fbpx

لبنان: عمليات “هير كات” طوعية بإشراف المصارف

مودعون كثر يعمدون إلى سحب شيكاتهم ثم تسييلها لدى صرافين لقاء "عمولة" تصل إلى 35 في المئة. مما يحتّم وجود علاقة بين سوق الصيارفة والمصارف، التي لا تفشل بابتكار حيل لاستغلال المودعين.

“وافقتُ على اقتطاع 30 في المئة من وديعتي المصرفية، مقابل حصولي على المال نقداً من خلال صفقة عقدتها مع سمسار وموظف سابق في المصرف”… تشرح مهى (اسم مستعار) لـ “درج”، كيف تمكنت من سحب وديعتها التي كانت عاجزة عن الوصول إليها بسبب الاجراءات المصرفية المعتمدة مؤخراً في لبنان، مؤكدة أن عملية حصولها على الوديعة عبر الصراف وبعد اقتطاع نسبة منها، حصلت عبر المصرف الذي يتعامل معه الصراف.

“مهى” واحدة من عشرات اللبنانيين الذين يدفعهم هلعهم اليومي وحاجتهم لسداد قروضهم، لقصد سماسرة بهدف سحب مدّخراتهم من المصارف على هيئة شيكات مصرفية.

عمدت “مهى” كما مودعين كثر إلى سحب شيكاتهم ثم تسييلها لدى صرافين لقاء “عمولة” تصل إلى 35 في المئة. أي أنّ المودع الذي يملك مئة ألف دولار في حسابه مستعد للتخلي عن 35 ألف دولار منها، مقابل الحصول على 65 ألفاً، خشية ضياع المبلغ كاملاً في الأيام المقبلة.

تعرض مهى فصولاً من علاقة الصراف مع المصرف في سياق “صفقة” الـ”هير كات” الإرادية التي نفذتها بحق وديعتها، فتقول إن اللقاء الأخير الذي تتم فيه عملية تسليم الشك المصرفي واستلام المبلغ منه تحصل في المصرف، الذي تتولى آلات العد والفحص فيه ضمان سلامة المبلغ وعدم وجود عملات مزورة فيه. يجري ذلك تحت أنظار الموظفين، وفي ظل رعايتهم، وهذا ما يؤكد أن مصارف لبنانية هي طرف في هذه “الصفقة”، وما يؤكد هذا الأمر أيضاً هو أن المبالغ النقدية التي يدفعها الصراف والوسيط لمن يبيع وديعته من المفترض أن تكون غير متوفرة إلا في المصارف.

تحتّم حالة “مهى” وجود علاقة بين المصارف وسوق الصيارفة. إذ إن المصرف يضمن للصرّاف حصوله على المبلغ مهما كان حجمه. مما يطرح مفارقة، وهي أن المودعين يسعون لسحب مدخراتهم من المصارف، في حين أن الصرافين يودعون شيكات مصرفية في حساباتهم، (علماً أنه لا يحق للصرّاف قانونياً تملّك حساب مصرفي).

“مهى” واحدة من عشرات اللبنانيين الذين يدفعهم هلعهم اليومي وحاجتهم لسداد قروضهم، لقصد سماسرة بهدف سحب مدّخراتهم من المصارف على هيئة شيكات مصرفية.

إذاً، فالصرافون اليوم هم محط الأنظار. وسط تساؤلات كثيرة مثارة حول عمل سوق الصيرفة و”سياسة السعرين”. فإذا كان سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي يساوي 1515 ليرة لبنانية وفقاً للمصرف المركزي، فلماذا يتراوح بين 2000 و2500 ليرة في الفترة الأخيرة لدى الصرافين؟ وهل فعلاً معادلة العرض والطلب هي من تحدد سعر الصرف؟

ولماذا يسمح مصرف لبنان بخلق “سوق سوداء” بينما تنص المادة 19 من قانون النقد والتسليف على أنه “يحقّ لحاكم مصرف لبنان بعد أخذ موافقة المجلس المركزي إصدار قرار بإيقاف عمل مؤسسات الصرافة أو الحدّ من نشاطها بصورة موقّتة إذا استدعت ذلك ظروف اقتصادية أو نقدية استثنائية”. 

كما وإن شح الدولار في السوق المالي يستدعي غيابه لدى الصرافين أيضاً وفقاً للمنطق. فمن أين يحصل الصرافين على السيولة؟ 

تواطؤ بين المصارف وسوق الصيارفة؟

من اللافت قدرة المصارف على ابتكار حيل لاستغلال المودعين وتحقيق الأرباح، إذ إنها استطاعت خلق فرصة جديدة في ظل الأزمة. فقد أكّد موظف مصرفي لـ”درج” أن المصرف الذي يعمل فيه يحقق أرباحاً حالية تفوق تلك التي يحققها من القروض الشخصية وقروض الإسكان وغيرها… 

إذاً، يبدو كلام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بزعم الحرص على الليرة، ضعيف المصداقية حين يمتنع عن ضبط السوق الموازي، مع العلم أن هذا السوق بات مشبوهاً اليوم، تحديداً من خلال عمليات تجارة الشيكات المصرفية.

في المقابل، فإن سياسة الـ “Capital Control” التي تمارسها المصارف تمارس على المودعين فقط، وبدون صدور مرسوم بذلك، رغم أن سلامة قد سبق وأكّد على عدم اعتمادها. في حين تغيّب هذه السياسة عن المصارف، إذ أنها تحوّل أموال المودعين بلا قيود إلى خارج لبنان مقابل اقتطاع نسبة منها، من خلال تجنيد أشخاص وهميين يعملون لصالح المصارف.  

سلامة يترك سوق الصيارفة للمضاربات

“الليرة بألف خير”… كانت جملة وُسم بها رياض سلامة لكثرة ترداده لها في السنوات الماضية، أما الآن فباتت الجملة محط سخرية بعد التدهور الذي أصاب الليرة ومعها أموال المودعين. 

اللافت أن سلامة اجتمع وفد من نقابة الصرافين، وتمنّى عليهم العمل على توحيد سعر صرف الليرة وتحديده بقيمة 2000 ليرة مقابل الدولار الواحد بدلاً من 2500 ليرة. كلام سلامة أثار قلق اقتصاديين، لأنه يوحي بأن سلامة ترك فعلاً سوق الصيارفة للمضاربات من دون أي تدخّل حاسم. 

إذا كان سعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي يساوي 1515 ليرة لبنانية وفقاً للمصرف المركزي، فلماذا يتراوح بين 2000 و2500 ليرة في الفترة الأخيرة لدى الصرافين؟

قانونياً، يملك سلامة يملك بعض الصلاحيات لتنظيم هذه السوق، وفقاً لقانون تنظيم مهنة الصرافة في لبنان رقم 347 تاريخ 6 آب 2001، منها سحب رخص الصيارفة. وهو ما يعارضه المحاضر الجامعي والخبير الاقتصادي جاد شعبان، إذ يرى أن محلات الصيرفة هي المساحة الوحيدة للمواطنين لتحصيل أموالهم. 

يشدد القانون في المادة الأولى منه على ضرورة الحصول على ترخيص مسبق من ​مصرف لبنان للعمل بأعمال الصيرفة، وفي المادة 14 يُعهد بالرقابة على مؤسسات الصرافة إلى لجنة الرقابة على المصارف. والمادة 18 تتحدث عن العقوبات التي يمكن للجنة المذكورة فرضها على الصيارفة بحال ارتكبوا عدة أمور منها إيقاع الضرر بسمعة لبنان المالية، ومن هذه العقوبات (التنبيه، منعهم من القيام ببعض العمليات، شطبهم من مؤسسات الصيرفة).

يشرح شعبان أن سوق الصيارفة هو “سوق قانوني” ولا يحق للدولة التدخل فيه وفقاً للقانون اللبناني، في إشارة منه إلى وجوب تعديل هذه الجزئية من القانون، “في دول أخرى، يحق للدولة تحديد هوامش لسعر الصرف، وهذا هو الإصلاح الأسلم الذي يمكن أن يحقق إنصافاً للبنانيين”.  

حتى الآن، يبدو أن تواطؤ المصارف مع الصيارفة عملية مؤكدة بلا دليل ملموس، وهذا بالتزامن مع وجود شبهات حول الطرفين، ما يلزم القضاء بالتحرك لكشف علاقة “الحب” التي فجرتها المصارف للسوق الموازي مؤخراً، بغرض تحقيق الأرباح.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
فجيعة العائلات وذهولها، وهي تبحث عن مفقوديها هما الأصعب في المشهد البيروتي الدامي، فالمدينة استفاقت على دمار يحاكي دمار المدن التي سحقت خلال الحرب العالمية الثانية، وهو دمار يبدو صادماً ومحزناً على نحو لم تشهده خلال نكباتها وحروبها الكثيرة.
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني