لبنان : رياض الـ1500 سلامة… وآل غانم

يبدو أن الحاكم هو الوحيد الذي لا يزال يعترف بالسعر الرسمي لليرة مقابل الدولار، أي 1516 ليرة، والأرجح أن أصدقاء سلامة الإعلاميين جورج ومارسيل غانم اللذين استضافاه ليقول ما قاله ربما هما أيضاً لا يتقاضيان راتبيهما بحسب سعر الصرف الرسمي.

“ماخصني بسوق الصرافين، أنا عندي الدولار بـ1500″…

العبارة كررّها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في مقابلته مع “صديقه” الإعلامي المعروف مارسيل غانم على شاشة MTV…

خلاصة هذا الكلام أن الأب اللبناني الذي يتقاضى راتبه بالليرة اللبنانية وعليه أن يدفع قسط ابنه وخسر 40 في المئة من أمواله لا دخل لسلامة به، كما أن الطالب الذي يسدد أقساط جامعته بالدولار الأميركي أيضاً لا دخل لسلامة به، والعائلة التي تشتري حاجياتها اليومية من السوبرماركت بتسعيرة التجار بحسب سوق الصرافين التي حددت قيمة الدولار بـ2500 ليرة، أيضاً لا دخل لسلامة بها ولا دخل له بالأطباء الذين بدأوا يرفضون أن يتقاضوا معايناتهم إلا بالدولار أو بالليرة إنما بحسب بورصة الصرافين.

تقريباً، يبدو أن الحاكم هو الوحيد الذي لا يزال يعترف بالسعر الرسمي لليرة مقابل الدولار، أي 1516 ليرة، والأرجح أن أصدقاء سلامة الإعلاميين جورج ومارسيل غانم اللذين استضافاه ليقول ما قاله ربما هما أيضاً لا يتقاضيان راتبيهما بحسب سعر الصرف الرسمي.

وكما في سياسة السعر “الرسمي” الثابت، كذلك في طلب المساعدة من الخارج، فهو نهج لم يتغير لدى سلامة ولدى من يقف خلفه ويدعمه، تماماً كالليرة التي بقيت بخير في تصريحات مصرف لبنان وبيناته. سلامة يريد مساعدة الدول الصديقة للبنان ومنها الدول العربية وهو ذهب شخصياً الى قطر بطلب من رئيس الجمهورية على حد قوله، لطلب المساعدة المالية.

في السابق كان التيار العوني ينتقد بشدة “شحادة” (وفق توصيف محازبي التيار) الرئيس سعد الحريري وفريق 14 آذار الأموال من دول الخليج، لكن يبدو أن الزمن تغير الآن. 

مقابلة سلامة كانت كاشفة كثيراً للبنانيين الذين يمضون أيامهم يتخبطون بين إجراءات المصارف وضغوط الحياة وعجزهم عن إنقاذ مدخراتهم أو رواتبهم، التي يرونها تتآكل على مدار الساعة بسبب الانهيار المالي.

اللافت أن سلامة شكا من قلة الصادرات والمواد الأولية، مع العلم أن سياساته المالية كانت من الأسباب الرئيسية في التراجع الكبير الذي أصاب قطاعات الزراعة والصناعة التي تؤمن صادرات الدولة، وذلك من خلال رفع الفائدة على الودائع بالليرة. هذا الأمر طبعاً لم يُثِره محاور سلامة الإعلامي غانم الذي بدا منبهراً بضيفه، ومحتفلاً به. فاستضافة سلامة في هذه اللحظة لا قيمة مهنية أو أخلاقية لها إذا لم تكن حفلة استجوابٍ يخضع فيها هذا الرجل، وهو المتهم الأول بالوقوف وراء الإفلاس، لسيل من الأسئلة التي تبحث عن أصل الهندسة المالية وفصلها، وعن مسؤولية المصرف المركزي في عملية سوء الأمانة الهائلة التي ارتكبتها المصارف. وهذا ما لم يحصل بين الصديقين سلامة وغانم.

مقابلة سلامة كانت كاشفة كثيراً للبنانيين الذين يمضون أيامهم يتخبطون بين إجراءات المصارف وضغوط الحياة وعجزهم عن إنقاذ مدخراتهم أو رواتبهم، التي يرونها تتآكل على مدار الساعة بسبب الانهيار المالي. فسلامة تهرّب من الاعتراف بالمسؤولية عن نتائج الاقتصاد المدولر ولم يجرِ أي مراجعة لهذه السياسة التي اعتمدت في لبنان منذ انتهاء الحرب وألقى باللوم على اللبنانيين من خلال التذكير بأنه وفقاً للقانون يمكن أن تدفع المصارف للمودعين بالليرة. لكن من أين يأتي الناس بالدولار كي يدفعوا ثمن احتياجاتهم التي تُسَعَّر وفق هذا الاقتصاد الهجين بالدولار أيضاً.

العودة إلى نغمة الاستقرار السياسي وتدفق أموال المغتربين كي ينهض الاقتصاد من جديد كان أيضاً ضمن “خطة” سلامة التلفزيونية والتي راقت لآل غانم. جورج غانم شقيق مارسيل وضيفه الدائم في البرنامج شدد على أن سلامة هو من “أنقذ الهيكل من السقوط وقد يدفع الثمن”. 

إذا كان هذا شكل الإنقاذ فكيف يكون الغرق يا جورج؟ إلا إذا كان يقصد هيكل الطبقة المالية الحاكمة (أصدقاء آل غانم) لا هيكل المودعين والمواطنين والعاطلين من العمل (الذين تزداد أعدادهم يوماً بعد يوم بسبب هيكلية رياض سلامة المالية واقتصاده الريعي البليد غير المنتج.

العودة إلى نغمة الاستقرار السياسي وتدفق أموال المغتربين كي ينهض الاقتصاد من جديد كان أيضاً ضمن “خطة” سلامة التلفزيونية والتي راقت لآل غانم

في المحصلة، كانت الانتفاضة تجسيداً للوعي العام بدور رياض سلامة المالي، ولهذا كان الرجل من أكثر الشخصيات التي تم التصويب عليها بعد وزير الخارجية جبران باسيل، ولا يبدو أن حملة تلميع تلفزيونية من إعلامي واضح التوجه والهوى والهوية ستنجح، إلا أن فشل الانتفاضة ربما في إقصاء رياض سلامة عن منصبه كان سبباً في السماح له بتلميع صورته، وهو دليل مؤسف على خفوت نبض الانتفاضة… فلو كانت الحلقة في الشهر الأول من الاحتجاجات لما تجرأ رياض سلامة على الظهور علناً وعلى قول ما قاله بالأمس، ولما تجرأ آل غانم على الترحيب به في صالونهم التلفزيوني.

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

زياد توبة – كاتب لبناني
كلّما تحرك فايروس “كورونا” أكثر، توقَّف العالم عن الحركة، وبالتالي توقَّف عن التقدم المزعوم.
شربل الخوري – ناشط سياسي لبناني
مجدداً وتحت ستار غطاء اجراءات الحجر ومنع التجول، باغتت القوى الأمنية عدداً من الناشطين لأنهم تجمهروا لانتقاد استمرار المصارف في “حجر” أموال المودعين.
سامر القرنشاوي- كاتب وأكاديمي مصري
في الظروف العادية، قد تقرر الانقطاع عن الناس لأيامٍ لسببٍ أو آخر، ربما لا تغادر خلالها بيتك. لكن هذا اختيارك، الشعور مختلفٌ تماماً حين يُفرض عليك الأمر. فما بالك إن كان السجان جرثومة لا تُرى!
أسعد حنّا – صحافي سوري
هل ستقوم الأمم المتحدة بإيقاف تعداد ضحايا “كورونا” لكثرتهم وصعوبة الإحصاء والاكتفاء برقم 100 ألف مصاب كما فعلت بوقف تعداد ضحايا سوريا؟
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
لا يمكنك أن تنقل قطاعاً بالأساس يفتقد إلى المساواة بين المناطق والتلاميذ وأحوالهم الاقتصادية والاجتماعية، إلى شاشات “اللابتوب” و”الايباد” والانترنت الثابت والسريع.
حسن الحفار – باحث لبناني في علم الألسنية
كأن “كورونا” جاء بقدرة كونية كوزمية حجةً على طبقٍ من ذهب، للمتعطشين لقمع الناس كل فترة وأخرى، بحجة الثورة وبسبب تعطيل البلد، والآن من أجل سلامة البلد وأهله
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني