ماذا يعني لي حضور معرض عالمي للمحققين الاستقصائيين؟

إن معرفتنا كصحافيين، نغطّي ونعمل في بيئات لا تحب الإعلام الحر، بما يفكر به زملاؤنا حول العالم، وصناع الميديا، هو ما يجعلنا نستشف آفاقاً جديدة، ونخرج عن التقليدي إلى المبتكر.

طوال فترة عملي في مجال الصحافة المكتوبة، وبالتحديد صحافة التحقيقات، أرى أن وجودي في مؤتمرات دولية متخصصة في الإعلام والصحافة المتطورة وتقنياتها، مسألة ذات قيمة مضافة على صعيد التعلم واكتساب المهارات الجديدة واكتشاف المزيد.
هذا ليس فقط لأن مثل هذه المؤتمرات على اختلاف عناوينها وموضوعاتها وأماكنها بطبيعة الحال، تفتح باباً واسعاً للتشبيك ولفتح قنوات تواصل وتعاون مع مؤسسات ومنظمات، ومع صحافيين وغرف أخبار، بل أيضاً لاستشراف الآفاق، وتعزيز الابتكار، وتقديم الأفضل وفق معايير عالمية، ولمعرفة كيف يفكّر صناع القرار في مجال الإعلام، ومعهم المانحون إلى جانب رواد الأعمال، وأصحاب المبادرات، إضافة إلى المديرين التنفيذيين ورؤساء التحرير والصحافيين، وكذلك المنظمات غير الربحية NGO´S على حد سواء. 

إن معرفتنا كصحافيين، نغطّي ونعمل في بيئات لا تحب الإعلام الحر، بما يفكر به زملاؤنا حول العالم، وصناع الميديا، هو ما يجعلنا نستشف آفاقاً جديدة، ونخرج عن التقليدي إلى المبتكر، وبالتالي يتطور تلقائياً عملنا نحن الصحافيين وأصحاب المبادرات الإعلامية الناشئة.

ومن هذا المنطلق يشكل المؤتمر العالمي للصحافة الاستقصائية، الذي تنظمه الشبكة العالمية للصحافة الاستقصائية GIJN ويعقد كل سنتين مرة في بلد ما حول العالم، فرصة كبيرة، ومن أهم هذه الأحداث العالمية التي يمكن أن تضطلع من خلال عناوين ورشاته والمتحدثين كيف هي مهنة الإعلام الاستقصائي، وإلى أين نحن ذاهبون في مجال عمل باتت ثورة التقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي وتقنيات البث والنشر والتوزيع متطورة جداً، جزءاً أساسياً منه. وهذا ما يفرض على الصحافيين والباحثين والعاملين في حقل الاستقصاء العمل لمجاراة هذا التطور وفهم سياق الأمور، وهذا بطبيعة الحال يشكل عبئاً إضافياً فضلاً عن كون الصحافة الاستقصائية مجهدة وتحتاج إلى المال والوقت والصبر أيضاً.

يعتبر المؤتمر أكبر تجمع دولي لصحافيي التحقيقات والبيانات في العالم، وقد استقطب هذا الحدث التي أطلق عليها اسم “معرض المحققين” أكثر من 7000 صحافي استقصائي منذ عام 2001 كما تقول الشبكة على موقعها الرسمي. 

مثل هذا المؤتمر يجعل أسئلة كثيرة تخطر على البال، وتقفز إلى الرأس، مثل: من سيحضر ومن سيمثل؟ ما هي الجلسات، وما هي آخر التقنيات التي سيتم الحديث عنها؟ كيف نطور أنفسنا في هذا المجال دوناً عن سواه؟ هل أنا مهتم بهذه الجلسة؟ ما هو النوع الصحافي الفني أو التقني الذي يجذب الصحافيين هذه الأيام؟ وكيف نقدم قصتنا وأنفسنا للعالم؟ 

يعتبر المؤتمر أكبر تجمع دولي لصحافيي التحقيقات والبيانات في العالم.

الإجابة على هذه الأسئلة، يتيح لنا المجال للمنافسة في بيئة إعلامية غير مستقرة، بخاصة أن فرص الدعم والتعلم ليست مثالية، والاستثمار في الإعلام في منطقتنا ليس في أحسن أحواله، إذ تنقسم صناعة الإعلام بشدة عمودياً بين حكومات ممولة تفرض أجندتها بشراسة وتدفع بسخاء، من دون سؤال بغض النظر عن النتائج، وبين إعلام مستقل لا يزال يبحث عن دعم مستقل غير مشروط بعيداً من الأجندات. 

بالنسبة إلي، كان مؤتمر الشبكة GIJC19 في مدينة هامبورغ الألمانية في أيلول/ سبتمبر الماضي، بمثابة فرصة للانطلاق إلى الأمام مع حضور أكثر من 1700 صحافي ومحرر وخبير في مجال الإعلام من أكثر من 130 دولة عربية وأجنبية. 

تتفاوت المهارات والخبرات ومهارات واهتمامات الحضور تبعاً للبلاد التي أتى منها الصحافيون، بين دول تتصدر حرية الصحافة في العالم ودول تتذيل الترتيب العالمي. هنا لا وجه للمقارنة، مناخ الحريات مختلف ومعه يصبح التقييم النهائي للمنتج الإعلامي أكثر صعوبة من ناحية البحث والتقصي وجمع البيانات والمصادر المفتوحة وغيرها، ومن هنا تصبح مقارنة بيئات العمل غير عادلة. 

في هذا الإطار، بإمكان الصحافي الاستقصائي الذي يعمل في بيئات تقيّد الصحافة الحرة مثل سوريا وبلدان عربية أخرى، أن يتقدم ويعرض تجربته، يستفيد مما توفره تجارب الصحافيين في البيئات الإعلامية الحرة، وينقل تجربته إلى الضفة الأخرى من العالم، وهو ما يمكن أن نسميه التعلم عبر التجربة. وهو فعلاً ما قمنا به أنا وزملائي ممن حضروا من الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية “سراج”، وموقع “درج” وغيره. 

ضمن الكثير من عناوين ورشات التدريب والمحاضرات في جدول يومي مزدحم شكلت لنا فرصة مهمة للنقاش، وتبادل المعارف والمعلومات حول الصحافة الاستقصائية وتطورها ودينامية عمل الصحافيين في مختلف القارات والمنطقة العربية، ومعه اختلاف مستويات حرية الصحافة بين بلد وآخر، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة عمل الصحافيين وسوية المنتج في النهاية. 

استقطب هذا الحدث التي أطلق عليها اسم “معرض المحققين” أكثر من 7000 صحافي استقصائي منذ عام 2001 كما تقول الشبكة على موقعها الرسمي. 

من بين 150 ورشة عمل في المؤتمر، كان لافتاً الحديث بين الزملاء الصحافيين عن التحقيقات مفتوحة المصادر، وكيف تستطيع التقنيات الجديدة المساعدة على إنجاز التحقيقات وخاصة في الأماكن الخطرة وبؤر النزاعات. 

تشكل اليوم التقنيات الحديثة والمصادر المفتوحة (وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها) مصدراً جديداً.

إنّ إنجاز القصص الصحافية بالاعتماد على المصادر المفتوحة يعلّم الصحافيين طرائق جديدة في التحقق من الأخبار والفيديوات والصور المنشورة، فضلاً عن طرائق استخدامها بالشكل الأمثل ضمن القصة.

في ورشة مخصصة للصحافة القائمة على البيانات واستخدام الرسوم التوضيحية والصور في الصحف الورقية ومواقع الانترنت، والتي تضم أرقاماً ومعلومات وبيانات من مصادر مختلفة حضرتها إلى جانب مجموعة زملاء من أرمينيا واليابان ولبنان ودول أخرى في إحدى قاعات صحيفة “دير شبيغل” العريقة، لمست إلى حد كبير كيف بإمكانك بصفتك صحافياً متخصصاً، أن تقدم للقارئ بيانات ومعلومات بطريقة سلسة مفهومة، بطريقة عرض بصري مذهلة. 

لكثر من الصحافيين من المهم إشراك القارئ والجمهور في القصة في مرحلة ما بعد النشر، وذلك لقياس مستويات التأثير والتفاعل، إذ تحصل الأمور على هذا الصعيد باستخدام أساليب وتقنيات عدة ومتطورة ولعل وسائل التواصل الاجتماعي أكثر ما يمكن أن يعبر عن هذا الشق. 

الاطلاع على آخر التقنيات في التحليل، ورسم الخرائط، وجداول البيانات الأساسية، واستخدام صور الأقمار الصناعية، وتحليل الفيديو، واستخدام الهاتف المحمول أو ما يعرف بصحافة الموجو (Mojo Journalism) هي كلها عناوين يندرج تحتها الكثير من التخصصات والتقنيات التي تجد من يبحث ويسأل عما يساعده على اقتنائها أو تطوير قدراته لتطبيقها في مجال تخصصه.

تتفاوت المهارات والخبرات ومهارات واهتمامات الحضور تبعاً للبلاد التي أتى منها الصحافيون، بين دول تتصدر حرية الصحافة في العالم ودول تتذيل الترتيب العالمي.

وعلى اعتبار أن التمويل المنظم، ورسم مسارات واستراتيجيات الاستدامة في غرف الأخبار هو من أكثر المعوقات التي تعترض سبل وسائل الإعلام عموماً والمؤسسات الصحافية الاستقصائية خصوصاً، يشكل دوماً حضور مانحين دوليين على شكل منظمات غير ربحية من مختلف دول العالم، إلى جانب صحافيين مستقلين ووسائل إعلام مستقلة فرصة كبيرة للتعلم على الصعيد الإداري والمالي، ولفتح المجال إلى إمكان إجراء محاكاة وقياس على المستوى الإداري، وإجراء عمليات نسخ لأساليب التمويل المستدام الممكنة والناجحة والمجربة من قبل، وإمكان إعمالها وتنفيذها في المؤسسات الناشئة لتأمين تمويل مستدام ومستقر، وهو ما ركزت عليه ورشات عدة خلال هذا المؤتمر ومؤتمرات سابقة. 

الصراعات الجيوسياسية والأزمات السياسية – العسكرية في الدول وتعقّد الصراعات، تعزز بشكل أكبر ويوماً بعد يوم الحاجة إلى التعاون عابر الحدود بين الصحافيين. وهنا كان مهماً الحديث في جانب عن الصحافة الاستقصائية عابرة الحدود، ولكونها من أهم المجالات التي يتم العمل على تطويرها وتعزيزها من قبل المنظمات وغرف الأخبار، وذلك لإعداد تحقيقات “كروس بوردر” تُحدث تأثيراً في مواضيع انتهاكات حقوق الإنسان والجريمة المنظمة والفساد المالي عابر الحدود.

يشكل هذا لكثير من الصحافيين فرصة مهمة للتركيز على هذا الجانب على اعتباره “ترند” صحافي عالمي، إلى جانب مواضيع أخرى مرتبطة بتطور التكنولوجيا وتوظيفها في غرف الأخبار. 

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

خولة بو كريم – صحافية تونسية
معركة حريات أخرى قد تكون طويلة الأمد تنتظر الصحافيين ونشطاء المجتمع المدني إن انقضت جائحة كورونا بسلام وهذه المرة بحجة محاربة الأخبار الزائفة …
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
أتت أزمة “كورونا” حجّة على “طبق من فضّة” للسلطات والحكومات العربية. إذ إنها تستخدم الوباء ذريعة لتشديد قبضتها على وسائل الإعلام وتضييق الخناق على المعلومات.
ICIJ
إن قانون الإعلام الرقمي الجديد في بنين “يشبه السلاح الذي يستهدف معابد… الصحافيين”
خولة بو كريم – صحافية تونسية
السلطات لا توفّر جهداً في محاولة برمجتنا وفق مزاجها وأجندتها فلربَما من السهل أن نحضر ندوات صحافية لرئاسة الحكومة ووزارتها أما رصدُ حالة المنشآت العامة المتهالكة وتصويرها فهذا يستوجب “ترخيصاً”.
درج
الفائزون بجائزة الشرق الأوسط يدخلون مباشرة للمنافسة على الجائزة بصيغتها الدولية
درج
في السنوات الأخيرة جرى صرف تعسفي لمئات الصحافيين اللبنانيين، وجرى الاعتداء على حريات عشرات آخرين فهل أقدمت النقابة على غير بيانات شديدة التهذيب والحذر لإدانة هذه الأعمال
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني