لا أحد صدّقك يا ريّا!

نزلت ريا بكل ثقة لتخبر عشرات الصحافيين وآلاف الجالسين في بيوتهم إنّ "عناصر قوى الأمن تعبوا"، لذلك باتوا يستخدمون العنف!

ربما كان باستطاعة وزيرة الداخلية في الحكومة المستقيلة السيدة ريا الحسن أن تقف خلف نافذة مكتبها الفخم وتتفرّج على الصحافيين أمام وزارتها وهم يهتفون: “عسكر على مين، عسكر على الصحافيين وعسكر على المدنيين”. ربما كان عليها في أسوأ الأحوال أن تطل برأسها من النافذة أو تقف على شرفة من شرفات وزارة الداخلية والبلديات وتحاول ألا يراها أحد، وتتلصص على الصحافيين الغاضبين، بسرية تامة. 

كل ذلك كان ممكناً. لكن أول وزيرة داخلية في لبنان والعالم العربي، قررت أن تنزل في هذا الطقس البارد والذي يتحضّر للمطر، إلى الصحافيين المعترضين على استخدام العنف في التعامل مع زملاء لهم خلال تغطية الاحتجاجات الشعبية. نزلت ريا بكل ثقة لتخبر عشرات الصحافيين وآلاف الجالسين في بيوتهم إنّ “عناصر قوى الأمن تعبوا”، لذلك باتوا يستخدمون العنف! لم نعرف ما الرابط بين التعب واستخدام العنف، ربما يستدعي التعب أن يتراخى العناصر وألا يضربوا الناس بكل هذا النشاط وهذه الحيوية والطاقة المتجددة. إنما يبدو من حديث ريا أن الشعب اللبناني برمته يستجم على جزيرة إسبانية بالغة الرومانسية، فيما عناصر الأمن التابعون للسيدة ريا يتعبون!

لكن ريا بفطنتها سارعت لتؤكد أنها لا تحاول تبرير ما حصل، وكررت الجملة أكثر من مرة بنبرة ثورية لافتة ورنانة. من يسمع ريا سيصعقه حتماً تضامنها مع الصحافيين والمدنيين الذين تعرّضوا للضرب والاعتقال من عناصر الأمن الذين يفترض أنها هي المسؤولة عنهم. لكن ريا تضامنت مع ضحاياها! يشبه ذلك كثيراً المثل القائل: “قتل القتيل ومشى في جنازته”. 

ريا لم تبقَ في مكتبها، تحمّست حين أخبروها أنّ أمام وزارة الداخلية عشرات الصحافيين والمصوّرين الذين يرفعون لافتات “لا لقمع الإعلام”.

ريا لم تبقَ في مكتبها، تحمّست حين أخبروها أنّ أمام وزارة الداخلية عشرات الصحافيين والمصوّرين الذين يرفعون لافتات “لا لقمع الإعلام”. تحمّست ريا، وقررت أن تلبس “الجاكيت” وتتنصل من المسؤولية، وتنضمّ إلى الذين ضربهم عناصرها أمس، لتقول لهم “أنا معكم”، وكادت تهتف معهم “عسكر على مين”. إنها السوريالية السياسية بكلّ تجلياتها، الما فوق واقعية. إنه مشهد يمكن تدريسه لطلاب السياسة والفنون والأدب والفلسفة، مشهد يختصر السوريالية بكل ظواهرها اللاواعية وتناقضاتها الغرائبية.

تحدّثت السيدة ريا فيما أكثر من 100 محتج اعتقلوا بأساليب وحشية واصطحبوا في الليلة الماضية إلى الثكنات (حيث يُضرَبون بالورد طبعاً)، إضافة إلى التعرض إلى مصورين وصحافيين بالضرب والإهانات وتكسير الكاميرات. تحدّثت ريا فيما يقف متظاهرون أمام ثكنة الحلو مطالبين بالإفراج عن رفاقهم. تحدّثت ريا عن مئة جريح من قوى الأمن وعن عناصر لا ينامون ويتعبون، فيما رفيف صوني تواجه فقدان الذاكرة والنظر بسبب الضرب الوحشي على المتظاهرين الذين كانت بينهم. تحدّثت وزير الداخلية بصوت واثق وبشجاعة لافتة فيما عناصرها يضربون الطلاب في جونية، لأنهم نزلوا يطالبون بمستقبل أفضل.

ربما ستحتاج ريا في الأيام المقبلة إلى استخدام المزيد من العنف بالتضامن والتكافل مع أصدقائها القيمين على قمع الاحتجاجات الشعبية، لكن ربما على أحدهم أن ينصح وزيرتنا اللبقة (أو أي وزير سيأتي بعدها) بأن تبقى في مكتبها دافئة هانئة وتصدر أوامرها من هناك، وألا تنزل إلى الناس لتخبرهم أن لا دخل لا. لا أحد صدّقك يا ريا…

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
مناهل السهوي وميزر كمال
حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني