“من أجل سما”: الأمومة تصنع سينما الوثيقة للجيل التالي

الفيلم هو وثيقة تحاول المخرجة الاحتفاظ بها لابنتها لتبرر لها خياراتها مع الأب في البقاء في حلب لأجل المبادئ التي يؤمنون بها.

كشفت ترشيحات الدورة الـ92 لجوائز الأوسكار وصول فيلمين وثائقيين سوريين هما “من أجل سما” و”الكهف”. وينتظر أن تعلن الجوائز وأسماء الفائزين في 9شباط/ فبراير المقبل. 

هنا مراجعة لأحد الفيلمين.

يروي الفيلم التسجيلي “من أجل سما”، (وعد الخطيب وإدوارد واتس) مقدار الارتباط بين حكاية صانعة الفيلم، وحكاية حلب الشرقية التي تعيش الحصار والحرب. فصانعة الفيلم تعلن منذ البداية أن الفيلم رسالة إلى ابنتها المولودة حديثاً (سما)، وهكذا تفتح إمكانات الفيلم السينمائي على أزمنة ثلاثة: الماضي، بكونه وثيقة لمعاناة المدينة من الحصار والحرب، الحاضر، وهو رسالة إلى الضمير العالمي للتحرك من أجل إنقاذ المدينة، والمستقبل كونه رسالة إلى الأجيال التالية عن حكاية المدينة.

يبدأ الذاتي مع بداية الفيلم، إذ تصور حاملة الكاميرا نفسها، وتظهر أمام الجمهور، تروي كيف كانت في الثامنة عشرة حين تركت أهلها لتدرس في جامعة حلب، لتتالى بعدها سلسلة من اللقطات السينمائية التي تميزت بها السينما التسجيلية السورية منذ عام 2011. لقطات متتالية، فتظهر لقطة لابنتها سما التي يُهدى الفيلم لها، تغني لها أمها أغاني الطفولة، اهتزاز للكاميرا المحمولة ننتقل به إلى مستشفى يتعرض للقصف. الكاميرا تتحرك في الممرات التي تمتلئ فجأة بالغبار، تتحول الكاميرا إلى الأبيض والأسود. الكاميرا تبحث عن سما، الإضاءة تذهب وتعود، إعتام تام أمام الكاميرا مرة أخرى، تظهر إضاءة الآلات الطبية وحدها، والإضاءة المحمولة على رؤوس الطاقم الطبي. تظهر مجدداً سما منارة بالأبيض القوي، نسمع صوت الأم حاملة الكاميرا تخاطب ابنتها الجنين: “سما، أنت أحلى شي بهالحياة يلي جبتك عليها؟ أنت يلي ما اخترتي هي الحياة رح تسامحيني؟”.

صوت حلب

يقدم لنا صوت صانعة الفيلم الأوضاع السياسية في حلب أثناء تصوير الفيلم، حلب تحت الحصار والقصف منذ أشهر، وما زالت المعارك الدائرة فيها تقسو على الأهالي والعائلات. بالنسبة إلى المصورة (وعد الخطيب) فإن التصوير يعطي معنى لوجودها ويخلصها من كوابيس العنف والموت والدمار. تصف صوت الطيران الحربي الذي يحفر في رأسها، وتخاطب ابنتها في لقطات الفيلم: “أكتر شي مرعوبة إني اخسرك، عملت هذا الفيلم مشانك، مشان تفهمي ليش أنا وأبوكي أخذنا هيك خيارات. شو يلي كنا عم نقاتل مشانه”. الفيلم هنا هو وثيقة تحاول المخرجة الاحتفاظ بها لابنتها لتبرر لها خياراتها مع الأب في البقاء في حلب لأجل المبادئ التي يؤمنون بها.

يروي الفيلم التسجيلي “من أجل سما”، (وعد الخطيب وإدوارد واتس) مقدار الارتباط بين حكاية صانعة الفيلم، وحكاية حلب الشرقية التي تعيش الحصار والحرب.

ولتروي الأم صانعة الفيلم ذلك، لا بد من العودة إلى عام 2012، إلى التظاهرات الطالبية في جامعة حلب، إلى بداية الثورة في كلية العلوم. نرى على الشاشة رسماً لعلم الثورة على الجدران، كتب بجانبه بالغرافيتي كلمة “آزادي”، أي الحرية بالكردية. بهذه اللقطة تحاول الأم أن تلخص القيم والمبادئ التي ناضلت من أجلها، حركة طالبية وثورة على النظام القائم وكلمة الحرية التي تختصر الرغبات. عدسة الكاميرا هنا هي عدسة الهاتف المحمول التي تظهر مخاطر التصوير، مخاطر تصوير التظاهرات لأجل الحرية، ثم تتالى في الفيلم فيديوات مصورة في الخفاء، تظهر رجال الأمن يهاجمون المتظاهرين. إحدى اللقطات مصورة من داخل حافلة بيضاء صغيرة، يهجم عليها رجال الأمن فينتقل الذعر من الأشخاص داخل الفيديو إلى المشاهد عبر الشاشة، وذلك من خلال اهتزاز الكاميرا- الشاشة أمام المشاهد، لتجعل الاثنين في خطر، المُصور والمُشاهد.

فوضى المدينة

يعيدنا الفيلم أيضاً إلى حادثة العثور على جثث قتلى في نهر قويق في حلب الشرقية عام 2012، نتابع عبر الفيديوات الموثقة فوضى المدينة وهيجان العائلات ومظاهر الفقد والخسارة، وفي خضم ذلك لابد من تدبير عملية إخراج الجثث من النهر، يؤكد صوت الرواية في الفيلم أن الأطباء الشرعيين عثروا على آثار تعذيب قبل عمليات القتل، وظهر أن الجثث في أغلبها مكبلة الأيدي، معظم الضحايا يعيشون في مناطق الأحياء الثائرة، وشوهد بعضهم للمرة الأخيرة على حواجز النظام. ينطلق غناء التشييع في المدينة: “حبيبنا راح ع الجنة راح”.

تتعرف صانعة الفيلم وعد إلى حمزة في تظاهرات يوم الجمعة، كان طبيباً ناشطاً من 32 طبيباً بقوا في حلب الشرقية، تخلى عن زواجه من امرأة خارج البلاد مقابل البقاء في حلب. بينما تظهر اللقطات مدى القصف الذي تتعرض له المدينة من الطائرات، الكاميرا المترنحة تظهر قوة القصف، ولقطات لرضيع يتم إخراجه من تحت الأنقاض. في لقطة قاسية ندخل غرفة العمليات لنتابع محاولات الأطباء إبقاء طفل على قيد الحياة بحقنه بالكهرباء، ومن ثم وفاته. حاملة الكاميرا تفقد موضوعية المصورة، وتجهش بالبكاء في غرفة العمليات. 

يخفف من ألم أوضاع المدينة قصة الحب التي تنشأ بين صانعة الفيلم والطبيب حمزة، إذ يقرران الزواج. لقطات العرس مأخوذة بحميمية الكاميرا المحمولة. لقد وثقت المخرجة عرسها كنوع من حكاية إلى الابنة من بين أحداث المدينة، نسمع للمرة الوحيدة صوت الأغاني يعلو على صوت القذائف في الفيلم. تليها مباشرةً لقطات بانورامية للمدينة تظهر حجم الدمار بعد 3 أشهر من الحرب.

ولدت سما في المستشفى الذي سيصبح بيتها، فوالداها لا يغادرانه، فقررت العائلة العيش في إحدى الغرف، الغرفة محشوة بالدشم، وهي أكياس الرمل التي تحجب قصف الصواريخ. فجأة، يهطل صاروخ جديد، لا نرى وقوعه بل نرى آثاره من بعد، إذ يصل الأطفال الموشحة وجوههم بالأسود إلى المستشفى، رضيع متوفى، الأطفال يبكون على أخيهم الرضيع، الأم تتعرف إلى جثة ابنها، ترفض الاعتراف بموته، فتحمله وكأنه على قيد الحياة وتخرج به من المستشفى لتمشي في الشارع وهي ترفض إعطاءه لأحد وهي تكرر: “مات الغالي. مات الغالي”، ويتساءل صوت عاقل قرب الكاميرا: “شو ذنب الأطفال؟”.

بالنسبة إلى المصورة (وعد الخطيب) فإن التصوير يعطي معنى لوجودها ويخلصها من كوابيس العنف والموت والدمار.

موت الطفل الذي تصوره صانعة الفيلم يدفعها للتساؤل عن موت ابنتها، فتخاطبها عبر الفيلم: “أنا مخنوقة سما، عم شوفك متل هاداك الولد، ما بقدر اعترف بهالحكي لحالي”، بمعنى أن الأم لا تجرؤ على الاعتراف بتخيلها موت ابنتها. لكن الفيلم يعيدنا مجدداً إلى أسباب صبر العائلة، حلب 2015، تروي صانعة الفيلم أن شعوراً بالحرية وإمكان النصر دفعهم للاعتقاد بأن لهم وطناً يعيشون لأجل قضاياه: “وطن جاهزين نمد جذورنا بأرضه”. وهكذا تتجسد رغبة مد الجذور في الوطن عبر الزواج، والانتقال إلى منزل جديد، عن صور للثلج يعم المدينة مقابل الدمار الذي يسود الفيلم، وأخيراً عن الحبل والرغبة في الإنجاب، نتابع عبر “سكانر” عند الطبيب تشكل الجنين في رحم المخرجة، ونتلقى معلومة عن تغير حال المدينة في الخارج. لقد بدأت قوى التشدد الديني تفرض قواعدها وقوانينها على المدينة.

الولادة مقابل الموت

مجدداً أمام المرآة، لقطات ذاتية للمخرجة ببطن الحبل المنفوخ، تخبر زوجها عن الجنين. الولادة هنا مقابل الموت المنتشر من حول هذا الثنائي، تصر المخرجة على التعبير عن ذلك بالكلمات: “أنا مابدي موت، بدي عيش وجيب الولد، وبدي حمزة يكون معي، يا ربي لا تختبرني بحمزة وبإبني يا رب”. وبين احتمال وقوع الفجيعة كحدث اختبار إلهي، وبين الرغبة في الإنجاب كدليل حياة، تبصر سما النور: “وجودك عطاني الأمل لبلش من جديد”، تقول الأم.

يعود بنا الفيلم إلى حلب 2016، مرت 4 أشهر من الحصار، تحمل المخرجة ابنتها والكاميرا وتخرج من المستشفى: “بدي شوف ناس عايشين”، تحتاج إلى التواصل مع أشخاص ينعمون بالحياة، فنراقب مشهداً لأطفال يلعبون في الحي داخل حافلة محترقة، وما تلبث اهتزازات الكاميرا في يد المصورة أن تشعرنا بالخطر المقبل من السماء: “سعادتي فيكي عم تتلاشى كل ما سمعت الطيران الروسي”، تقول الأم لابنتها.

الوضع الطبي والمستشفيات الميدانية في حلب الشرقية، فترة الحصار والحرب، من موضوعات الفيلم الرئيسية، ترغب صانعة الفيلم في أن تطلع المشاهدين على تجربة قصف المستشفيات. كاميرا في المستشفى، قصف تلحظه عين المشاهد عبر كاميرات التسجيل في المستشفى، ترغب المخرجة في أن تشعرنا بحرقة قصف المستشفيات وتدمير الروح المعنوية الإنسانية، ترغب أيضاً في أن تبين ألا وقت للانهيار في مدينة تفقد مستشفياتها الواحد تلو الآخر. يحاول الفريق الطبي إيجاد مبنى جديد، يعثرون على بناء غير موجود على الخرائط العمرانية للمدينة، المبنى ما زال في طور البناء، وهو ما سيعرف لاحقاً بمستشفى القدس، والتي ستوثق حكايته أيضاً المخرجة لينا سنجابة، في فيلمها “مجانين حلب”، وهو عن الطاقم الطبي الأخير الذي بقي في المدينة.

تخرج العائلة في زيارة إلى تركيا لتقابل سما جدها، فرصة الخروج من حلب ممكنة وهي تتحقق في الفيلم، إلا أن المخرجة وزوجها الطبيب والطفلة يصرون على العودة إلى حلب الشرقية التي زاد الحصار عليها، فيخاطرون بحياتهم لدخول المدينة مرة أخرى. إنها ليست محاولة للهروب بل للعودة إلى الخطر، يبرر الطبيب حمزة خياره: “لنا دور في رجحان كفة الحق ع كفة الباطل”، يغامرون بحياتهم في عبور الحواجز بين الأطراف المتصارعة لأداء هذا الدور في رجحان كفة الحق.

نرى على الشاشة رسماً لعلم الثورة على الجدران، كتب بجانبه بالغرافيتي كلمة “آزادي”، أي الحرية بالكردية.

مع تقدم الحرب في حلب يتحول الفقد إلى شعور جمعي، نراقب حكاية طفل يصنع من الورق ألعاباً يعتبرهم أصدقاءه الراحلين من الأطفال بين القصف والهجرة القسرية، يشكو الوحدة من رحيل أصدقائه، ويستمر مستشفى القدس في عملها لتستقبل 300 مصاب في اليوم، لون الدم الأحمر في كل مكان، بعد انقطاع الماء عن المستشفى تصعب عملية التنظيف والشطف، الدماء على الحيطان وعلى الأرض. تصر المخرجة على الخط الذاتي العاطفي، فتنقلنا إلى صور حميمة مع زوجها وطفلتها، في هذا المشهد تتجه سما زاحفة إلى الكاميرا لتحملها وتحركها. بدأت سما الطفلة التي صنع الفيلم لأجلها، تتدخل في التصوير. إنها ليست موضوعة الفيلم وغايته فقط، بل ها هي تحرك الكاميرا بطفولية أيضاً.

الأمل الوحيد للأحياء المحاصرين هي توجيه الرسائل إلى الضمير العالمي كي يتدخل. يقدم الطبيب حمزة شهادات إلى الإعلام والقنوات الفضائية عن الوضع في حلب المحاصرة، وتصور المخرجة فيديوات استغاثة باللغة الإنكليزية تنشرها على شبكة الإنترنت، الشعور في قاع اليأس: “تمنيت لو ما جبتك، لو ما تعرفت ع حمزة، لو ما طلعت من بيت أهلي للدراسة”. أصبح شعور الهزيمة قابعاً، وباتت التضحيات بلا قيمة، عندها تمسح الطفلة دموع أمها.

صفقة سياسية دولية تسمح للأهالي المحاصرين في حلب الشرقية بالخروج في الحافلات الخضر من المدينة، “باص أخضر يغادر حلب” عنوان رواية لجان دوست، يرصد رحلة الخروج هذه. عملية إخراج الجرحى عليها أن تتم أولاً، يليها الصمت الذي يحل في المدينة في يوم الرحيل الأخير. تودع العائلة المستشفى، المنزل، الذكريات، تبدو المدينة أقرب إلى الموت، تسأل الأم ابنتها: “سما إنت رح تتذكري حلب؟”. خطر أخير يحدق بحمزة أثناء الخروج، لقد ظهر في الإعلام وربما تتعرف إليه الحواجز الأمنية. عند الحاجز الأخطر، تعتم الكاميرا، ينقطع التسجيل، ثم مجدداً تضاء ليظهر حمزة أمام العدسة، لقد عبر بسلام، عن لحظات سعادة قصيرة تحيي الآمال الكبرى. ينتهي الفيلم والمصورة تعرفنا إلى ابنتها الجديدة تيما، وتعترف بأن حلم صناعة فيلمها يمنحها الأمل.

الفيلم مرشح لجوائز الأوسكار هذا العام، ولجائزة BAFTA.  

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني
مناهل السهوي وميزر كمال
حين فكرنا بمادة تجمع العراق وسوريا معاً بدا أن الجوع هو البوابة، العراقُ من الماضي وسوريا الآن، كيف يبدو شكل المجاعةِ الآتية إلى سوريا اعتماداً على الزمن الماضي الذي عاشه العراق في حصار قاس؟
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني