ليلة احتراق حلم الحريري 

الشيخ سعد لم ينتبه للمرتزقة الحقيقيين المتمثلين بحرس مجلس النواب الذين أحرقوا خيم المعتصمين في رياض الصلح انتقاماً له

في 18 كانون الثاني/ يناير، بدأ التوافد إلى ساحة النجمة عند الثانية بعد الظهر، تلبية لدعوات أطلقتها مجموعات عدة إلى تظاهرة مركزية في بيروت.

أول الواصلين كان باصات طرابلس وعكار، التي نقلت محتجين مقهورين، يواجهون في كل مرة تهمة الاندساس ومصير الاعتقال، ثم وصل تباعاً متظاهرون من البقاع ومناطق أخرى، ولكن، ماذا حدث وكيف بدأت المواجهات؟

بدأ متظاهرون يستفزون القوى الأمنية، وبدأت محاولات المتظاهرين الدخول إلى ساحة النجمة عبر فك الأسلاك الشائكة والتحصينات الأمنية المكثفة. حاول بعض المتظاهرين تهدئة الشبان، لكنهم هؤلاء بقوا مصرين على الدخول، قالوا بالحرف الواحد، هذه الساحة لنا وليست لنبيه بري والنواب الآخرين. بعد أقل من ساعة من الشتائم المتبادلة بين المتظاهرين وقوى الأمن الداخلي، اقتربت آليات رش المياه وبدأت تفريق المتظاهرين وبدأت محاولة إنهاء التظاهرة.

هنا وقع بعض الخلاف بين المتظاهرين والـ”عائلات” في انعكاس واضح لخلاف ولفوارق “طبقية”. بعض الأشخاص انزعجوا من اقتلاع “المشاغبين” الأشجار للاحتماء بها من المياه وبناء ما يشبه السد أمام القوى الأمنية. لكن كيف تريد أن تقنع شخصاً، يُضرَب ويسحَل وليس لديه ما يخسره، بأهمية الشجر والبيئة وبأنها ليست عدوتنا؟

.. من أين أتى الزعماء وأمراء الطوائف وأصحاب المصارف بملايينهم وملياراتهم، وهذا هو المهم.

غالباً ما يكون الفقراء في الصفوف الأمامية، وليس أصحاب الوظائف مثلاً، الذين يملكون شيئاً يخسرونه. فقراء الأطراف الذين سدت في وجوههم سبل الأمل مجتمعةً، يواجهون الرصاص المطاطي بصدورهم.

الخلاف بين المتظاهرين ليلة الأحد، انتهى عندما ازداد بطش القوى الأمنية وعدم تفريقها بين صف أمامي وصف خلفي.

صدر عن رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري بيان وصف فيه المحتجين بـ”المرتزقة” وبأنهم أحرقوا حلم رفيق الحريري (والده). لم ينتبه سعد لأمر جوهري في المشهد، وهو أن هؤلاء “المرتزقة” وغالبيتهم من عكار وطرابلس، كانوا يوماً ما مؤيدين لرفيق الحريري ولسعد الحريري، وعندما قاموا بإحراق “حلمه”، فهم على الأرجح قالوا إن هذا الحلم لم يعد يمثلهم اليوم، أو على الأقل لا يطعم جائعاً ومحتاجاً، وأن حلم الحريري هذا هو حلم “سوليدير” وحاشية آل الحريري ومتعهديهم، لا حلم فقراء الضواحي.

أما “المرتزقة” الذين صوتوا لك “زي ما هيي” في جميع انتخاباتك النيابية يا شيخ سعد، فربما أحرقوا بعض الأخشاب في سوليدير كي يتدفأوا بها، مستعيضين بها عن وعودك الباردة.

الشيخ سعد لم ينتبه للمرتزقة الحقيقيين المتمثلين بحرس مجلس النواب الذين أحرقوا خيم المعتصمين في رياض الصلح انتقاماً له فقط لا غير، فيما فتح بيت الكتائب أبوابه للجرحى والمتعبين والهاربين من الاعتقالات.

لكن ما يؤسف حقاً هو أمر يتكرر دائماً، فعندما ينزل أهل الأطراف إلى بيروت للاحتجاج، غالباً ما تُطرح أسئلة مناطقية (طبقية في بُعدها) عن أسباب هذا النزول، ومن دفع كلفة الانتقال (3 آلاف ليرة) وثمن المفرقعات (20 ألف ليرة)، ومن أين أتى بها هؤلاء الفقراء؟! 

حسناً لا أعرف من أين أتوا بها، ولا يهمني، لكن الجميع يعرف، من أين أتى الزعماء وأمراء الطوائف وأصحاب المصارف بملايينهم وملياراتهم، وهذا هو المهم.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
“داعش” قضى ومضى على نحو ما تفعل الفايروسات. استمر مقيماً في مكانٍ ما بعد أن فعل ما فعله، وقتل ما قتله. “كورونا” يتوقع له العلماء مساراً مشابهاً.
زياد ماجد – كاتب وأستاذ جامعي لبناني
سافر كورونا على متن طائرات الحداثة وسفنها وسياحتها ومؤتمراتها، وانتقل من الصين حيث قُمِع الأطبّاء المنبّهون منه بدايةً الى محيطها المباشر، قبل أن يبلغ معاقل الحداثة الغربية. داهم مجتمعات ظنّت أنها دجّنت المخاطر الكبرى وقضت على الأوبئة وأحالتها حكراً على دول فقيرة …
موفق نيربية – كاتب وسياسي سوري معارض
يواجه السوريون كارثة “كورونا” ببرود لافت، ليس لأنهم عاشوا ويعيشون كارثة- سلطة أخرى منذ سنوات، بل لأنهم يعرفون أيضاً كيف أن طغمتهم الحاكمة استخدمت دائماً احتمال وقوع الكوارث المستبعدة كي تبطش بهم
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
عمدت السلطة الى حرق الخيم وكأنها الوباء، تماماً كما تفعل بعض الدول مع جثامين ضحايا كورونا حيث يسارعون الى حرقها ودفنها من دون جنازة ومن دون محبين. أحرقت السلطة في لبنان ساحات الاحتجاج وحاولت دفنها من دون ضجة.
هوشنك اوسي – كاتب وصحافي كردي سوري
كثيرونَ أوسعوكَ شتماً وذمّاً ولعناً. لكنكَ تشبهني في خصلة، أو ربما تشبهُ أناساً كثيرينَ أيضاً. واسعُ الخُلُقِ دائماً، وتضيقُ نفسكَ وتنفعل بشدّةٍ لأتفهِ الأسباب. قلَّةٌ قليلةٌ، لاذت بالصّمت والتأمُّل فيكَ، ابتغاءَ معرفتك، وما زالت تجهلكَ.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني