fbpx

الخصمُ والجلادُ والحكمُ: ديوان القضاء والمظالم في “داعش”

حصل "المركز السوري للعدالة والمساءلة" من ناشط محلي على 277 من وثائق "داعش" الداخلية. تحقق المركز من هوية المسرب ومن صدقية الوثائق وأصدر الخلاصات التالية بشأنها.

في أيار/ مايو 2019، حصل “المركز السوري للعدالة والمساءلة” من ناشط محلي، غير تابع إلى أي مجموعة مسلحة، على نسخ من 277 من وثائق “داعش” الداخلية، تم جمعها من مكاتب إدارية مهجورة للتنظيم في الطبقة، في محافظة الرقة، داخل مقر الخلافة التي أعلنها التنظيم. تحقق المركز من هوية المسرب ومن صدقية الوثائق وأصدر الخلاصات التالية بشأنها. 

مقدمة

يُعرف تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا (يشار إليه هنا بـ”تنظيم داعش”) على نطاق واسع باستخدام العقوبات الوحشية والقديمة التي عززتها التغطية الإعلامية وتصوير وسائل التواصل الاجتماعي، لقطع الرؤوس والرجم والصلب وبتر الأطراف، من بين عقوبات أخرى. وبرّر تنظيم “داعش” هذه الوحشية بتفسيره الشريعة الإسلامية، وشيّد هيكلاً استبدادياً– شمل القضاء – ركّز على إضفاء الشرعية على فرض هذه الأساليب.

في خضم الهيكل البيروقراطي المعلن لتنظيم داعش، والموجود تحت الخليفة والمجلس الشرعي وفوق المحاكم والدواوين المحلية، يقع ديوان القضاء والمظالم وهو أحد الدواوين الأربعة عشر التي تتكوّن منها إدارة التنظيم.

برّر تنظيم “داعش” هذه الوحشية بتفسيره الشريعة الإسلامية، وشيّد هيكلاً استبدادياً– شمل القضاء – ركّز على إضفاء الشرعية على فرض هذه الأساليب.

كان الدور المعلن لديوان القضاء والمظالم هو سماع الشكاوى ضد المسؤولين العامين في تنظيم “داعش” ومقاتليه. غير أن المراجعة التي أجراها المركز السوري للعدالة والمساءلة لوثائق تنظيم داعش تشير إلى أن هذا الديوان لعب دوراً أكثر مركزية في حوكمة التنظيم، إذ أشرك نفسه في جميع أشكال اتخاذ القرارات التي تنطوي على مسائل إدارية ومدنية وجنائية. وشمل ذلك تنظيم تكنولوجيا الاتصالات والاحتفال بالأعياد الدينية وكذلك تحرير محاضر الاستجواب وفرض أحكام الإعدام. وعلاوة على ذلك، فإن موقعه في التراتبية الهرمية أعلى من هيئات مثل المحاكم الإسلامية ومحاكم الشريعة، يشير إلى وجود اختصاص أوسع من ذلك الذي سبق أن ادّعاه التنظيم. وفي هذا الصدد، يبدو أن تنظيم “داعش” سار على النهج التنظيمي للحكومة السورية التي عزّزت السيطرة داخل أجهزتها الأمنية من خلال التغلغل في جميع مجالات الحياة السورية. وتُعتبر هذه الاستنتاجات مهمة لفهم تنظيم “داعش” كمنظمة إجرامية ولإسناد المسؤولية عن الجرائم الدولية التي ارتكبها أفراد من هذا التنظيم.

يوصي “المركز السوري للعدالة والمساءلة” بأن تعطي وحدات جرائم الحرب المتخصصة أولوية التحقيق مع أعضاء ديوان القضاء والمظالم وملاحقتهم قضائياً، بالنظر إلى الدور المهم الذي لعبته في منظومة الانتهاكات الخاصة بتنظيم “داعش”. وتعزيزاً لهذا العمل، يواصل المركز تحليل ما في جعبته من وثائق تنظيم “داعش”، ليجمع ويشارك مع آليات العدالة أسماء أعضاء هذا الديوان التي يتم العثور عليها في هذه الوثائق.

المنهجية

استعرض “المركز السوري للعدالة والمساءلة” كل وثيقة من الوثائق الـ277، مع ملاحظة ظهور اسم ديوان القضاء والمظالم. ونظراً لانتشار اسم الديوان في مختلف الوثائق، أجرى المركز تحليلاً أعمق لهذه المجموعة الفرعية للتوصل إلى فهم دور الديوان ومهماته واختصاصه. وإدراكاً لخطر التحيز في اختيار العينة، قام المركز بمقارنة مجموعته مع أرشيفات أخرى لوثائق تنظيم “داعش” متاحة علانية أو خصوصاً، بما في ذلك من خلال التشاور مع برنامج التطرف التابع لجامعة جورج واشنطن، وكذلك مراجعة الوثائق أو التقارير حول وثائق من عنب بلدي، و”الأسوشييتد برس”، و”نيويورك تايمز”، وأيمن جواد التميمي (صحافي مستقل). وإضافة إلى ذلك، استشار المركز خبيرين في الشريعة الإسلامية.

المراجعة التي أجراها المركز السوري للعدالة والمساءلة لوثائق تنظيم داعش تشير إلى أن هذا الديوان لعب دوراً أكثر مركزية في حوكمة التنظيم، إذ أشرك نفسه في جميع أشكال اتخاذ القرارات التي تنطوي على مسائل إدارية ومدنية وجنائية.

وتتضمن مجموعة الوثائق المختارة تفاصيل المهام الإدارية والقضائية الروتينية وتشمل: وثائق اعتقال، ووثائق إصدار أحكام، واعترافات، وإفادات شهود، وشهادات زواج، وملخصات قضايا، ومعلومات متعلقة بمحتجزين، وتقارير استجواب، وأوامر إفراج عن سجناء، وإفادات أشخاص مُدّعى عليهم.

وتم اختيار خمسة من هذه الوثائق لنشرها مع هذا التقرير مع إجراء حجب مناسب لبعض المعلومات لحماية وسلامة ضحايا محتملين.

خلفية تاريخية

تعود جذور النظام القضائي لتنظيم “داعش”، بما في ذلك ديوان القضاء والمظالم، وحتى استخدامه لمصطلح “ديوان” في هيكله التنظيمي، إلى مؤسسات القرن السابع للميلاد في عصر الخلافة الأموية، حيث أنشأ الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان ديوان المظالم، ليكون بمثابة محكمة إدارية تحت ولاية الخليفة. حيث نظر هذا الديوان في التظلمات ضد مسؤولي الدولة في ما يتعلق بقضايا الأموال العامة وقوانين الأراضي والأوقاف والشكاوى وجميع المسائل الأخرى التي اختارت الحكومة أن تصنّفها في إطار الشكاوى، والتي تُعرف مجتمعة باسم ولاية المظالم.

وصف محللون، بينهم صحافيون ومتخصصون عسكريون وأكاديميون ومنظمات غير حكومية دولية، الهيكل التنظيمي للقضاء في “داعش” بأنه عمودي يتّجه من أعلى إلى أسفل، كذلك في تفسيره وتطبيقه للشريعة الإسلامية. ويشار إلى هيئات الديوان والمحاكم الإسلامية ومحكمة الحسبة (أو ديوان الحسبة) مجتمعة بالقضاء المركزي، ويخضع لسيطرة الخليفة والمجلس الشرعي داخل التسلسل الإداري لتنظيم “داعش”. ويفهم معظم الناس ديوان القضاء والمظالم في سوريا على أنه مجرد مكتب شكاوى (يقع في الرقة وحلب) كان يستمع إلى مظالم أولئك الذين يعيشون داخل المناطق التي سيطر عليها التنظيم، بما في ذلك المظالم ضد مسؤولي التنظيم ومقاتليه والأمراء المحليين.

غير أن معظم هذه المعرفة تنبع من معلومات نشرها تنظيم “داعش”. في تموز/ يوليو 2016، على سبيل المثال، نشر التنظيم شريط فيديو ترويجياً مدته 15 دقيقة بعنوان “صرح الخلافة”، يعرض بالتفصيل ويميط اللثام عن هيكله التنظيمي للعالم ويذكر فيه ديوان القضاء والمظالم على أنه مجرّد أحد الدواوين الأربعة عشر التي يتألف منها تنظيم “الدولة”.

تشير الوثائق التي حصل عليها “المركز السوري للعدالة والمساءلة” إلى أنه على غرار سلفه من المحاكم الإدارية ذات الإشراف الواسع في القرن السابع للميلاد، فإن اختصاص هذا الديوان كان واسعاً إلى حدٍ كبير. ولكن السابقة التاريخية لم تتضمن أبداً الاختصاص الجنائي أو المدني أو الرقابة الإدارية على حياة المواطنين. لذلك، فإن إعادة إحياء هذا الديوان في يومنا هذا في ظل تنظيم “داعش” توضح قطيعة نهائية للتقاليد عندما وسّع اسمه من ديوان المظالم إلى ديوان القضاء والمظالم، وهو اسم يدل على زيادة سلطته وسيطرته، بما في ذلك الاختصاص الجنائي والمدني والتنظيم الإداري للحياة في ظل التنظيم.

ديوان القضاء والمظالم وصنع القرار

بناءً على الوثائق، من الواضح أن ديوان القضاء والمظالم احتفظ باختصاص واسع لتقرير مصير الأفراد الذين كانوا يعيشون في ظل “الدولة الإسلامية”. وما انتشار اسم هذا الديوان عبر مجموعة واسعة من الوثائق القضائية والإدارية الموحدة سوى دليل على المسؤوليات والرقابة الواسعة للديوان في الرقة بل وأبعد منها، ما يشير إلى أن الديوان كان أكثر من مجرّد مكتب شكاوى.

وتوضح المجموعة الواسعة من الوثائق والقرارات موقعه الفعلي خارج نطاق المهمات القانونية المفهومة سابقاً، بحيث يقع في مكان ما تحت المجلس الشرعي، ولكن فوق بقية السلطة القضائية، مع القدرة على تحمل مسؤوليات تفوق مسؤوليات القضاة أو أعضاء السلطة القضائية، بالنظر في الشكاوى والمنازعات، ومراقبة القرارات والأحكام، وفي نهاية المطاف الحقوق القانونية لأولئك الذين يعيشون في الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم.

في ما يلي أمثلة على وثائق ورد فيها اسم الديوان:

  1. أوامر وبلاغات توقيف مختلفة، بما في ذلك من قبل الشرطة الإسلامية (انظر الملحق 1).
  2. وثائق إصدار أحكام، بما في ذلك أحكام الإعدام (انظر الملحقين 2 و3).
  3. إفادات اعتراف.
  4. وثائق المحكمة الشرعية والمحكمة الإسلامية (انظر الملحق 4).
  5. شهادات الزواج.
  6. محاضر القضايا والاتهامات.
  7. معلومات عن محتجزين.
  8. بيانات الإفراج عن سجناء.
  9. تقارير الاستجواب.

يظهر اسم الديوان في بعض الوثائق (انظر الملحقين 1 و4) فوق اسمي المحكمة الشرعية والمحكمة الإسلامية، وكذلك فوق اسم الشرطة الإسلامية، ما يشير إلى أنه كان يحظى بموقع أعلى في التسلسل الهرمي فوق محاكم التنظيم. في الملحق 1، يظهر اسم الديوان في أمر توقيف صادر عن الشرطة الإسلامية في 1 كانون الثاني/ يناير 2015 في الطبقة. وإن أمر التوقيف هذا هو استمارة موحدة تحتوي على مدخلات لرقم القضية، ومنطقة اختصاص الشرطة الإسلامية، والاسم، وأسماء أفراد الأسرة، ورقم الهاتف ولقب الموقوف. ويَرِد في أمر التوقيف اسم رئيس الشرطة الإسلامية في منطقة الاختصاص، حيث تم تسجيل الفرد وسجنه وفقاً للإجراءات المعتادة (في هذه الحالة، مدينة الطبقة). في أسفل أمر التوقيف، تشير الاستمارة إلى اسم محرّر أمر التوقيف، ويظهر تحته الختم الأزرق للدولة الإسلامية، بخاصة لرئيس محكمة الطبقة.

في الملحق 4، يظهر اسم الديوان أعلى استمارة موحدة مختلفة لإفادة الشهود. الاستمارة مؤرخة في 2016 صادرة عن المحكمة الشرعية في ما يتعلق بقضية بضائع مصادرة. وتشير الاستمارة إلى معلومات حول منطقة الاختصاص، واسم القاضي، ومعلومات شخصية مفصلة للشاهد، إضافة إلى إفادة مدوّنة بالكامل. وإن الطبيعة البيروقراطية للوثائق لافتة للنظر، ما يدعم النتائج التي توصل إليها بعض الصحافيين بأن تنظيم “داعش” كان معقداً إدارياً ومنظماً بشكل جيد. ولكن اتساع نطاق الوثائق قيد الاستعراض هنا يشير إلى أنه، إلى جانب المهمات الإدارية، كان للديوان دور مركزي في تنظيم الحياة اليومية والأنشطة المدنية وكذلك فرض العقوبات الجنائية وتنفيذها.

تأكيد من مصادر أخرى

يتم تدعيم هذا الاستنتاج من خلال مراجعة وثائق التنظيم المتاحة للجمهور من سوريا وكذلك العراق.

يحتوي الأرشيف المتاح للجمهور الصادر عن أيمن جواد التميمي، وهو صحافي عراقي- بريطاني، على أكثر من 20 وثيقة تُظهر موقع الديوان في الترتيب الهرمي للتنظيم فوق المحاكم الشرعية والشرطة الإسلامية في الرقة ودير الزور، فضلاً عن المحكمة الأمنية. ومن بين وثائق التميمي، يظهر ختم الديوان على تقارير المعاملات والأنظمة الخاصة ببيع السبايا، وهو مصطلح يشير إلى الإماء. ويوجد ختم أحمر في أعلى هذه الوثائق، مفاده: تم التحقق من الرقابة الداخلية، وهو إشارة محتملة إلى أن الديوان مارس الرقابة على عمليات الاتّجار بالجنس والعبودية.

كان الموضوع المشترك بين هذه الوثائق الصادرة عن الديوان هو التمييز ضد الأقليات الدينية، إذ تثبت إحدى الوثائق قيام الديوان بجمع الجزية وغيرها من الشروط التمييزية المفروضة على المسيحيين أو اليهود (أهل الذمة) الذين يعيشون تحت سلطة الدولة الإسلامية.

وتشمل الأمثلة الأخرى وثيقة حصلت عليها المؤسسة الإخبارية “عنب بلدي” من إصدار فيديو نُشر في 3 أيلول/ سبتمبر، 2015 من قبل التنظيم بعنوان “إقامة حكم الله في نصارى مدينة القريتين”. حيث يظهر اسم الديوان على “عقد الذمة”، بإعلان حكم التنظيم على المسيحيين في مدينة القريتين، محافظة حمص. ويظهر في وثيقة أخرى حصلت عليها صحيفة “نيويورك تايمز” دليل من 27 صفحة يوضح خطة تنظيم “داعش” لمصادرة ممتلكات من مجموعات الأقليات الدينية. حيث تشير إلى أمر صادر عن الديوان يأذن بمصادرة الممتلكات المملوكة لغير السنّة الذين يعيشون في الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم، بما في ذلك الشيعة والمرتدون والمسيحيون والنصيريون واليزيديون.

تعود جذور النظام القضائي لتنظيم “داعش”، بما في ذلك ديوان القضاء والمظالم، وحتى استخدامه لمصطلح “ديوان” في هيكله التنظيمي، إلى مؤسسات القرن السابع للميلاد في عصر الخلافة الأموية. 

وإضافة إلى ذلك، يظهر اسم الديوان في شهادات الوفاة مثل تلك التي نشرتها “الأسوشييتد برس” في حزيران/ يونيو 2015. حيث يظهر اسم الديوان، على شهادة وفاة بثينة إبراهيم، فوق اسم المحكمة الإسلامية لولاية نينوى. إذ بعد اعتقالها بسبب علاقاتها الحكومية، سعى زوجها إلى التواصل مع عضو التنظيم المحلي الذي كان قائد قوات تنظيم داعش في المنطقة لإطلاق سراحها. وبدلاً من ذلك، تم إعطاؤه شهادة وفاتها – وهي وثيقة موحدة تؤكد وفاتها بحسب المحكمة الإسلامية، ولكنها لا تقدم أي تفسير إضافي – وهي ظاهرة تشبه إلى حد بعيد ممارسات الحكومة السورية.

كما نظّم الديوان مسائل عادية مثل استخدام الهواتف وأجهزة التلفزيون المتصلة بالأقمار الصناعية. وتم تضمين مسائل أخرى نظّمها الديوان في بلاغات منفصلة للإعلان عن التاريخ الرسمي لعيد الفطر وتحديد سعر الخبز في حلب.

فرض الديوان للعقوبات

لم يوسّع ديوان القضاء والمظالم اختصاصه فحسب، بل مارس تلك السلطة الناتجة عن ذلك بوحشية. بموجب الشريعة الإسلامية، تُعرف الجرائم المذكورة في القرآن الكريم بأنها حدود ولها عقوبات محددة سلفاً. وكما هو موضح في الجدول 2، أعلن التنظيم في إعلانه عن الحدود في حلب في كانون الأول 2014 أن 8 جرائم حدود خضعت لفرض عقوبات تتراوح بين الرجم والجلد والبتر وعقوبة الإعدام. ومن جانب آخر، فإن الجرائم التي لم يرد ذكرها في القرآن تخضع لعقوبات التعزير، التي يتمتع القضاة وغيرهم من مسؤولي التنظيم بسلطة تقديرية للبت فيها بشكل مستقل.

فرض التنظيم هذه العقوبات بحرية من خلال هيئات قضائية وإدارية مثل هذا الديوان. على سبيل المثال، الملحق 2 هو استمارة موحدة تفرض عقوبة الإعدام على رجل متهم بشتم الذات الإلهية أثناء مشادة مع زوجته. وخُتمت هذه الاستمارة بختم المحكمة الإسلامية في ولاية الرقة. وجاء هذا الحكم وفرض العقوبة وفقاً لإعلان تنظيم داعش بفرض عقوبة الإعدام على من “يسبّ الله سبحانه وتعالى”. وضمن مجموعة الوثائق التي تمت مراجعتها، تم إصدار حكم بالإعدام، يحمل ترويسة الديوان وختم المحكمة الإسلامية في قضية مشابهة جداً حيث اتُهم شخص بشتم الله أثناء مشاجرة مع طفل.

وتوفر الأدلة الوثائقية التي حصل عليها أيمن جواد التميمي أدلة إضافية على هذه العقوبات. وتمثّل إحدى الوثائق (النموذج الإيضاحي 42X) حكماً مصادقاً عليه لإعدام مدعى عليه يُمليه قاضٍ في ولاية الرقة، مؤيداً للحكم الصادر عن قاضٍ آخر لعقوبات الحدود والجرائم الجنائية. وتُظهر وثيقة أخرى (النموذج الإيضاحي 14D) أن الديوان فرض عقوبة الإعدام بسبب سبّ الله أو النبي. وعُرضت القضية على الديوان من قبل ديوان الأمن العام بسبب سبّ النبي. حيث أُعدم المدعى عليه، أبو أحمد اللبناني، في النهاية من قبل ابنه، وهو مواطن لبناني عضو في التنظيم.

وفي الملحق 3، استمارة حكم موحدة أخرى، تفرض عقوبة 50 جلدة علانية (إلى جانب تعليمات لإعادة البضائع إلى مالكها الشرعي، ودفع غرامة، والسجن لمدة شهر ونصف الشهر)، على ثلاثة أفراد متهمين بالسرقة في الطبقة. وفي حين أن عقوبة السرقة هي قطع اليد، إلا أنه قد يتم فرض عقوبة بديلة بالجلد كعقوبة تعزيرية في حال كانت الأدلة غير كافية لإثبات الجريمة. وتُظهر وثيقة أخرى أن سارقاً مشتبهاً به قد تعرض للجلد علانية تعزيراً في مدينة عانه العراقية. وعلى رغم أن الرجال في هذه الحالات لم يفقدوا أيديهم، إلا أنه لا يمكن الزعم بأن هذا دليل على وجود رأفة من جانب الديوان. وقدّم أحد الجلادين السابقين لدى التنظيم وصفاً حياً لهذا النوع من العقوبة، موضحاً أنه كان يتم الجلد بحزام جلدي مرصّع بالمعادن بحيث يترك الضحية مغطى بالدماء والجلاد منهكاً من قوة الجُهد المبذول.

وتوضح هذه الأمثلة أن العقوبات القاسية على يد جلّادي التنظيم جاءت بناء على أوامر صادرة عن الديوان. وفي حين أن التنظيم قد يكون معروفاً بوحشيته، إلا أن ديوان القضاء والمظالم هو الذي لعب دوراً رئيسياً في إضفاء الشرعية على العنف من خلال فرض هذه العقوبات.

عمليات التطهير الداخلية

تشير تقارير إلى أن الديوان عاقب أعضاء التنظيم، إضافة إلى المدنيين. يُظهر مقطع فيديو أنتجه التنظيم الاستماع إلى شكوى مدنية ضد مسؤول في التنظيم، ما أدى إلى سجنه من قبل الديوان. ويصف تقرير آخر اجتماعات مجتمعية أسبوعية عُقدت في مدينة تل أبيض حيث استمع الديوان إلى المظالم. ومع ذلك، هناك تقارير متضاربة في ما يتعلق بمدى إنصاف هذه الآلية لسماع المظالم.

ويزعم البعض أنه لم تفرض عقوبات استجابة لمظالم مدنية في ما يتعلق بإساءة استخدام السلطة، وأنه في حال تم اتخاذ إجراء فإنه كان يقتصر على نقل المذنبين من عناصر التنظيم إلى مناطق أخرى خاضعة لسيطرة التنظيم. واعتقد سوريون آخرون في المناطق التي كانت تخضع لسيطرة التنظيم أن الديوان كان يعاقب أعضاءه بشكل انتقائي كوسيلة لاسترضاء الجمهور الذي طالب بالمساءلة، ولم يحدث ذلك إلا في ظروف شنيعة حقاً.

وفي المقابل، هناك أدلة على أن الديوان استخدم آلية التظلم وسيلة للقضاء على تهديدات محتملة. على سبيل المثال، قام التنظيم بإعدام قضاة اعتبرهم “متطرفين جداً” كما حدث في حالة قيام أحد القضاة بنشر الفتنة والشقاق، من خلال دعوته إلى عقوبات مفرطة أو تكفير الجهاديين الإسلاميين الآخرين أو الإعلان بأنهم مرتدون. وفي رواية أخرى، أفاد أسير يمني من التنظيم أنه تم اعتقال العديد من أعضاء التنظيم أثناء فترة احتجازه بسبب تقديمهم شكاوى بشأن الفساد أو إساءة استخدام السلطة من قبل زملائهم من قادة التنظيم.

ولا تشير الوثائق التي حصل عليها “المركز السوري للعدالة والمساءلة” إلى ما إذا كان المتهمون المختلفون مدنيين أم أعضاء في التنظيم. لذلك، من خلال مجموعة البيانات هذه، يصعب التوصل إلى استنتاجات قاطعة حول هذه النقاط. ولكن هناك سبب يدعو للتشكيك في نزاهة واستقلال الديوان للنظر في المظالم المدنية.

مجالات لمزيد من التحقيق

لا توضح الوثائق المتاحة حالياً على نحو تام الإجراءات الداخلية للقضاء التابع للتنظيم. وهذه التراتبية الهرمية هي تفسير محتمل لهذه الوثائق وحقيقة أنها تصور الهيكل القضائي للتنظيم، إلا أنها ليست التفسير الوحيد. وبالتالي، هناك حاجة إلى مزيد من البحث حول هذه النقطة للحصول على فهم تام لكيفية ارتباط ديوان القضاء والمظالم بالمحاكم الإسلامية ومحكمة الحسبة والمجلس الشرعي ضمن التسلسل الهرمي الإداري للتنظيم. على سبيل المثال، قد يكون من المفيد أن نفهم في أي اتجاه تم إرسال الوثائق، مما يتيح توضيح التفسيرات البديلة لهيكلية هذه الوثائق.

وإن المجال الآخر الذي يحتاج إلى مزيد من التحرّي والبحث هو الأجهزة التي تنفذ الأوامر الصادرة عن الديوان. هل كانت شرطة الحسبة، أم مقاتلي التنظيم، أم مجموعة أخرى مسؤولة عن تنفيذ توجيهات الديوان؟ سيكون من المهم أيضاً تحديد الأفراد المعينين الذين شغلوا مناصب داخل هذه الكيانات للتأكد من المسؤولية الجنائية عن الانتهاكات.

الخلاصة والنتائج المتعلقة بالمساءلة

في نهاية المطاف، تشير مركزية الصلاحيات المتعلقة بالحكم في ديوان القضاء والمظالم إلى أن تنظيم “داعش” ربما تبنى نظام الاضطهاد والسيطرة الأمنية الذي تتبعه الحكومة السورية والذي ادّعى أنه يرفضه. على سبيل المثال، عملت أجهزة الأمن السورية فوق وزارات وقطاعات أخرى في الحكومة السورية لتعزيز سيطرة جهاز الأمن وصلاحياته. وبناءً على مراجعة “المركز السوري للعدالة والمساءلة” هذه الوثائق، يبدو أن التنظيم، سواء عن قصد أو من دون قصد، قام بمحاكاة هذا التعزيز للصلاحيات داخل ديوان القضاء والمظالم.

وفي حين أن هناك حاجة إلى مزيد من البحث لفهم ما إذا كان الدور الحقيقي للديوان قضائياً أو تنفيذياً بطبيعته، فإن هذه الوثائق تبين أنه كانت له يد في جميع أشكال صناعة القرار، ما عزّز النظام الاستبدادي الذي عمل من خلاله.

وصف محللون الهيكل التنظيمي للقضاء في “داعش” بأنه عمودي يتّجه من أعلى إلى أسفل، كذلك في تفسيره وتطبيقه للشريعة الإسلامية.

وفي نقاشات المساءلة عن الجرائم الدولية في سوريا، فإن قادة التنظيم رفيعي المستوى بدءاً من الخليفة إلى المجلس الشرعي إلى القادة العسكريين يأتون في الصدارة. غير أن ديوان القضاء والمظالم تربّع في قلب التسلسل الإداري للتنظيم، حيث أشرف على، ووحّد، الجوانب الرئيسية للقضاء وانتهاكه لحقوق الإنسان للمواطنين السوريين الذين عاشوا في جميع أنحاء الأراضي الخاضعة لسيطرة التنظيم.

ومع عودة مقاتلي تنظيم “داعش” الأجانب إلى أوطانهم، ينبغي لوحدات جرائم الحرب في النيابات العامة أن تعطي الأولوية، كجزء من استراتيجية الادعاء العام الخاصة بها، للتحقيق مع الأفراد الذين عملوا مع ديوان القضاء والمظالم. وتحقيقاً لهذه الغاية، يقوم المركز السوري للعدالة والمساءلة بتجميع أسماء أعضاء الديوان الموجودين في الوثائق للمساعدة في تعزيز جهود المساءلة من هذا النوع.

وتشير الوثائق التي حصل عليها المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى أن الديوان كان يتمتع بسلطة أكبر بكثير مما أشارت إليه بحوث سابقة أو مما أعلنه التنظيم نفسه. وبالتالي، ينبغي أن يركّز أولئك الذين يسعون إلى فهم منظومة حكم التنظيم وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتكبها تنظيم “داعش”، على دور ديوان القضاء والمظالم والأفراد العاملين فيه. وتقع على عاتق قيادة الديوان وأعضائه مسؤولية كبيرة عن أنظمة سوء المعاملة في ظل التنظيم، وبالتالي يستحقون المزيد من التحقيق والمحاكمة.

تم نشر هذه المادة بالتزامن مع “المركز السوري للعدالة والمساءلة” 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
“درج”
لا خيار أمام أحد سوى بحكومة حيادية ومستقلة، وعلى سعد الحريري ألا يعرقل وصول سني مستقل فعلاً وحيادي فعلاً، وإلا فإن مسؤوليته لن تكون أقل من مسؤولية “حزب الله” عن “نهاية لبنان الكبير”.
جنفييف زينج – باحثة قانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة
مناهل السهوي – كاتبة وصحفية سورية
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني