Quartz
حين عاد ستيف جوبز إلى شركة “أبل” عام 1997، بعد 12 سنة من الغياب عنها، كانت الشركة التي شارك في تأسيسها تفتقر للهمة والوجهة. فعرض جوبز خطته لإعادة إحياء العلامة التجارية المتعثرة، مستعرضاً أحد العناصر الضرورية: الشغف، قائلاً “من يملكون الشغف يمكنهم تغيير العالم للأفضل”.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني